الجزائر
قلق يسبق جرس الدخول

أولياء يستعيدون إيقاع المدرسة وسط تحذيرات من الضغط على التلاميذ

سمير مخربش
  • 55
  • 0
ح.م
تعبيرية

يحذر مختصون في علم النفس من أن يتحول الدخول المدرسي إلى مصدر ضغط نفسي على الأطفال، خصوصاً عندما يربط الأولياء العودة إلى الأقسام منذ يومها الأول بالمعدلات والنتائج والنجاح، بدل التركيز في البداية على مساعدة التلميذ على استعادة نسق الحياة المدرسية والتكيف مع محيطه الجديد. ويؤكد الخبراء أن القلق الذي ينتاب بعض الأطفال قبل الدخول، خصوصاً التلاميذ الجدد أو المنتقلين إلى طور تعليمي آخر، يمكن أن يكون طبيعياً، لكن طريقة تعامل الأسرة معه قد تحدد ما إذا كان سيتراجع تدريجياً أم يتحول إلى مصدر توتر مستمر.
هذه المخاوف ستجد طريقها إلى البيوت الجزائرية، ولنا عينة عن الظاهرة من ولاية سطيف التي تستقبل أكثر من نصف مليون تلميذ، حيث تحصي مؤسساتها التربوية هذا الموسم 558.878 تلميذاً في مختلف الأطوار، وهو رقم يجعل الدخول المدرسي موعداً اجتماعياً ضخماً يتجاوز حدود المدرسة ليصل إلى كل بيت تقريباً. وبوصلة العائلات اليوم مركزة على استعادة الحياة اليومية التي توقفت خلال عطلة صيفية طويلة، اتسمت هذه السنة بدرجات حرارة مرتفعة دفعت كثيراً من الأطفال إلى البقاء داخل المنازل والسهر والنوم في أوقات مختلفة عن نظام الدراسة.

محفظة جديدة بها قلم وقلق وكراس ورهبة
في أحد أحياء مدينة سطيف، التقينا أماً منهمكة في ترتيب الأدوات المدرسية لأبنائها، لكن حديثها لم يكن عن الكراريس والأقلام بقدر ما كان عن النوم والاستيقاظ. تقول إن أبناءها “تعوّدوا على السهر خلال العطلة، وأصبح من الصعب إقناعهم بالنوم والاستيقاظ في وقت مبكر”، مضيفة أنها بدأت قبل أيام في تقديم موعد النوم تدريجياً حتى لا يجدوا أنفسهم، أمام تغيير مفاجئ في نمط حياتهم”.
وفي بيت آخر، ينشغل أب لثلاثة أبناء في أطوار مختلفة بالتحضير للدخول من زاوية أخرى. فبعد شراء اللوازم والملابس، يقول إن العائلة بدأت في تنظيم يومياتها من جديد، لأن “العطلة كانت مفتوحة، أما الدراسة فلها وقت للنوم والاستيقاظ والأكل والمراجعة، وهذا يحتاج إلى أن تتعود عليه الأسرة كلها وليس الطفل وحده”. ويضيف أن الأبناء اعتادوا خلال الصيف على الهاتف والسهر، ولذلك، فإن العودة إلى النظام لا يمكن أن تتم في ليلة واحدة.
وتبدو المسألة أكثر حساسية بالنسبة إلى الأطفال الذين سيدخلون المدرسة لأول مرة. فهؤلاء لا يعودون إلى مقاعد يعرفونها، وإنما ينتقلون من البيت إلى فضاء جديد تماماً، من دون أن يعرفوا مسبقاً ماذا ينتظرهم خلف باب القسم. المحفظة الجديدة قد تكون مصدر فرحة، لكن الأسئلة تبدأ قبل الدخول: من ستكون المعلمة؟ من سيجلس بجانبي؟ متى تعود أمي؟ وهل سأجد أصدقاء؟
فمع كل تلميذ يعود إلى المدرسة، هناك ولي سيعيد ترتيب اهتماماته، وأم ستضبط برنامج المنزل، وسرير بحاجة إخلاء مبكر، وأسرة ستدخل في دورة جديدة من الحياة اليومية.

لا تجعلوا الدخول المدرسي امتحاناً آخر
وفي تصريح للشروق اليوم يقول المختص النفساني الأستاذ كمال حداد أن دور الولي يبدأ قبل دخول الطفل إلى المدرسة، وليس عند باب المؤسسة فقط. ويؤكد أن بعض مظاهر الخوف أو التردد لدى الطفل الجديد طبيعية، وأن بكاءه في اليوم الأول أو تمسكه بوالدته لا يعني تلقائياً وجود مشكلة نفسية. ويؤكد أن “المشكلة تبدأ عندما يتحول الخوف إلى حالة مستمرة تعطل حياة الطفل، مثل رفض الذهاب إلى المدرسة بشكل متكرر، أو اضطراب النوم، أو تغير واضح في السلوك، أو ظهور أعراض جسدية متكررة مرتبطة بالذهاب إلى المدرسة”.
ويشرح المختص أن الطفل يحتاج في هذه المرحلة إلى الشعور بأن الأسرة تفهمه، وليس إلى سماع عبارات تزيد مخاوفه، مثل “إذا بكيت سأتركك” أو “إذا لم تدرس ستفشل”، لأن الطفل قد لا يملك القدرة على الفصل بين التخويف العابر وبين الخطر الحقيقي. لذلك، فإن الحديث عن المدرسة ينبغي أن يكون بسيطاً ومطمئناً، مع إعطاء الطفل فرصة لطرح أسئلته والتعبير عن الأشياء التي تخيفه.
ولا يقتصر الضغط على الأطفال الذين يدخلون المدرسة للمرة الأولى، فالتلاميذ الذين ينتقلون من الابتدائي إلى المتوسط، أو من المتوسط إلى الثانوي، يعيشون هم أيضاً مرحلة انتقالية لها خصوصيتها. فالمؤسسة الجديدة تعني أستاذاً جديداً، ومواد أكثر، ونظاماً مختلفاً، وأحياناً أصدقاء جدد، وهو ما يجعل بعض التلاميذ يدخلون الموسم بمزيج من الحماس والخوف.
وبالنسبة لوائل من سطيف، الذي ينتقل إلى طور جديد، فإن أكثر ما يشغله هو “الأساتذة والمواد الجديدة والأصدقاء الجدد”. أما والده فيقول إن ما يحاول فعله هو “عدم تخويفه من السنة الجديدة”، مؤكداً أنه لا يريد أن يبدأ ابنه الدراسة وهو يشعر بأن كل خطأ سيكلفه معدلاً ضعيفاً أو توبيخاً في البيت.
ويرى المختص النفساني أن هذه النقطة مهمة جداً، لأن بعض الأولياء يعتقدون أن الضغط المستمر هو وسيلة لتحفيز الطفل، بينما قد يؤدي في بعض الحالات إلى النتيجة المعاكسة. فالطفل الذي يسمع باستمرار عن ضرورة الحصول على معدل مرتفع قد يبدأ في النظر إلى المدرسة باعتبارها اختباراً دائماً، وليس فضاء للتعلم والتطور، خصوصاً إذا كانت الأسرة تقارنه بإخوته أو بأبناء الأقارب والجيران.
وبينما تنشغل العائلات في الساعات الأخيرة بتجهيز المحافظ والملابس وضبط المنبهات، يبقى التحدي الحقيقي هو كيفية جعل العودة إلى المدرسة انتقالاً طبيعياً بعد عطلة طويلة، لا صدمة مفاجئة للطفل. فالمختصون لا يطالبون الأولياء بالتخلي عن المتابعة أو الطموح الدراسي، وإنما يحذرون من تحويل الطموح إلى ضغط، ومن جعل المعدل أول سؤال يطرح على الطفل عند عودته من المدرسة.
ستكون المشاهد مختلفة من طفل إلى آخر، تلميذ ينتظر أصدقاءه بفارغ الصبر، وآخر يخشى أستاذاً جديداً، وثالث يتشبث بيد والدته عند بوابة المدرسة، ورابع يدخل السنة الجديدة وهو يحمل على كتفيه توقعات كبيرة من الأسرة. وعائلات تجعل من الدخول المدرسي فرحا بالشخشوخة و”البغرير”، وأخرى تحتاط، وكأنها معركة طاحنة بالدروس الخصوصية والتعرف على المعلمين، وبين هذه الحالات جميعاً، تبزغ رسالة المختصين التي تركز على حاجة الطفل في البداية إلى من يطمئنه ويفهمه ويرافقه، قبل أن يطالبه بالنتيجة.

مقالات ذات صلة