جواهر
المعريفة والرشوة وكلّ شيء مستباح في سبيل النجاح

أولياء يشجّعون أبناءهم على الغش في الإمتحانات

أماني أريس
  • 4876
  • 18
الأرشيف

يعتبر بعض الأولياء نجاح أبنائهم في الدراسة لقبا للتفاخر، وتأشيرة للانتقال إلى مستويات أعلى بدل إعادة سنة كاملة بتكاليفها المادية والمعنوية، وعليه يكون تحصيله غاية تبررها كل الطرق والوسائل. فيضلعون في تشجيعهم على الغشّ وتبريره، ويصل بهم الأمر إلى محاولة شراء ذمم الأساتذة باستعطافهم و تملقهم أو رشوتهم، خصوصا إذا كانوا من معارفهم.

ولا شك أنّ هذه التصرفات المشينة البادرة من الأولياء، من أهم الأسباب التي هوّنت الغشّ لدى التلاميذ فأصبحوا يمارسونه بتمرّس وجرأة، سيما مع توفر شبكات الانترنيت، وأجهزة التواصل العصرية. جواهر الشروق كان لها وقفة مع الظاهرة التي رصدتها من خلال هذه القصص والشهادات الواقعية. 

المهم تنجح!

كانت تتصل بابنتها كلما انتهت فترة امتحانها في مادة معينة، وفي إحدى المرّات ارتفع صوتها وبنبرة تنم عن فرحة غامرة التفتت إلي ” لقد سرّبوا الأسئلة عبر الفايس بوك ” ثم واصلت مهاتفتها تتأكّد إذا ما كانت ابنتها قد وضعت إجابة صحيحة وقد وقعت الأسئلة بين يديها قبل الإمتحان. سألتها بعد إنهاء المكالمة هل ستكونين سعيدة بنجاح ابنتك عن طريق الغش ؟ تغيرت ملامحها وردّت عليّ بغضب: ” الكل حصل على الأسئلة وليست ابنتي وحدها.. ثم أردفت : المهم تنجح. ” هذا الموقف عايشته شخصيا مع إحدى الأمهات جاورتني في غرفة المستشفى. وتزامن ذلك مع فترة اجتياز امتحانات الباكالوريا للسنة الفارطة. 

إضفاء الشرعية 

وتتغلب العاطفة على العقل لدى بعض الأولياء فيحاولون إضفاء الشرعية على الغش، بتقديم المبررات الواهية للأساتذة والمعلمين؛ حال القبض على أبنائهم متلبسين بعملية الغش في الامتحان، أو تشجيعهم عليه بطريقة غير مباشرة، من خلال استغلال معارفهم، واستجدائهم وإحراجهم و حتى رشوتهم لنفخ علامات أبنائهم، ومساعدتهم في تحقيق ترتيب أو نجاح غير مستحق.

حتى المنتمون للقطاع 

 وعن ذلك تقول إحدى الأستاذات: ” في مشواري التعليمي ابتليت بأولياء تعميهم العاطفة اتجاه أبنائهم ولا يعرفون معنى النجاح النزيه، ويصبح الأمر كارثيا إذا كان هؤلاء الأولياء ينتمون إلى قطاع التربية والتعليم “. 

 وتواصل الأستاذة حديثها بكثير من الأسف والتحسّر عمّا حدث لها مع زميلة في المهنة تقول: ” قبضت على تلميذتي تغشّ، فسحبت منها ورقة الإجابة، ووضعت لها علامة واحد، وعندما أخبرت والدتها وهي زميلة لي في نفس المتوسطة، صدمت من ردّة فعلها، فبدل أن تخجل وتعدني بمعاقبة ابنتها، استسلمت لعاطفتها، وراحت تبرر لها بالمرض والإرهاق، وأنّ نقلها لجملة أو بعض الكلمات لا يعتبر غشّا تستحق عليه علامة واحد، وتطلب منّي الصفح عنها ورفع العلامة إلى عشرة !”. 

حاول رشوتي !

أما قصة الأستاذ حسين ( أستاذ رياضيات للطور المتوسط) فهي وإن كانت تصبّ في مجرى الموضوع إلا أنها أمرّ وأخطر، لكونها تكشف مدى غياب الوعي لدى بعض الأولياء، واستعدادهم لفعل أي شيء من أجل ضمان نجاح زائف وغير مستحق لأبنائهم، وعن ذلك يقول الأستاذ: ” هناك من يحرجونني بتملقهم، حتى أمنح لأبنائهم علامات جيدة، لكن أخطر وأسوء موقف كان مع جاري، وهو صاحب مكتبة لبيع الأدوات المدرسية والكتب، فمنذ أن رأى علاماته ضعيفة تنذر برسوبه في امتحان شهادة التعليم المتوسط، بدأ يتملّقني ويستجديني بحق الجيرة والعشرة أن أرفع له العلامات حتّى يتمكن من النجاح بالمعدّل السنوي. وعندما اعتذرت منه وأخبرته أن نجاح ابنه بهذه الطريقة لا ينفعه في الثانوي، فاجأني في اليوم الموالي بإرسال ثلاث صناديق تحتوي على أقلام وأدوات مدرسية وأوراق بيضاء. لكنّني اعتذرت عن قبولها “. 

تسليع العلم 

أثرنا موضوع الظاهرة مع المؤطّر التربوي سعيدي أحمد وطرحنا عليه السؤال: لماذا يعتبر بعض الأولياء نجاح أبنائهم الدراسي غاية تبرر كل الوسائل؟. 

فكان هذا ردّه: ” للأسف كما نعلم جميعا، بعضهم يقوم بتزوير الشهادات أو شرائها، فالمجتمع تطغى عليه فكرة أنّ التعليم والحصول على شهادات عليا هو ” السّلاح ” وهي كلمة تدلّ على تسليع العلم، واعتباره وسيلة للحصول على مناصب محترمة. وتأمين الحياة من الجانب المادي، فيما تكون النظرة التقييمية للعلم لذاته، وكونه وسيلة لتطور وارتقاء الفرد والمجتمع في جميع الميادين شبه منعدمة، وقبل ذلك هو فريضة علينا في ديننا الحنيف، لكونه سبب معرفة الخالق حق المعرفة، مع ذلك نجد الأولياء لا يهتمون بالمستوى العلمي الحقيقي لأبنائهم، بقدر ما يهتمون بالنجاح حتى لو كان بطرق غير شرعية”.

مقالات ذات صلة