الرأي

أول حرب عالمية غير متوازية

حبيب راشدين
  • 6453
  • 12

مواقع الشبكة تعج اليوم بنبوءات تعدنا بقرب اندلاع حرب عالمية مدمرة لم تعد نبوءاتها حكرا على بعض المهوسين بأساطير “نهاية الزمن” أو حتى نهاية العالم، بل يشاركهم كثير من الخبراء ودور دراسة محترمة باتت ترى أن العالم يقف على مشارف حرب كونية تشكل فيها أزمات الشرق الأوسط الصاعق الأكثر خطورة، ويمنحها التنافس الأمريكي الروسي على الزعامة أكثر من فرصة، فضلا عن غياب بدائل لمواجهة أزمات العالم المركبة، ونشوء قناعة بامتناع قيام نظام عالمي جديد ما لم تلحق الهزيمة بمبدأ المقاومة عند الشعوب.

غير أن هذه التقديرات فيها قدر كبير من التضليل وكأنها لا ترى في المعارك الطاحنة التي تغطى اليوم معظم جغرافية العالم العربي صورة مكتملة لحرب كونية غير متوازنة، قد اجتمعت فيها مواصفات الحرب الكونية، من جهة القوى العالمية المنخرطة، مع تشكل تحالفات غريبة خرقت الحدود العقائدية، والدينية، والإثنية التقليدية، لتشترك متضامنة في حرب هي أقرب إلى حرب إبادة للشعوب منها إلى معارك ضد الإرهاب.

دعونا نذكر بطبيعة وحجم القوى المتدافعة اليوم نحو بؤرة الشرق الأوسط، لنكتشف أن المنطقة تشهد أكبر تجمع للأساطيل البحرية الغربية والشرقية، وتنشيط مكثف لعشرات المطارات الحربية تنطلق منها يوميا مئات الطائرات لتنفيذ مئات الغارات على مدن عراقية وسورية، وقد اعترفت روسيا بإرسال قرابة 25 ألف مقاتل ومستشار، بينما تتنافس دول الحلف الأطلسي في إرسال وحدات كوموندوس لتأطير ميليشيات قومية وطائفية، وقد دخلت القوات الإيرانية بفرق كاملة من الحرس الثوري في سورية والعراق، بينما يكون انخراط حزب الله قد كلفه حتى الآن ضعف ما خسره في جميع مواجهاته مع الكيان الصهيوني.

إحصاء بسيط يقودنا إلى تأكيد انخراط فعلي لخمسة جيوش مصنفة كأقوى جيوش العالم، تسندها جيوش محلية تتصدر قائمة الجيوش الأقوى في الإقليم: العراق، سورية، تركية، إيران، والسعودية، مع احتمال تدخل جيش الكيان في أية لحظة، ناهيك عن تجييش ميليشيات محلية طائفية وقومية لا أحد يعلم تعدادها.

وقد فهمنا من الخطاب الأخير للرئيس بوتن أن الهدف من انخراط روسيا في الحرب هو حمل الولايات المتحدة على القبول بعالم متعدد الأقطاب وليس القضاء على الإرهاب كما قيل، وليس انخراط دول الأطلسي أكثر من محاولة أخيرة لمنع قيام عالم متعدد الأقطاب، بكسب معارك الشرق الأوسط التي بدأت مع الاجتياح الأمريكي للعراق، والذي كان يشكل وقتها درسا افتتاحيا لما سمي بالقرن الأمريكي الجديد.

 في هذه الحرب العالمية الغير متوازية لا يتصور عاقل أن تكون الغلبة للجماعات المصنفة كجماعات إرهابية أمام تكتل غير مسبوق للقوة من الشرق والغرب، كما لا يتصور في المقابل أن يتحقق النصر على تنظيم الدولة والقاعدة دون اقناع حاضنتهما الافتراضية العربية والإسلامية عبر إشراكها الفعلي والمنصف في الحل، قبل دعوتها للمشاركة في حرب غامضة توشك أن تحوّل حواضرها إلى أثر بعد عين، إلا إذا كان الهدف الخفي لهذه الحرب هو ضرب مبدأ المقاومة عند الشعوب، على أمل إلحاق الهزيمة بشعوب المنطقة التي يحسب لها وعليها المسؤولية في إفشال المشروع الصهيوني وتعويقه، وتفكيك الإمبراطورية السوفييتية، وإجهاض مسار القرن الأمريكي. 

مقالات ذات صلة