أول نوفمبر رغم الغبار
بكلمات ليست ككل الكلمات، نتقدم من حضرة الفاتح من نوفمبر، نشيح بوجه النسيان والغفلة ما ران على الايام الخالدات منه، ونتجدد بهاء ورونقا يليقان باللقاء به.. فهنا عبق تلك اللحظات التاريخية العبقرية التي سجلت فاصلة بين الموت الجبان، والتلهي على هامش حياة المستعمرين من جهة، والموت المجلجل، وصناعة الحدث الذي غير الحياة.
الآن، ونحن نتابع الحروب في البلاد العربية، وكيف ينزف الدم المسلم والعربي، وقد لفت الفتنة الكبرى بلادنا وقد أحكم المستعمرون اللعبة وحبالها، فعدنا نرفع رايات في غير موضعها، واسماء على غير مسمياتها، فأصبح الاقتتال بديلا عن الجهاد، وأصبح الخروج المسلح بديلا عن الثورة والجهاد.. وأصبحت الحكومات عدوا بديلا عن المستعمرين..
لقد أوقعونا في فوضى المصطلحات وفقدان البوصلة، ودفعوا بشعوبنا في ملحمة داخلية، حتى عدنا لا نرى في الأرض ساحات للحروب والقتل والدمار سوى بلاد المسلمين، وها نحن نكرر تجاربنا في مشارقنا ومغاربنا والمتواصل فينا هو القتل والموت والخراب والدمار، وكأننا هكذا أمة بلا مرجعية وبلا فقه ولا ثقافة ولا تاريخ..
بروح الانتحار وبفلسفة العنف والعنف المضاد، تساق مجتمعات العرب والمسلمين، فلقد هان القتل وتساوى العاقل بالمجنون، والمجرم بصاحب القضية.. ومع كل هذا انبرى رهط من الأفراد المأزومين والمعقدين ينفخون في نار الفتنة بلا تردد، يبررون للقتل واستمراره.
نوفمبر يشرئب بعنقه العزيز إلى السماء يقول للعرب والمسلمين: أتذكرون يوم كان الجهاد جهادا ضد المستعمرين؟ أتذكرون يومها كم كانت الأمة فخورة بشهدائها ومجاهديها، وكم كانت الامة ممتلئة بالاعتزاز والشعور بالكبرياء وهي تجالد الحلف الاطلسي.. يقول نوفمبر إن طريق الثورة طريق طهارة ونبل وسيادة وتحرر من تبعيات الأجانب اصحاب المشاريع الخبيثة.
إذن.. من جديد، يؤدي نوفمبر مهمة معرفية ضرورية لأجيال من الشباب الذين هم في أمس الحاجة للتعرف على مواطئ أقدامهم، وفي أي الدوائر تقع رؤوسهم، حيث تقوم أجهزة الإفساد الدولية متحالفة بدون اتفاق مع قوى الجهل والتخلف في مجتمعاتنا، لتضرب أواصرنا الاجتماعية وتفتت روابطنا التي يمكنها صون وحدة بلداننا.. إن نوفمبر يذكرنا جيدا بأن المستعمرين لا يحملون في جعبهم إلا السم الزعاف للأمة ومستقبلها، كما أنه يضعنا على سبيل واحد، أنه الوعي بخطط الاعداء، ورفض تدخلاتهم، ورفض الاستقواء بهم.
شكرا لك نوفمبر العزيز، وتحيات مباركات لأرواح من صنعوك، ولارواح من ولدوا من ثنايا روحك.. سلام عليك وأنت تستفتح الزمان بالله أكبر، وانتشلنا يا سيدي نوفمبر من فوضى المفاهيم واضطراب الوعي.