الجزائر
المجاهد محند إيزوباشن "أمين سرّ" الزعيم الراحل لـ"الشروق":

أيت آحمد ليس انفصاليا.. ولهذا عارض “الحزب الواحد” وبارك فوز “الفيس”

الشروق أونلاين
  • 13037
  • 0
الشروق
المجاهد محند إيزوباشن

“تجاهله النظام وهمشه، تكالب عليه الجهلة ونعتوه بخائن الوطن، في المستقبل القريب سيتضح لنا جليا فراغ مكانة هذا الرجل، الذي كان سدا منيعا عالج بالسياسة أزمات تسببت فيها ارتجالية بعض صناع القرار، الذين لم يتوصلوا لتقبل واحتواء أفكار هذه الموسوعة التاريخية والأيقونة السياسية، سينحني أمامه التاريخ لنزاهته ووطنيته ويتذكرهم بمواقفهم المخزية حتما”.. هكذا بدأ المجاهد محمد ايزوباشن حديثه عن رفيق دربه الراحل حسين آيت احمد.

عاد بنا السيد “محند زابشي” المدعو “محند إيزوباشن” رفيق الراحل “الدا الحسين”، أو “أمين أسراره” كما يلقبه المقربون من الرجلين، مناضل ومجاهد، استطاع ان يكسب مكانة قريبة من الزعيم رغم الاختلاف الجوهري بينهما، إلا أن تواضع آيت احمد وأمانة زابشي جعلت من علاقتهما تتعدى حدود النضال وتستمر رغم المسافات.. يحدثنا السيد “زابشي” الذي زرناه في منزله بتامدة في ولاية تيزي وزو لآول أمس، بحرقة عن رحيل رجل اختصر وزنه بالقول: “همشوه بالأمس، وسيعرفون قيمته في المستقبل القريب، انه عراب السياسة والأب الروحي للحرية والديمقراطية، واصل نضاله على طريقته في منفاه وآلمه كثيرا وضع البلاد المنساقة نحو الهاوية من جهلة وصفوه يوما بالخائن، ما الذي منعهم من محاكمته ومحاسبته لو سرق مال الشعب او نهب خيرات الوطن، نظافته وعفته يشهد لهما العدو قبل الصديق  .

 

رحل آيت أحمد وبجعبته أسرار “لا تصدّق”

وأضاف المتحدث أن آيت احمد رحل وبجعبته الكثير من الحقائق والأسرار التي فضل إبقاءها مغيبة حماية للوطن، لأنها قد تتسبب في “ثورة أخرى”(..) لو كشف الستار عنها، أنا احترم موقفه وما لم ينشره عبر وسائل الإعلام يبقى سرا يحتفظ به.

 يقول المجاهد وهو مناضل في حزب الأفافاس، انه كان يتلقى أخبار آيت احمد إبان الثورة من القادة، ولم يتعرف عليه الا بعد تمرد 1963، حيث ساعد في تحويله إلى عرش أث جناد بفريحة هروبا من ملاحقته من قبل النظام حينها ونجا بأعجوبة من الموت بأيت ارهونة في أزفون، وهي الفترة التي نشأت فيها صداقتهما وبقيت مستمرة إلى غاية وفاته.

ويضيف المجاهد في شهاداته: الكثير من المحيطين بنا كانوا يستهجنون علاقتنا الوطيدة، لاختلاف المستويات بيننا، فهذه كانت ميزة الرجل، فرغم مستواه التعليمي وثقافته الواسعة، الا انه كان قريبا من الجميع، قليل الكلام وحريص في تعاملاته، مستواه كان سببا في معاداته السياسية والمتصارعين على الحكم والرئاسة بعد الاستقلال، فقال بن بلة يوما: “نحب آيت احمد، لكنه بمستواه يستصغرنا”، وعلق المجاهد قائلا: لم يكن آيت احمد يستصغر او يحتقر أحدا انما مستواه المتقدم وأفكاره التحررية والمثالية لم يكن الجميع يستوعبها، فكان شوكة في حلق الجميع رغم اعترافهم بوطنيته وأمانته.

بعد تمرد 1963 ومحاولات التهدئة والتأجيج التي قام بها رفقاء النضال، حاول بن بلة استمالته وكسبه بتنصيبه وزيرا للخارجية بعد ما رفض كرسي الرئاسة فجر الاستقلال، الا ان مواقفه من الحكم بقيت ذاتها، إذ رد بأنه كان يسعى للتحرر من فرنسا ولن يكرس ما أسماه “استعمارا جديدا” عبر الحزب الواحد، أهدافه كانت اكبر من ان تحصر في كرسي للحكم، لكنها مثلت خطرا بالنسبة لبومدين وبن بلة من بعده.

 

النظام لم يتصالح مع الأفافاس.. وملف ضحايا ومفقودي 1963 لازال عالقا

بعد سجنه سنة  1964والحكم عليه بالإعدام من خلال محاكمة سرية من قبل بومدين، تمكن من الهروب من سجن الحراش ماي 1966، حيث أشار محدثنا إلى ان بومدين لم يسجن آيت احمد ليطلق سراحه، حيث وبعكس الكتابات التاريخية آيت احمد فر من السجن بمعية احد أصدقائه ولم يحرر، وبعد ذلك شددت الرقابة علينا وعانينا من المضايقات، اذ لم نتمكن من التواصل معه ولا لقائه، إلى غاية الثمانينات.

 وواصل محدثنا قائلا بأن النظام لم يتصالح بعد مع الأفافاس وبشكل مباشر احتفظ بخصامه ومعاداته لآيت احمد، والدليل على ذلك ملف المفقودين وضحايا تمرد 1963 الذين لايزال عالقا لحد الساعة، متسائلا: أين مفقودي الأزمة، ما هو مصيرهم، علينا توضيح الكثير من نقاط الظل حتى نستطيع إرساء المصالحة مع التاريخ والمضي قدما؟

 

أيت احمد لم يعارض فوز “الفيس” واعتبره مكسبا ديمقراطيا

في سنة 1992يقول المجاهد محمد ايزباشن: أعربت لـ “الدا لحسين” عن مخاوفي تجاه فوز الفيس المحل في الانتخابات، فرد علي قائلا: لقد شاركوا في الانتخابات واختارهم الشعب عبر الاقتراع، دعهم يقدمون ما لديهم خلال عهدتهم إن نجحوا استمروا وإن فشلوا تركوا المجال لغيرهم، المهم أنهم اختيار الشعب ولم يفرضوا عليه فرضا، وقال آيت أحمد حسب الشهادة: إلى متى ننصب الحكام بالقوة والتهديد والدم، الصندوق وشفافية الانتخاب هو المكسب الأقوى للشعب، ومسعانا الأكبر إرساء الديمقراطية.. واعتبر هذا الإنجاز خطوة نحو إرساء دولة القانون عبر ترسيخ الانتخابات الحرة، إلا أن الأمور سارت بشكل أدخل الوطن في عشرية من الدم وكانت نتائجها ثقيلة لايزال الشعب يدفع ثمنها لحد الساعة.

 

الجزائر تمر بمرحلة لم تعرفها من قبل

ويقول رفيق آيت أحمد: “ما يحزنني أكثر اليوم ان الثائر رحل والجزائر تعيش مرحلة لا تختلف كثيرا عن تلك التي حارب، تمرد وحورب من اجلها، فالحديث عما يتعلق بالنظام والحكم أصبح جريمة، فالجزائر تعيش مرحلة لم تعشها من قبل” برأي المجاهد ايزباشن.

وعن تملق بعض الساسة المتفننين في مدحه والثناء عليه بعد رحيله وبينهم من نعتوه في الماضي القريب بالخائن، قال محدثنا أن الأمر لا يتعدى كونه صورة من صور الخوف الذي يعتريهم حيال الراحل حتى بعد وفاته، اليوم وغدا سيحتلون الواجهات ويستحوذون على خطابات وكلمات نعيه ورثائه حتى لا يعطوا الفرصة لأتباعه بالحديث عليه، لأنهم بالضرورة سيهاجمون النظام، أعداءه اليوم سيتحدثون عن خصاله وصفاته، ومحبوه سيتحدثون عن أهدافه وأفكاره، وهذه الأخيرة معادية لهم ولا تصب في صالحهم.

وأضاف المتحدث: هذه السياسة تسعى لاستمالة اكبر قلاع المعارضة للنظام منذ فجر الاستقلال وتلطيخ الحزب العتيد بكسر مساره التحرري.. الأفافاس لم يكن حزبا للمتمردين أو دعاة الانفصال كما أسمونا حينها، هو حزب مجاهدين جددوا عهدهم بالجبل، عانينا ـ يقول محدثنا- من البرد والجوع والخوف، لكننا اتحدنا وتحدينا المصاعب في سبيل الحرية والديمقراطية.

 

لم يساوم في وطنيته وحرص على وحدة الجزائر واستقلالها

وبخصوص القضية الأمازيغية، أكد ايزباشن أن الراحل آيت أحمد، أمازيغي ووطني، نظرته للأمور وحرصه على وحدة التراب الوطني جعل من أفكاره اكبر من أن يفهمها أيا كان، حين قال آيت احمد مقولته الشهيرة، سنة 1949: “كنت رئيسا للمنظمة السرية من 1945 إلى 1949 ولم أفكر إطلاقا في طرح قضية العربية والأمازيغية، لأن العدو الفرنسي تواجد في الوسط، فضلت جزائر عربية على أن تكون فرنسية، لكني وجدت مع الوقت أشخاصا أرادوها فرنسية، فقط كي لا تكون بربرية.

 وعن السبب الذي أبعده من المنظمة السرية، يقول محدثنا أن آيت احمد اثبت حقيقة أنه لم يكن على علم بالاجتماع الذي نظمته الأطراف المتبنية للنزعة العرقية وتنظيم ما يسمى “حزب الشعب القبائلي”، لأنه حريص على وحدة الوطن وحريته، وما دفع بن بلة للدفاع عنه وإبعاده إلى مصر ليخدم القضية من الخارج، هو كتابته لرسالة خطية رسم في إحدى زواياها رمزا بالأمازيغية، فاطلع عليها بن بلة وقال، سنبعده عن المنظمة ونرسله للخارج، رجل بوزنه لازلنا بحاجة إليه.

اليوم، وبعد رحيل هذا الثوري الفذ والسياسي المحنك يقول المجاهد ايزباشن أرجو أن تتحقق أمنيته في المستقبل القريب، دعوا الشعب يقرر مصيره، أعطوه حريته ولا تكمموا أفواهه.

مقالات ذات صلة