أيسر .. عنوان قضية
عسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله في خيرا كثيرا.. من مطار القاهرة الى معبر رفح ذهايا او ايابا رحلة لطالما دفع الفلسطينيون فيها من المعاناة والالم ما يجدد لهم الاحساس بأن صانعي قضيتهم ليس فقط الصهاينة والامريكان مع جريمتهما الكبرى .. يكتشف الفلسطينيون ان هناك اخوة لهم يشتركون في الحصار والايلام ..
المهم على كراسي الحجز في مطار القاهرة وفي انتظار حافلة الترحيل في اليوم التالي يبحث كل واحد من المحجوزين عن سبيل لتفريغ المعاناة ولانني اعتدت على الحجز واراه احدى الوسائل التي تطارد في الوهم باحتمال ان الامور تتحسن وان هناك فسحة للامل.. كان علي سريع التوجه لتفحص وجوه المحجوزين والمجهوزين للرحيل.. كان أيسر شابا فلسطينيا تضرب التجاعيد في وجهه النحيل وراسه الاصلع وعينيه الزائغتين ..شاب ينطوي على نفسه سألته الى اين : فاجابني الى المغرب..
وماذا ستفعل هناك فرد مسرعا اريد ان التقي ابي هناك فانا لم اره في حياتي.. كانت هذه الكلمات كافية لشد الانتباه اليه وتلاحقت الاسئلة وافاض بالاجابة ولضيق الحيز ساختصر قدر الامكان..قال ايسر انا هنا منذ اربعة ايام محجوز بالمطار انتظر رحلة سفري ولم يسمحوا لي بدخول مصر.. ابي ودع امي قبل ان تضعني بشهر واوضاها ان تسميني ايسر حينها كان عائدا من حرب لبنان سنة 1982 ونزلا بمصر ولأنه مبعد من فلسطين بعد ان القي عليه القبض وقضى في سجون الاحتلال سنين عدة لم يستطع العودة الى غزة اما امي التي جربت قسوة الابتعاد عن الوطن حتى لو كان محتلا فأصررت على العودة وفي مواجهة الظرف القاسي اصرت امي عليه ان يتزوج في مصروامعانا منها على تاكيد قرارها ذهبت وخطبت له..
عادت امي لغزة لتضعني هناك وتسميني كمات اوصى ابي الذي وجد نفسه مضطرا للعودة الى القتال في طرابلس عندما شن المنشقون حربهم ضد قوات الثورة الفلسطينية..من ذلك اليوم غابت اخباره عنا..حاول العودة الى مصر فلم يسمحوا له ولم يسمحوا لزوجته اللحاق به..سافر الى تونس وبعد عودة المنظمة الى الارض المحتلة كان من المرفوضين امنيا فانتقل الى المغرب وهناك تزوج وانجب.. اما نحن فلقد اقمنا له بيت عزاء بعد ان بلغنا موته في حرب 1983 ..
هنا كان السؤال المنطقي وكيف عرفتم انه لايزال حيا.. ففتح لنا ايسر قصة جديدة انه كان يعمل في حراسة ابوعمار وفي يوم حصل له مشكلة مع احدهم فاحيل الى الرئيس الذي ساله عن اسمه الحركي “قلقلة” فاجابه الشاب انه اسم حركة لابي الذي لم اره فسأله الزعيم وما اسم ابيك فأفاده باسمه، حينها قام الزعيم الوالد ليحتضن الشاب ويزف له خبرا عزيزا ان اباه لايزال حيا ويوجد في سفارة فلسطين بالمغرب.. وثوان قليلة واذا بالشاب يكلم اباه تلفونيا لاول مرة يسمع صوت ابيه وتبدا رحلة التعرف ويقوم الزعيم القائد بصرف ارض للاسرة وامر ببناء بيت من طابقين ووفر لهم راتبا شهريا ومنحة في كل عيد..
انها المعاناة التي تتجدد وتجد فرصة لسردها في محتجزات بعض العرب وسجونهم فشكرا للحاجزين على حسن الضيافة.