أين المذكرات الحقيقية؟
حملات كثيفة تشهدها الساحة الإعلامية هذه الأيام من أجل التسويق لشبه المذكرات التي أصدرها السيد رضا مالك قبل أسابيع في كتاب تحت عنوان “ثورة التحرير والثورة الديمقراطية كتابات، الأمس واليوم”، والذي قال عنه صاحبه أنه عبارة عن مقالات كتبت في موازاة الأحداث والتي يعني بها أحداث العشرية السوداء ابتداء من بداية تسعينيات القرن الماضي…
ولا ينفي فيها مشاركته الفعالة في هندسة المأساة الجزائرية التي هي إنقاذ للجزائر من وجهة نظره ولا ينكر، ضمنيا على الأقل، عمله الدءوب على دفع الجيش إلى الانقلاب والدخول في متاهات الأزمة، ويطالبه اليوم بالانسحاب من الحياة المدنية وفسح المجال للديمقراطية بعد أن أدى به هو وبعض زملائه الذين يسمون أنفسهم ديمقراطيين إلى الدخول في بذل التضحيات الجسام، كان في غنى عنها، من أجل استرجاع الأمن والمحافظة على الوحدة الوطنية التي كانت آخر اهتماماتهم أمام العمل على تجنيد كل مؤسسات الدولة في مهام خطيرة وخاطئة لتحقيق مصالحهم الشخصية الضيقة.
ومن الغريب الذي يدفع إلى الحيرة والتساؤل أن مذكرات أو كتابات السيد رضا مالك وقبله مذكرات اللواء خالد نزار وغيرهما من السيلان الحادث في هذا الميدان وحول نفس الأحداث والفترة، تأتي في الوقت الذي يرحل فيه المجاهد العظيم بن طوبال إلى جوار ربه دون أن يسمح له بإصدار مذكراته التي يبدو أن هناك من أقسم بأنها لن ترى النور حتى بعد رحيله لما تتضمنه من حقائق وأسرار حول الجزائر خلال وبعد ثورة التحرير، خاصة ما يتعلق بذلك من علاقة بعض عناصر النظام الجزائري الحالي بهذه الثورة وبالاستعمار الفرنسي.
وما يدفع في الحقيقة إلى هذه الشكوك هو أن السيد رضا مالك الذي هو رجل من رجالات هذا النظام غير القابلين للتناول بالنقد أو اللوم بالإضافة إلى اعتباره رجلا من رجالات الثورة، لم يبدأ مذكراته من حيث كان عليه أن يبدأ أي من مرحلة الثورة التي هي فوق أحداث تسعينيات القرن الماضي وفوق كل الأحداث التي عاشتها الجزائر بعدها، لأنها تتعلق بكيانها في الماضي والحاضر والمستقبل وتتعلق بمصيراستقلالها الذي أصبح اليوم يبدو هشا جدا وفي خطر الزوال أمام المستعمر القديم الذي أصبح يهددها في كل مرة برمي محتوى البنود السرية لاتفاقيات إيفيان في وجوهنا حتى أن بعض المسؤولين من جيل رضا مالك وزملائه يعارضون مشروع قانون تجريم الاستعمار بناء على اتفاقية إيفيان وحتى أن وزير الخارجية الفرنسي قال أن السلطات الجزائرية لن تسمح بمرور هذا القانون، لأنه يتعارض مع بنود في اتفاقية إيفيان، لا نعرف محتواها نحن عموم المواطنين، ولكن السيد رضا مالك يعرفها بالتأكيد، لأنه كان من مهندسيها، إذ كان يشغل منصب الناطق الرسمي باسم الوفد الجزائري المفاوض حول هذه الاتفاقيات.
هذا ما كان يجب أن يكشف عنه السيد رضا مالك ويكتب عنه المذكرات، لأنه يتعلق بمصير الأمة الجزائرية كاملة في الماضي والحاضر والمستقبل وبمصير الدولة الجزائرية، وليس فقط عن مرحلة قصيرة قد مرت وإن عرفت أحداثا مؤلمة ودامية كان من الشاهدين عليها والمساهمين فيها.