-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أين النخب الجزائرية التي تقود الدولة؟

عمر أزراج
  • 3389
  • 0
أين النخب الجزائرية التي تقود الدولة؟

من المعروف أن النخب المؤطرة والمنظمة والعالمة، في الدول المتطورة، هي التي “تفكر وتخطط ” للمشاريع الكبرى في المجالات المشكلة لعصب التنمية بكل أنواعها وفروعها، أما السياسيون فيها فهم مجرد مسهَلين ومنفذين للمهام المدنية الحاسمة، لاشك أن التخلف البنيوي عندنا يعود إلى أن السياسيين قد حلوا محل النخب وهذا السلوك جزء من ثقافة التخلف ذاتها.

يرتبط مصطلح “النخب” بالمجموعات البشرية التي تفكر للمجتمع وتضع الخطط للمشاريع الكبرى التي تقرر مصير الدولة ومؤسساتها، إذا كان مفهوم النخب هكذا فإن من يدرس أوضاع بلداننا منها الجزائر يكتشف بأن تخلفها يعود من جهة إلى عدم القطع مع مخلفات التراث الاستعماري، وإلى عدم وجود  تصورات للتنمية الأكثر عصرية وحداثة في ميادين الاقتصاد والتعليم والإدارة والتقنية والمعمار وتخطيط القرى والمدن، والعلم وغيرها من المجالات الحيوية بعد الاستقلال. 

وفي الواقع فإن تكوين النخب المفكرة والمخططة أمر معقد، خاصة وأن فترة الاستقلال تميزت بالارتجال، ولأن الدولة تفتقد إلى النموذج العصري. من الناحية النظرية فإن مهمة تكوين وتربية النخب المفكرة، في شتى الميادين الحيوية، هي مهمة المنظومة التعليمية والتربوية بكل مراحلها وأنواعها، ففي البلدان التي أنجزت الدولة العصرية والحديثة معا نجد الجامعة والمعاهد العليا هي التي “تفكر” للسياسيين ولمؤسسات الدولة التنفيذية، إن بلدان أوروبا وأمريكا،وبعض دول آسيا مثل اليابان تركز تركيزا شديدا على “الانتقائية”، حيث تقوم باختيار المواهب، والكفاءات الذكية وتوجهها توجيها خاصا ومتخصصا. 

ففي هذه البلدان تسند أمور التفكير في قضايا التنمية المادية والثقافية والجمالية لهذه العناصر المنتقاة والموجهة إلى الجامعات والمدارس العليا التي تعد معاقل صناعة “الإنتلجنسيا” التي تتكفل بقيادة التنمية في البلاد. وهكذا نجد مثلا جامعة كامبردج، وأكسفورد، ومدرسة لندن للاقتصاد، ونجد هارفارد، وييل، والمدارس العليا والسوربون، والكوليج دوفرانس على التوالي في بريطانيا، وأمريكا، وفرنسا تقوم بمهمة صنع الوعي الجديد وتسخيره لخدمة المجتمع، كما نجد نفس هذه الاهتمامات والممارسات في ألمانيا، والسويد، والنرويج، وكندا وإيطاليا وغيرها من الأمم.  

وهنا نتساءل: هل تعميم التعليم في بلداننا هو المسؤول على عدم تشكل “النخب” العالمة في كل حقول المعرفة النظرية والعملية أم أن السبب يعود إلى الموقف السياسي السلبي من هذه النخب؟ مما لا شك فيه أن ظروف الاستقلالات الوطنية قد أفرزت الكثير من المشكلات الكبرى منها عدم تطوير المنظومة التعليمية وتحديثها، وعدم ضمان المستوى اللغوي والعلمي والفكري العالي فيها، فالشعوب الخارجة من الاستعمار والغارقة في الأمية المتعددة الأشكال تطمح أول ما تطمح أن تتعلم مبادئ القراءة والكتابة،  وهكذا فإن سياسات التعليم في بلداننا قد ركزت لسنوات طويلة على توفير مقاعد الدراسة للمواطنين والمواطنات بدون تميز، وتغليب كفة الكم على الكيف في كثير من الأحيان. 

ولقد لعب هذا الخيار دورين أولهما يتمثل في تحقيق نسبة معقولة من المتعلمين، وهم غالبا من أبناء الشرائح الفقيرة مثل شريحة الفلاحين وشريحة العمال، وثانيهما تتمثل في تحقيق نسبة ضئيلة من النوعية التي هي الركيزة الأساسية لصنع ولتكوين النخب، عندما نتكلم عن النخب فإن المقصود هو وجودها الحقيقي والفاعل في مجال الصحة، والسياسة، والمعمار، والعلوم، والفلسفة، والآداب، والقانون، وإدارة الأزمات الطارئة، والاقتصاد وهلم جرّا، ففي بلداننا والجزائر واحدة منها لا توجد “لجان التفكير” التابعة للمجتمع المدني، أو تلك التابعة للحكومة، وللأحزاب السياسية الرسمية، كما لا يوجد تنسيق جدي ومبرمج بين الجامعات والمعاهد العليا وبين مؤسسات الإنتاج بمختلف فروعها وأنواعها أو بين الأولى وبين الوزارات والمديريات المسؤولة مباشرة على مشاريع التنمية.  

ما دامت بلداننا تفتقد إلى تقاليد صنع وتشكيل النخب فإنه من الضروري النظر في بعض التجارب العالمية التي نجحت في هذه المهمة الكبيرة. إن دراسة تجارب أوروبا وأمريكا، و كذلك تجارب بعض الدول الأسيوية يمكن أن تساعدنا على وضع  تصورات لكيفية “صنع النخب”، من المؤكد أن  التعلم من التجارب العصرية  ليس بذخا معرفيا وإنما هو ضرورة حياة، من المعروف أن التجارب ونتائجها لا تقلد حرفيا ولا تستورد مثل قطاع الغيار، فالذي ينبغي عمله يتمثل في استيعاب الروح الفكرية، والأخلاقية والتقنية والعلمية باعتبارها ركيزة لها وسببا في فاعليتها. 

فالصين قد استطاعت أن تعمل بسياسات الاعتماد على النفس على ضوء مخططات وطنية مدروسة في الصناعة، والزراعة، والتنظيم الاجتماعي، والتعليم، والثقافة، والتكنولوجيا ولكن هذا الاعتماد على النفس لم يمنعها من تنفيذ برنامج إرسال 1000 طالب سنويا إلى الاتحاد السوفييتي سابقا على مدى سنوات للتكوين هنا، وبالفعل فقد أصبحت هذه الإرساليات الطلابية نواة لإنشاء وفرز النخب وقاعدة للتنمية الناجحة.

ففي المقارنة التي أجراها الكاتب الروائي الإيطالي الشهير ألبرتو مورافيا في كتابه عن “ثورة ماو الثقافية”   بين الصين بشكل خاص، وبين آسيا بشكل عام من جهة، وبين أوروبا من جهة أخرى فقد استخلص أن “الأدب هو الذي سيكشف بشكل رئيسي عن الفرق بين ثقافتنا وبين الثقافة الصينية”، إن هذا البُعد الثقافي في التجربة الصينية المتزامن مع الانفتاح على التجارب الأجنبية المتطورة هما  الطاقة الحيوية وراء خروج الصين من فلك العالم الثالث المتخلف إلى رحاب التحديث العلمي والجمالي والعصرنة. 

 على ضوء ما تقدم، فإن تكوين الإنتلجنسيا المفكرة والمخططة في بلادنا ينبغي أن ينطلق من الركيزة الثقافية، والروحية، والأخلاقية، والفكرية التي تتميز بها  الهوية الوطنية، ومن خصوصية المشروع الوطني الذي ينبغي التفكير فيه وصياغة معالمه ومن ثم العمل على تجسيده، إن ربح هذا الرهان مشروط بخلق الوازع الوطني الجديد والفاعل في صفوف الشباب والشابات من أجل تحدي التخلف بكل أشكاله وتجلياته، وهو مشروط حتما أيضا بنشر فلسفة جديدة عمادها رقي وجماليات التعليم ومضامينه المتقدمة على المستوى الوطني، وتحقيق مجتمعات المعرفة، ومحو الأمية الحرفية ومختلف أشكال الأمية المختلفة مثل الأمية التقنية والاقتصادية، والزراعية، والفلاحية، والمهنية، والأدبية، والفلسفية والقانونية والسياسية. 

إن هذا النشر للمعرفة ينبغي أن يكون مصحوبا بتثقيف المواطنات والمواطنين، وتعليمهم “كيف” يخططون لحياتهم الأسرية والوظيفية، والاقتصادية وهلم جرّاً، إن تدريس “مادة التخطيط” ضرورة أولية لإخراج مجتمعاتنا من الركون إلى الارتجال، والتلقائية الساذجة، ومن الفوضوية على جميع المستويات وينبغي دعم هذا عمليا بإنشاء فرق التفكير، في كل المجالات الحيوية على مستوى البلديات، والدوائر والولايات (المحافظات، بما في ذلك تأسيس مراكز البحث، في المعاهد، والجامعات، ومؤسسات التكوين المهني، والجمعيات التابعة للمجتمع المدني وعلى مستوى الأحزاب السياسية، والوزارات كل حسب الاختصاص، والغايات المسطرة في برامجها.  

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • الناقد

    في حقيقة الأمر رغم أن الموضوع الذي تطرقت له يا أستاذ موضوع جيد ولكن علاج الفكرة ردئ ولم تضع يدك على الجرح المواطن لا يحتاج إلا الثرثرة والعلاج الميتافزيقي الذي طرحته أنت لكون المواطن عنده فكرة ووضع يده على الجرح يعرف أن المسؤولين ينقصهم الإخلاص في العمل كل يصرف الأمور حسب مصالحه . وانت تجنبت الخوض في هذا الموضوع .

  • cccc

    نتكلم من أجل الكلام و التخلاط- كل واحد يعمل و يسكت و يفيد كفانا نقدا نريد ابتكارات ملموسة تفيد الناس استفيقوا ايها النقاد فعهدكم قد ولئ

  • اسامة

    لا نخبة لبلد مدارسه وجامعاته يعشش فيها الجهل والتخلف والفساد.
    لا نخبة لامة العلم والثقافة والجمال ءاخر اهتمامات ابنائها.
    لا نخبة لقوم لا يستثمر اغنياؤهم قسما من ثروتهم في نشر العلم والثقافة و الجمال.
    لا نخبة لجنس احلام ابنائه سواء كانوا من الطبقات الميسورة او الفقيرة احلام بيولوجية.
    لا نخبة في بشر شعارهم: "لا لتكسير الراس" و مغزى و هدف الحياة عندهم الزواج و التكاثر و الرزق من عند الله.
    نحن كنا و لازلنا "غاشي". نحن شوعب كما سمانا المجاهد بن عودة, بل نحن في الحقيقة عشب. نعم نحن حشيشة طالبة معيشة.

  • محمد بوهراوة

    ادعوك سيدي المثقف جدا ان تتصل بالمثقفين والعودة بهم الى احضان الإوليغارشيا خير لهم من هذه الفزعة
    فقسم منهم في القبور يبحث عن تاريخ الجزائر وقسم في الجبال يبحث عن ثورة وقسم في المكاتب المكيف يتكيفون الحشيش
    انت تعرف ان المثقف في الجزائر استعارة لرجل لم يتحصل على شهادة جامعية

  • لويز العربي

    سيدي النخب عندنا يجري القضاء عليها قبل تبلورها من قبل البعض لا أريد أن أزعج مسمعكم الطيب بذكرهم .................نحن بحاجة لمن يوقض فيهم روح الإنجاز وسترى ماذا سيفعلون

  • رشيد - Rachid

    تعودنا أن نلوم السياسيين على عدم إعطاء الفرصة للنخبة للظهور وتقديم ما لديها لتساهم في بناء وتطوير البلاد في جميع المجالات، وهذا كلام صحيح تماما...

    لكن في الحقيقة أن النخبة أيضا يريدون أن يتوسل إليهم السياسيون لتقديم ما لديهم بدل أن تكون لديهم روح المبادرة والتحدي والكفاح ضد جميع العقبات لأجل النهوض بهذا البلد على جميع المستويات... ولا أريد أن أنزل بالمستوى لأتحدث عن من يدعون الانتماء إلى النخبة لأغراض مادية بحتة...

    النخبة يجب أن تحصل على الدعم الشعبي وليس السياسي، على الأقل في الوضع الحالي.

  • لحسن

    مازالت تطبق فلسفته ونظرته إلى "الأهالي وإقليمهم" جملة و تفصيلا، بتعنت وعنجهية مقيتة، مضيفة إلى مساوئ هذه الإدارة "إثراء لها" أدبيات سخيفة مثل "لسنا في حاجة إلى من يعطينا دروسا في ..."، معرقلة بذلك كل تطور إيجابي.

    فكم من مشاريع تنموية وأدتها هذه الإدارة، و كم من مشاريع عطلتها.

    إنه ما لم ( تتجدد) هذه الإدارة بتحولها إلى أداة تنفيذ لما يتقرر بين"السياسي" وبين مراكز البحث و الاستشراف المكونة من الإنتلجنسيا الحقيقية، فإنها كفيلة بأن (تُبدد) مستقبل الوطن لا قدر لها، كما بددت
    خيراته و ثرواته.

  • لحسن

    تحية طيبة للأستاذ الفاضل وللقراء.

    إن آراءك وأفكارك يا أستاذ، وآراء وأفكار أمثالك التي نقرأها في جريدة واحدة، كفيلة بأن ترفعنا
    إلى أعلى عليين بين الأمم لو وجدت من يصغي إليها ويضعها موضع التنفيذ، أوالتجريب على الأقل، فدعوتك إلى إنشاء لجان التفكير، وإلى تكوين الانتلجنسيا بالمواصفات التي تفضلت بذكرها مطلب كل المواطنين الشرفاء الذين يشغلهم مستقبل أمتهم، ولكن ما العمل والوطن لا يحكمه الساسة، و إن كانوا يتحملون وزر النتائج، بل تحكمه فعليا – في علاقة معقدة معهم - إدارة موروثة عن عهد الاستدمار،

  • ابن الجنوب

    في اعتقادي تحليلك سليم وأريدالإضافةحسب رأيي نحن في الجزائرنشذعن القاعدةلأن أوضاعناالداخليةوعلاقتنامع بقيةالدول تخضع إلى رقابةصارمةمن طرف القوةالإستعماريةالتي دمرت البنى الإجتماعيةوالعقائديةوالنفسيةواللغويةوبترت مسارات ترابطناالتاريخي مع منجزات أسلافناوشتتناثم خلقت منانخبةممسوخةحضاريالاترى إلاماتراه فرنساوعملهايندرج في إطارتدميرأي بوادرنشوءدولةلهاإمتدادحضاري لإختيارات أجدادناالأوائل وبالمقابل فئةتحاول التشبث بالماضي دون أن يكون لهاسلاح العلم العصري وبقيت حبيسةالخطب والتركيزعلى العاطفةوهذالايكفي

  • الطيب

    و ضعت يدك على الداء يا أستاذ فكم هو الأمر محير أن يكون لدينا جيش من متخرجي الجامعات على الأقل منذ نهاية الستنيات من القرن الماضي و بما في ذلك النسبة العالية للزبدة و في جميع التخصصات الأمر المحير أن لا أثر لهم في الواقع !!؟ و الغرابة و العجب أنّ البلد يتحرك من دونهم كل هذه المدة !! و النتيجة الحتمية هي الغرق الذي نعيشه اليوم . ففي منظومة الحكم هذه تحدث عن أي شيء ماعدا عن العلم و نخبه و المؤلم أنّ هذه الكفاءات اختارت الهجرة بغير رجعة و منها من يشرف على أحدث مراكز التطور العلمي في العالم المتقدم

  • عبد الغني

    عن أي نخبة يمكن الحديث عنها؟ هل التي بالخارج ام عبر التراب الوطني؟ فإذا كان الحديث عن التي بالخارج فهم بالخارج .... أم التي داخل الوطن فمن هم المشوهين ثقافيا والذين تلقو تكوينا هجينا قبل الحديث عن النخبة علينا ضبط هذا الصطلح فعلا السياسي الآن أصبح زاهدا عن هذه الفئة من المجتمع لأنه اعلم الناس بالأنظمة التربوية والتكوينية بل هو الذي خطط لذلك بكل عبقرية......

  • BESS MAD

    قد يرضع الصبي في الدول التي تحترم مفكريها حليب رحم الله امرؤا عرف قدره و جلس دونه . أما أمة لا أريكم إلا ما أرى فنحن نرضعها كذلك من أثداء أمهاتنا. ما أن يولد الصبي حتى يؤخذ في تعليمه الرضوخ و الانصياع و لايحق له التعبير عما يجول بخاطر تحت ذريعة التسلسل العمري الجد الأب الأم ثم الأخ الأكبر . شربنا هذا فلا يحق لنا معارضة أكابرنا و لو أخطؤا و لا يجوز تسلم السلطة إلا بموتهم . فكيف ننتظر من مسؤول أن ينشئ هيأة تشاركه في الرأي و ينزع منه الأحقية في التفكير للغير و التدبير لهم ألم تسمع ببرناج فخامته .