أين هي قطر؟
أين هي قطر؟ سؤال محير يدوٍّخ هذه الأيام الإنسان الفلسطيني والضمير العربي والإنساني عامة، حيث بدا ترؤسها لقائمة الدول العربية المحجمة عن دفع مساهماتها المالية لفائدة السلطة الفلسطينية غريبا، رغم استنجاد السلطة الفلسطينية بنبيل العربي، وصراخها الذي سد الآذان من أجل كسر الحصار الإسرائيلي والأمريكي، ما دفع بالجزائر، هذا البلد”البعيد”، “المناهض” لـ”الثورات العربية”، إلى كسر هذا الصمت المطبق الملاحق بكم هائل من علامات الاستفهام والشبهات، وتحول مساهمتها المالية قبل الأوان بدون منّة أو مزايدة. الغرابة في موقف قطر وباقي الدول العربية، والذي يمكن وصفه بالخيانة، يمكن تلمسه من عدة زوايا، ظلت في وقت سابق مرجعا لتصنيف مواقف الدول وتحديد مدى تقدميتها وارتباطها بهم الإنسان العربي وبواعث نهضته.
أول وجه للغرابة، هو أن قطر احتضنت اجتماعا للجنة السلام العربية، درس سبل مواجهة أي انتقام إسرائيلي أو أمريكي من إقدام السلطة الفلسطينية على إيداع طلب عضويتها بالجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تقرر إنشاء ما سمي بشبكة الأمان العربية، من خلال دفع 100 مليون دولار شهرياً للسلطة الفلسطينية.
ثاني وجه للغرابة، هو أن قطر، الإمارة المجهرية المنغلقة، على غرار كل دول الخليج، أضحت ومنذ أكثر من سنة، “زعيمة” للثورات العربية، وآلة “حادة” لإسقاط هذا النظام أو ذاك، بدعوى انغلاقه ومناهضته للممارسة الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان العربي، محرِّكة منظمة “الكرامة” لحقوق الإنسان، لممارسة الابتزاز السياسي للدول العربية، بينما حكمت على شاعر قطري بالمؤبد بسبب قصيدة تشيد بالربيع العربي، في وقت تحولت مفاهيم “الصمود والتصدي” ورفض التفاوض مع إسرائيل والاعتراف بها ككيان شرعي، إلى رجعية وتزلف مذموم، وإلا ماذا تكون القضية الفلسطينية ودعمها ماليا من كل هذا، إن لم تكن الدوحة الذراع العربية للأخطبوط الأمريكي والصهيوني العابث بالمصالح العربية في المنطقة.
والأغرب هو أن الدوحة أصبحت تجاهر بمواقفها ودعمها بالمال والسلاح الناري والحراك الدبلوماسي المتبجِّح لـ”الثوار”، بدءا من تونس مرورا بليبيا واليمن وصولا إلى سوريا، ولسنا ندري نحو أي بقعة ستوجه كتلة النار الجارفة لاحقا، هل باتجاه أقصى المغرب العربي، أم نحو أقصى مشرقه، حيث تعاني الحريات والحقوق في أبسط صورها، حتى أصبح نبيل العربي، الذي زرع الرعب في إسرائيل غداة ترشيحه لرئاسة الجامعة العربية، رديفا أو سكرتيرالرئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، أو هكذا بدا لنا الأمر.
وثالث وجه للغرابة، أن قطر التي تعيش رفاهية عالية، لا تتردد في التعجيل بمساعدة “ثوار” حراك الشارع العربي، أو الحكومات المنبثقة عنه والترويج لها، ولكن هاهي تتماطل في مساعدة السلطة الفلسطينية، رغم استنجادها، خاصة وأن ما تردد عبر مختلف تقارير الوسائط الإعلامية، يؤكد أن ضغوطات أمريكية وإسرائيلية وراء تأخر الدول العربية في تنفيذ التزاماتها المالية تجاه الشعب الفلسطيني، باعتباره محددا أوليا لتطبيقات المشهد العام لثورات الربيع العربي ونهاياته.
ومن هذه المعاينة، يظهر لنا أهمية وقوة موقف الجزائر، رغم بساطته، ليس بتحويل مساهمتها المالية المستحقة، وإنما بدفعها بشكل مسبق، أي قبل موعدها بثلاثة أشهر، لإنقاذ السلطة الفلسطينية من مخالب الأخطبوط الإسرائيلي الأمريكي الجاثم على المنطقة العربية، فضلا عن كونه إحراجا واضحا لمواقف العواصم العربية وخضوعها للهيمنة الأمريكية والنفوذ الإسرائيلي، وخاصة تلك التي تدّعي رعاية الثورات العربية وحماية القدس.