الرأي

أيها العرب هذه فرصتكم التاريخية.. لا تضيعوها

صالح عوض
  • 3317
  • 0

أين العرب يومئذ يا رسول الله؟ هكذا.. وباستهجان سأل الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يحدثهم عن النكبات والفتن التي ستحل بديارهم الواحدة أعنف من التي قبلها.. فيجيبهم: أن “العرب يومئذ قليل”.. فهل ينهض القليل بما عليهم من مهمات لكي لا يموت العرب كما حذر ابن باديس؟

نعم ضاع ناموس العرب وسقطت هيبتهم وأصبحوا شعبا بتعداد يزيد عن 350 مليون نسمة بلا هيبة ولا حضور فيما يملكون كل مقومات العزة والنهضة والكرامة، وقد تمكن منهم عدوهم فشتت شملهم ونهب ثرواتهم وسلط عليهم شذاذ الآفاق بعد أن أسكن الكيان الصهيوني قلبهم فلسطين.. وتوالى عليهم بتقطيع أعضائهم عضوا عضوا ومنعه من التواصل مع بقية الأعضاء وقهر عقولهم لتتبني أفكارا ميتة ومميتة.. ورفع إلى السدة نخبا سياسية وفكرية وأدبية وفنية وأحيانا دينية من الهامشيين السطحيين والجبناء والأذلاء والمرضى نفسيا من الأنانيين والمشعوذين.. فأصبح واقع العرب غثاء كغثاء السيل.

الآن أصبحت أرض العرب أرض الحروب والمعارك الطاحنة من اليمن إلى سورية والعراق وفلسطين ولبنان والسودان وتونس وليبيا ومصر وتحت عناوين كثيرة يتم تدمير الحياة وتشريد الناس وقتل الملايين منهم وتفسيخ أوطانهم والعبث بمكونهم الثقافي والنفسي وأصبح العرب مشتتين على الأمم يبحثون على موائدها بعضا من قوت وفي جنبها عن بعض من أمن وسلامة.. لم تعد للعرب عاصمة محمية ولا هيبة لجيش ولا حرمة لمقدس.

كل هذا وأقسى منه أصبح واقعا نعيشه صباح مساء وهو المفسر المنطقي لما يلحق من هوان بالمسجد الأقصى وبأرض فلسطين المباركة.. وبلغت قسوة الواقع العربي ذروتها منذ الاجتياح الأمريكي للعراق.. منذ ذلك الوقت ونحن نفقد عواصمنا وهيبتها واحدة بعد أخرى وأرضنا تتوزع وشعوبنا تقسم على طوائف ومناطق وأعراق..

لم يعد من المنطقي أن يتحدث أحد عن أمن قومي عربي ولم يعد وجيها الحديث عن دور عربي إقليمي فضلا عن الحديث عن دور دولي كما أن كثيرا من المصطلحات سقطت كمعاهدات الدفاع العربي المشترك وانكمشت فعالية المنظمات العربية العديدة أو تلاشت.. وهاهي القضايا الخاصة بكل إقليم من أقاليمهم تصبح رهينة للقوى الخارجية وخططها واستراتيجياتها.. هذا وقد تحول كثير من قوى الأمة إلى القيام بأدوار تخريب في المكونات الأساسية وتحال لهؤلاء مهمة تحطيم الدول وتدمير البلدان بأموال العرب وأبناء العرب والإسلام.

إنه السير نحو الموت بكل ما تعنيه الكلمة لأمة ملأت الدنيا عبر قرون حيوية وفاعلية ونشاطا واستطاع السالفون منها خلال خمسين سنة أن يفتحوا البلاد وقلوب العباد بمنهجية لم تتكرر فدانت لهم الأرض بشعوبها.. إنه الموت المعنوي والمادي والروحي فهل يكون خاتمة المصير المحتوم؟

أنا من المؤمنين بأن للعرب دورا أساسيا في إطارهم الحضاري لا يمكن تجاوزه وسيكون مشروع النهضة الحضارية للأمة مشوها من دون البعد العربي الذي يمنح المشروع أسرارا خاصة وكيمياء من نوع لا يمكن تكراره ليس فقط لأن حيز العرب المكاني والسكاني هو مساحة التصارع الكوني اليومي وتنافس القوى والمشاريع.. فالعرب هم القطب المغناطيسي لأمة الإسلام وهم الوعاء الحضاري للعالمية الإسلامية الأولى التي ستظل المرجعية ذات المعيارية الأساسية لأي نهضة قادمة.. ولن تكون الحرب المركزة في بلاد العرب حاملة فقط صورة الهزيمة الحضارية كما يحاول العدميون أن يروجوا بيننا، إنها تحمل أيضا بعدا آخر.. إنه التزود بالتجربة والوعي والخروج من النكبات برصيد من اليقين والمعرفة والعزيمة واكتشاف السبيل وفحص الوسائل والأفكار.

ومن أعظم المنح الإلهية للأمة عموما وللعرب خصوصا وجود فلسطين في القلب منهم.. ففلسطين شعلتهم المقدسة ومحل الإجماع ورغم خساراتهم المتلاحقة في معاركهم ضد المشروع الغربي إلا أنها لم تبرح مكانتها المعنوية ولم تتراجع عن كونها سر الصراع والمواجهة مع المشروع الاستعماري ومن أجلها يتم تدمير بلدانهم في سورية والعراق ومصر والسودان وسواها.. ومن أجلها شنوا فتنهم على الجزائر واليمن وليبيا.. وهي بهذا المعنى تظل قادرة على نظم أفكارهم وترتيب مشروعهم وكشف مخططات عدوهم.

ولكن يصيب التعب جراء المغالبة الشرسة مع العدو الاستعماري بعض النخب في بلاد العرب فتنسحب من المواجهة الفكرية والثقافية فضلا عن الميدانية ضد العدو.. ويبدو كأن فلسطين ليست هي القضية المركزية للعرب وكأنهم يمكن أن يعالجوا ملفاتهم بعيدا عن الانشغال بقضية فلسطين.. فيخوضون في اللغو من الفكر والتيه من السير.. حتى تصدمهم الحقائق كلما هبت في فلسطين هبة فتشرق أرواحهم وتنهض أحلامهم ويخبئوا وراء كل حجر فلسطيني وكل طعنة عظيم أملهم في كسر الهجمة الاستعمارية.

اليوم تنهض فلسطين كاملة جميلة بهية بكل شعبها في كل أرضها فتية عفية مقدامة.. من غير تشويه ولا ادعاء ولا ميوعة.. بل باليقين الذي يخاطب القلب وبالوعي الذي ينير الدرب والجمال الذي تشرق فيه الروح.. فسطين كاملة لأهلها كاملين أرضا حضارية تفكك الكيان العنصري وتستعيد الأشياء فيها ترتيبها الفطري تنوعا جميلا وإنسانيا بديعا.

تنهض فلسطين بشباب هم إخوان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأحبابه بيقين نبوي وهدى القرآن فهذه هي فرصة العرب التاريخية.. فرصة الأحزاب والنخب المثقفة والسياسية.. هذه هي فرصة الدول والجماعات والمؤسسات.. إنها فرصة تاريخية ليس فقط لأنها تصوب الاتجاه وتبرز البوصلة ولكن أيضا لأنها العامل المشترك الوحيد بين الأحزاب والاتجاهات وبين العرب وغيرهم من المسلمين وغير المسلمين من الأحرار والشرفاء في العالم.. ولأنها- وهذا هو الأكثر أهمية- تخرجهم من تيه الاصطفاف والتحالفات والنفاق الدولي فهي من يكشف لهم الصديق والحليف كما أنها تعري المنافقين والأعداء..

إنها الفرصة التاريخية للعرب كي يتحرروا من واقع النكبة وينهضوا لواجب الكرامة والسيادة ويخرجوا من اشتراطات التحالف مع الشياطين.. إنها فلسطين تبسط يديها الكريمتين بكل وسعهما لأمة جديرة بها وتنبض بدمها في قلوب أحرار الأمة لعلهم يلغوا مخطط الأعداء القاضي بإنهاء العرب وبعثرتهم وإنهاء ناموسهم إلى الأبد.. إنها فلسطين أو الموت.. تولانا الله برحمته. 

مقالات ذات صلة