أيّها الحجّاج لا تبخّروا الأجر بصور الرياء في البقاع المقدسة
تنقٌل الحجاج إلى البقاع المقدسة، مصحوبين بهواتفهم النقالة المتطورة، التي تمكنهم من التصوير الثابت والمتحرك، وحتى الشخصي أو ما يعرف بالسيلفي، صارت من المسلّمات، ففي كل حقيبة يدوية لأي حاج يوجد هاتف نقال واحد على الأقل، وقد يعود الحاج بعدد مضاعف، حيث تجد الهواتف النقالة التي تباع في المدينة المنوّرة ومكة المكرمة، رواجا لدى الحجاج الذين يأخذون منها الكثير كهدايا لأهاليهم.
لكن ما صار يجلب الانتباه هو المبالغة المفرطة في التقاط الصور، حتى في الروضة، بين خاطف صورة لقبر النبي صلى الله عليه وسلم، وحتى “سيلفي” لحاج أبى إلا أن يُكسر كل الحواجز والرقابة، وخطف صورة في مكان مكتوب فيه المنع المطلق لالتقاط الصور، ومحاط برجال أشداء، يرفضون الاقتراب من الروضة الشريفة فما بالك تصويرها، وصارت الظاهرة الأكثر تداولا على مواقع التواصل الاجتماعي في موسم الحج، هي صور الحجاج أمام الكعبة الشريفة وأمام المسجد النبوي أو الحرم المكي، حيث يعلنون أدائهم لمناسك، وقد يكون الجزائريون الأقل التقاطا للصور، لأن غالبية حجاج الجزائر من الكهول ومن الشيوخ الذين لا يستعملون الهواتف النقالة أصلا.
ويقود عدد من العلماء والخطباء المعروفين في العالم الإسلامي في مكة المكرمة والمدينة المنورة، حملة إفتائية واسعة، لأجل توقيف ما وصفوه بالتجاوزات والمحرمات، حيث ألقى الشيخ مشرف، وهو أحد خطباء الحرم النبوي الشريف في المدينة المنوّرة درسا ما بين صلاتي العصر والمغرب ليوم الجمعة الأخير، جعله في معظمه للتنبيه بالتجاوزات التي صارت تُرتكب في قلب الحرمين، وردّ الشيخ على سؤال للشروق اليومي عن التصوير، بسؤال آخر عن الهدف من التصوير؟، حيث وصف ما يقوم به بعض الحجاج، عندما يعلنون عن حجهم أمام العالم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بصورهم في الحرم الشريف بالرياء الذي سيُبخر أجر الآخرة، وقال بالحرف الواحد: أخشى أن يأتي الحاج يوم القيامة إلى ربّه يسأله عن أجر أدائه مناسك الحج، فيعلم بأنه أخذه في الدنيا، وقال الشيخ مشرف بأن الكثير من المصلين يٌحرجوه بالفلاشات أثناء إلقائه لدروس في الحرم المكي، فيفقدوه تركيزه، وذكّر بما قاله العام الماضي الشيخ عبد الرحمان السديس الذي صاح في خطبة الجمعة من الحرم المكي: “إتقوا الله في التصوير”، ولم يستثن إلا القليل من حالات التصوير بقوله: “مرة قمت بتصوير فيلم عن مُقعد مريض ومسنّ كان يقوم بالرجم بالرغم من الازدحام، وهذا لأجل أن أردّ على بعض الشباب الذي يبحث عن رخصة لتفادي الرجم”، ولكنه في العموم نصح كل الحجاج بأن يتركوا هواتفهم النقالة في بيوتهم، وأن لا يتحججوا بكونهم يريدون تسجيل الخطب والدروس، ونوّه بكون كل الخطب التي تُلقى في الحرمين، يتم تسجيلها صوتا وصورة، وتقدم هدايا لمن أرادها في سيديهات، وأقسم الشيخ مشرف بأنه شاهد العام الماضي سيدة وزوجها، يحضنان بعضهما بعمق، ويلتقطان صورة سيلفي، أمام حشود المصلين ومن خلفهما الكعبة الشريفة، ووصف المشهد بالمصيبة.
وتحوّل فعلا الحرمان الشريفان لدى بعض الحجاج، إلى ما يشبه المنتجعات السياحية والآثار التاريخية، حيث يلفت الانتباه التواجد القوي جدا لحجاج من الجنسين ومن كل الأجناس، لا يلتقطون صورا تذكارية عابرة وإنما لا يكادون يتوقفون عن التصوير، حتى وجموع الحجاج يؤدون الصلاة، ولم تمنع لحد الآن وزارة الحج السعودية التصوير إلا أمام الروضة الشريفة في المسجد النبوي، وأيضا التصوير باستعمال الكاميرات الاحترافية، حيث يصل العقاب إلى حرمان صاحب الكاميرا من آلته بحجزها، أو مسح الأفلام التي صوّرها وهذا لأسباب أمنية فقط.
ويختلف عموم الحجاج في تقديم مبررات التقاط الصور، حيث يعتبر إيكير وهو حاج تركي ما يقوم به، لأجل تخليد أهم لحظة في حياته ويرى ترك فيلم عن حجه لأبنائه فيه عبرة ولا يعتبر الأمر رياء، وأيضا للتواصل مع أهله فيطمئنون عليه وهم في مدينة إزمير بالصورة والصوت، ولا يرى أشرف وهو كهل عراقي أي ضرر من التقاط صور لأغلى مكان على قلبه، وينتقد من يبالغون في التقاط الصور في كل مكان ومن دون توقف، ويتحرج آخرون من الأمر ويقولون بأن المكان والمناسبة يحتاجان للخشوع وليس للتصوير، ولم يتوقف الأمر عند حدود الحجاج من الرجال، بل انتقل إلى النساء، خاصة الحاجات القادمات من الجمهوريات السوفياتية السابقة، ولكن من دون مبالغة، كما يبدأ التصوير منذ بلوغ مدينة جدة، ويبذل القائمون على معرض القرآن الكريم الدائم والمتواجد قبالة المسجد النبوي، جهدا كبيرا لمنع التقاط الصور لمصاحف قديمة ونادرة معروف بأن الفلاشات، تفقدها مع مرور الزمن جودتها، ولكنهم يفشلون، وربما نجحوا فقط في مقبرة شهداء غزوة أحد، المقابلة للجبل الذي يزوره جموع المسلمين، وهناك من يرى بأن الحملة الفقهية ستتواصل وقد تبلغ درجة تحريم التصوير في قلب الحرمين وتمنعه بقوة القانون.