-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أي فكر تنتجه العامّية الشوارعية؟

الشروق أونلاين
  • 1415
  • 0
أي فكر تنتجه العامّية الشوارعية؟

إدراج اللهجات العامية في التدريس بالأطوار التعليمية الأولى، سواء كان مقترحا أو توصية أو تعليمة فهذا لا يهم، وسواء طُبّق أو ألغي أيضا لا يهم، إنما المهم، أن هناك نية في فعل ذلك، وحتى وإن ألغى الوزير الأول هذا المقترح، فإنه سيبقى وصمة عار في جبين وزارة التربية، الوصية الأولى على التربية والتعليم والوطنية.

لقد اتخذ هذا المقترح سجالا واسعا بين مختلف الفاعلين من سياسيين ولغويين وجامعيين، بين رافض ومؤيد، ولهم في ذلك حجج ومواقف متعددة، أما وجهة نظرنا فستتمحور حول علاقة الفكر باللغة. والفكر الذي تعبّر عنه كل من العربية الفصحى والعامية لبيان بطلان هذه الادعاءات وبُعدها الكلي عن منطق الأمور الصحية والصحيحة.

إذا بحثنا في قواميس اللغة العربية أو أي لغة في العالم عن مفهوم اللغة نجدها تعبر عن وظائف ودلالات مختلفة، فبالإضافة لكونها  أصوات يعبّر بها القوم عن أغراضهم”، وبذلك تكون أداة للتواصل بين أفراد المجتمع، فهي أيضا تعبّر عن فكر معين؛ فاللغة الفرنسية تعبر عن الفكر الفرنسي والانجليزية تعبر عن الفكر الانجليزي، أما اللغة العربية فهي تعبر عن الفكر العربي الإسلامي. وهذا ما ذهب إليه جل العلماء والباحثين في اللسانيات ومن بينهم الفرنسي الشهير  دوسوسير حين قال: “… ويمكن أن نشبّه اللسان بوجهيْ ورقة نقود: فالوجه هو الفكر والظهر هو اللسان، ولا يمكن أن نحدث قطعا في وجه الورقة دون أن نقطع في نفس الوقت ظهرها، وهكذا الحال مع اللسان، لا يجوز أن نعزل الصوت فيه عن الفكر ولا الفكر عن الصوت”.

اللغة العربية الفصحى هي آية من آيات الله، حيث اصطفاها المولى عز وجل من بين كل اللغات، ولنا أن نفتخر بكونها لغة كلام الله، القرآن الكريم الذي أُنزل بالحرف العربي المبين مصداقا لقوله: “إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون”  سورة يوسف، الآية 02. وقوله: كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعقلون” فصلت 03، وقوله تعالى: “بلسان عربي مبين” الشعراء 195. هذا البيان الذي جاء هدى ورحمة للعالمين، جعله الله دستور الحياة بلسان عربي مبين مما يجعل منها لغة عالمية حية لا تموت ما دام حكم الله قائماً في كتابه، لغة يُجبر كل مسلم مهما كانت قوميته أو هويته على تعلّمها لفهم كتاب الله ومراده.

لا تعبّر اللغة العربية عن المضمون الديني فقط، إنما هي أيضا لغة علم وحضارة، فبالإضافة إلى ما تمتاز به من فصاحة وبلاغة وصور بيانية، وغزارة ألفاظها ومفرداتها من قبيل أشعار الجاهلية، جاء الإسلام في القرون الوسطى ليضفي عليها طابعا علميا وحضاريا من خلال جعلها الوسيلة التي صاغت ذلك الزخم الثقافي والعلمي الهائل منذ عصر التدوين؛ إذ أنتجت هذه اللغة الآلاف من الكتب والترجمات العلمية والثقافية والأدبية والتاريخية لتكون ثورة فكرية أقيمت على أساسها الحضارة العربية الإسلامية.

إذا كانت اللغة العربية الفصحى تعبر عن فكر ومحتوى ديني وثقافي وعلمي راق ومتميز، فعن أي فكر تعبر العامية سوى كونها لهجة هجينة غير صافية تجمع من شتات لغات متنوعة أكثر كلماتها بالتركية والفرنسية- بحكم التاريخ المشترك- وحتى الإنجليزية؟ فكر لا يرقى لأن يكون في قاعات الدراسة، فكر شوارعي، سطحي، مادي لا يلبي سوى حاجيات الإنسان اليومية، فلا يرقى بذلك لأن يؤدي رسالة حضارية علمية ولا يستطيع أن يكون منهاجا علميا تُحصَّل بها المعرفة والعلومُ المختلفة.

المشكلة إذا ليست في اللغة التي هي أكبر بكثير من أن تعوض بالعامية، والمشكلة أيضا ليست في الطفل الجزائري -كما يدّعون- الذي لا يختلف عن أطفال العالم أجمع في إمكانية استيعابه لأي لغة كانت. وإنما المشكلة أو بالأحرى المصيبة في السياسة العامة التي تسيّر هذا القطاع الحيوي والحساس والتي تريد الرمي بهذا الجيل بعيدا عن تاريخه ومرجعيته وسلخه عن ماضيه والزج به إلى مستقبل مجهول مبتور من جميع مقوّمات هويته الوطنية.

لندع اللغة تترعرع في إطارها الطبيعي الذي خُلقت لأجله، لكي تعبر عن الفكر وعن الثقافة بعيدا عن كل تسييس، وإذا كانت الجزائر تعتبر الدين الإسلامي واللغة العربية -مع عدم إغفال التراث الأمازيغي كتاريخ وأصالة- مرجعيتها التاريخية على جميع الأصعدة، فإن العربية هي المعبّر الوحيد عن هذه المرجعية، أما إذا كنتم ترون للجزائر مرجعية أخرى فلكم في ذلك حكمٌ آخر والسلام.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • بدون اسم

    كان "فعل ماضي ناقص"
    اليونانيين أيضا كانوا أسياد الفكر و البابليين اسياد العلم و الفراعنة اسياد الحضارة
    العبرة بالان و بالوقت الحاضر
    ليس الفتى من قال كان ابي بل الفتى من قال ها أنا ذا

  • عثمان

    يا صاحب "الأنا" لو فكر الأوربيون و الصينيون و اليابانيون و اليهود مثلك لما بقيت لغاتهم و لاندثرت. و لكنها عقدة النقص. أعد قراءة التاريخ و ستكتشف أن العربية كانت لغة العلم و المدنية يوم كان المسلمون أقوياء.. و كان أقوياء العالم يخطبون ودهم و يرسلون البعثات لتتعلم العلوم التي ذكرتها من قرطبة و بغداد و بجاية الجزائرية "باش تعرف" . و لعلمك كثير من المصطلحات العلمية في اللغات الأوربية أصلها عربي و لكن هذا لم يدفعهم إلى احتقار لغتهم.فالأولى لنا أن نرتفع نحن لا أن نلوم لغتنا و السلام.

  • أنا

    ما هي الكلمات و المفردات و المصطلحات الموجودة في اللغة العربية الفصحى و التي تصلح أن تكون بديلا دقيقا عن نظيرتها في اللغة الأجنبية ؟؟؟
    ما هو بديل المصطلحات المستعملة في مختلف فروع العلم كالفيزياء و الكيمياء و البيولوجيا و علم الوراثة و الجينات و علوم الفضاء و ميكانيكا الكوانتوم و الجيولوجيا و الطب ووووو
    ما هو بديل أسماء كل الاختراعات و الابتكارات التي ابتكرت منذ النهضة العلمية الى يومنا ، و هذا في كل المجالات بما فيها مجال التكنولوجيا و المعلوماتية و ال Hi-Tech ؟؟

  • أنا

    عندما كانت الحضارة الاسلامية مزدهرة كان الاخرون يشتقون من اللغة العربية التي كانت انذاك لغة العلوم و المعرفة ، و لكن لما توقفت عجلة التطور تجمدت اللغة العربية و صارت عاجزة عن تلبية الحاجات المتزايدة الى التجديد ، حتى صارت تستعير الكثير من الكلمات الأجنبية في مختلف المجالات ، فلا أحد قادر مثلا على دراسة الطب دون استخدام كم هائل من المصطلحات الأجنبية باعتبار أن العربية عاجزة عن تقديم البدائل .
    نفس الشيء ينطبق على دراسة الكيمياء و الفيزياء و علم الفلك و البيولوجيا و ميكانيكا الكوانتوم و التكنولوجيا

  • أنا

    اللغة لا تنتج الفكر بل هي مجرد افراز له..كما أن الفكر هو الذي يطور اللغة و ليس العكس يا سيدي .

  • أنا

    مقال ينضح بالاحتقار الشديد للغة العامة "العامية " التي هي لغة الشعب البسطاء .
    و كأني بالكاتب لايزال يعيش في العصور الاقطاعية حيث كانت النخبة تحتقر لهجات العامة من الناس البسطاء .
    لا تنمية حقيقية الا باشراك العامة من الناس و العامية هي لغة الشعب .
    التاريخ علمنا أن اللغة التي يستعملها الناس في حياتهم اليومية و في حديثهم مع أصدقائهم و زوجاتهم و أبنائهم هي التي ستسود...كما حصل مع اللغات الأوروبية السائدة الان و التي كانت فيما مضى مجرد لهجات منبثقة من اللاتينية .
    (أستحلفك بالله أن تنشر تعليقي)

  • بدون اسم

    اللغة العربية الفصحى بحد ذاتها هي مجرد لهجة من لهجات قريش المطعمة بالعبرية و الفارسية و الارامية وو
    الاسبانية و البرتغالية و الفرنسية ما هي الا لهجات منبثقة من اللغة اللاتينية و الان أصبحت تلك اللهجات هي السائدة بينما اختفت اللاتينية و دخلت الى أرشيف التاريخ ، فقد خرجت تماما من الحياة اليومية للأوروبيين .
    و ما يجري مع العربية الفصحى هو نفس الشيء فما نراه الان هو تقلص دور الفصحى و اقتصارها على المدرسة و العبادة و المهنة ، أما في الحياة اليومية فقد انقرضت تماما ، و الدليل هو أنه لا أحد يتكلمها

  • ابن الجنوب

    لم يتوصل الجزائريون عبرتاريخهم لإنشاء دولة ذات سيادة يمارس حكامهاوشعبهاسيادتهم بحرية إلى أن اختارحكماؤهم القرآن ديناوالعربية لغةفكان حسن الاختياروكنيجة لذلك ساهموافي بناء الحضارة العالمية وتركواموروث ثقافي وحضاري ومعرفي كماهوالحال عندبقية الأمم وفي ذات الوقت كان المنعرج بدخولناحرب مزمنة مع الغرب الصليبي وبنتيجته فقدنا سيادتنالنعودمرة أخرى ونخوض حرباشرسة كانت تنيجتهااستقلال ملغوم ومحقون ببعض البشرالمسكونين بالخيانة فكان همهم تدميرهذه النواةللدولة بكل الوسائل وأخطرهاالصراع اللغوي المصطنع حلل وناقش

  • ARIS

    الحمد لله انكم اعترفتم اخيرا ان اللغة العامية ليست من العربية في شيئ وهذا في حد ذاته انجاز عظيم. فانطلاقا من هذا فنحن لسنا عربا لاعرقا و لا لسانا واللغة العربية الفصحى