إبلُ السعودية أشرف منك يا سموتريتش
لو كان التطرف رجلا لهجا سموتريتش ولمنعه من الانتساب إليه فهذا اليميني متطرف أكثر من التطرف نفسه، يطلق تصريحات غير أخلاقية تنمّ عن فساد في الطبع وخلل في السلوك، فهو يعارض الكل ويتهجم على الكل ولم يسلم منه الموالون له والمعارضون على سواء.
لليميني المتطرف سموتريتش موقفٌ من غزة يحسده عليه أدولف هتلر لو كان حيا. إنه يميل إلى فكرة الإبادة الكاملة لسكان غزة وتدمير غزة عن بكرة أبيها كما فعل نيرون بروما أو أشد نكرا، قال سموتريتش: “إن إسرائيل كان يمكنها أن توفر الجهد والمال، وتحفظ أرواح جنودها وتدخر سلاحها للمعارك الكبرى واللحظات الصعبة و ذلك بمحو غزة من الوجود بضربة مدمرة” في إشارة إلى استخدام السلاح النووي وطي حكاية غزة إلى الأبد.
يدافع سموتريتش بصفته وزير المالية عن زيادة الاعتمادات المالية المخصصة لبناء المستوطنات لأنه يعتقد أن الاستيطان هو صمام الأمان لترسيخ الوجود اليهودي ولتهويد البشر والحجر في فلسطين، وهو ماض في هذا الاتجاه، وما الاعتداءات التي يتعرض لها المزارعون في فلسطين وفي لبنان إلا دليل على هذه السياسة الاستيطانية التوسعية.
ما حفزني لكتابة هذا المقال هي تدوينة كتبها سموتريتش على منصة إكس، مسيئة للسعودية قال فيها: “استمروا في ركوب الجمال في صحراء السعودية”، وأردف: “إذا عرضت علينا السعودية التطبيع مقابل دولة فلسطينية، فأقول: لا شكرا”. لست مفوضا للحديث نيابة عن السعوديين فهم أولى بالرد على هذا الزنيم اللئيم ولكنني أقول إنني لا أنظر إلى السعودية على أنها وطن بحدوده المعلومة وحسب بل أنظر إليها على أنها بلاد الحرمين، فيكفيها شرفا أنها تحتضن المسجد الحرام والمسجد النبوي والمشاعر المقدسة التي تهوي إليها قلوب كل المسلمين في العالم، والإساءة إليها بأي شكل من الأشكال هي إساءة لكل هذه المقدسات ولكل المسلمين والمسلمات. أقول هذا لأنني قرأت ما كتبه محللون متمرسون عن سموتريتش بأنه حينما يتهجم على بلد عربي فإن إساءته تحمل خلفية دينية حاقدة، يملأها الغل المستحكم والحقد الدفين.
إن بعض القدح يرد على صاحبه وينقلب عليه كما ينقلب السحر على الساحر، فالإبل من الدواب التي عظمها الله سبحانه وتعالى ونبّه أولي الألباب إلى تدبر ما أودع الله فيها من آيات فقال الله تعالى: “أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رُفعت”. (الغاشية 17). ليس في الإبل ما يعاب لكن العيب كل العيب على من يروم بذكرها الإساءة إلى خصومه. لقد سبقني إلى الرد على هذا المسمى “سموتريتش” الكاتب والمحلل السياسي السعودي علي الخشيبان في مقال له بعنوان: “رسالة إلى سموترتش: السعودية تمتلك التاريخ والجغرافيا”، ومن جملة ما ورد في رسالته: “إن إسرائيل التي احتلت أرضا لا تملكها قبل ثمانية عقود، يحاول مسؤولوها المتطرفون اليوم التحدث عن أنفسهم وكأنهم أصحاب أرض وأصحاب تاريخ ويقودون المنطقة نحو التغير والتحول، بينما البعيرُ نفسه في المنطقة سبق وجودهم بملايين السنين”. ردٌّ مفحم من الخشيبان، يحمل رسائل قوية ويوجه صفعة موجعة لسموتريتش، أعادت تذكيره بأن إسرائيل كيانٌ مصطنع وبأن تاريخها ملغَّم وملطخ بدماء الأبرياء. ومما أعجبني أكثر قول الخشيبان: “إن وجود الإبل سابق لوجود هذا الكيان بملايين السنين”.
لقد خلّد القرآن الكريم اسم الإبل في آيات تُتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأما سموتريتش فسينتهي منبوذا حتى من اليهود أنفسهم الذين يضيق أكثرهم به ذرعا ولا يستسيغون خرجاته التي يقولون عنها إنها تعطي صورة سوداوية عن الشعب اليهودي، ومن ثمّ فهو وتياره –كما قالوا– لا يمثلوننا وينبغي أن لا يستمرّوا في الحديث باسمنا. ستبقى إبل السعودية شاهدة على تقاليد إسلامية موغلة في القدم وحاملة لكثير من القيم، وسينتهي سموتريتش إلى مزبلة التاريخ.
بعض السفلة من شاكلة سموتريتش يرثون قلة الأدب وسوء الأخلاق عن أسلافهم وآبائهم “فمن شابه أباه فما ظلم”. سموترتش من الجيل اليهودي الجديد، وهو من مواليد 27 فبراير 1980 في مستوطنة “حيسوبين” في الجولان السوري المحتل، وقد قضى طفولته في مستوطنة “بيت إيل” أي “بيت الرب” في الضفة الغربية، لكن أصوله تنحدر من بلدة “سموتريتش” الأوكرانية. لا شأن لهذه البلدة بما يفعله سموتريتش، فالجماد كالبشر لا يحمل وزر من ينتسب إليه فكل نفس بما كسبت رهينة. لقد تربى سموتريتش في المستوطنات في الجولان السوري وفي الضفة الغربية، فتولدت في نفسه من جانب ما يزعم أنها غيرة على الإنسان والزمان والمكان اليهودي، كما تولّد في نفسه من الجانب الآخر حقد على كل ما هو عربي وإسلامي، ولذلك ليس من قبيل الحماسة الآنية الاستماتة التي يبديها سموتريتش تجاه المستوطنات والمستوطنين، وتدعم أقواله وتصريحاته المستفزة للفلسطينيين والمؤيدة للمستوطنين ما نقوله ويقوله الإعلاميون وكل المحللين السياسيين. لقد تربى سموتريتش في بيئة دينية متطرفة وكان والده حاخاما وأستاذا للّاهوت الديني في مستوطنات الضفة الغربية، وقد أخذ عنه تطرّفه المقيت وحقده على المسلمين و”الأغيار” أي غير اليهود بصفة عامة.
قرأت في “الجزيرة نت” من أيام معدودات مقالا بعنوان: “مشروع سموتريتش لمحو فلسطين”، ومن أهم ما جاء في هذا المقال: “إن طموحاته تتجاوز الواقع نفسه؛ ففي مخططاته المنشورة، دعا سموتريتش في 3 سبتمبر الماضي إلى أن تعلن إسرائيل ضما رسميا لـ82% من مساحة الضفة الغربية، وهي نسبة تفوق حتى تصورات بعض أكثر أنصار الاستيطان تطرفا. ومع أن الإعلان القانوني لم يحدث بعد، فإن ما تحقق على الأرض عبر القوانين، والمؤسسات، والميزانيات، والبنى التحتية، يشي بأن الضم الفعلي يتقدم خطوة بعد خطوة، وأن ما نراه اليوم ليس سوى الفصل الأحدث في مسلسل الضم الصامت الذي بدأ منذ 1967 ولم يتوقف”.
في المثل السائر: “إذا عُرف السبب بطل العجب”. إن تهجم سموتريتش على السعودية بلاد الحرمين، وعلى الجزائر كعبة الثوار، وعلى غزة العزة، وعلى المسجد الأقصى، لم يأت من فراغ بل أتى من مشاعر عدائية تجاه السعودية مهد الإسلام الذي سطعت منه أنوار الهداية وبزغت منه شمس الحرية ولاحت منه تباشير التحرر من عبودية الخلق والتعلق بعبودية الخالق، وأتى من مشاعر عدائية تجاه الجزائر التي لم تلن لها قناة ولم يتغير لها موقف من فلسطين حتى في زمن التقلبات السياسية. وأتى من مشاعر عدائية تجاه سكان الضفة الغربية الذين ينظر إليهم سموتريتش على أنهم “غزاة محتلون” وينظر إلى الضفة الغربية على أنها “يهوذا والسامرة” التي ضاعت منهم ويجب استردادها تنفيذا لوصايا التوراة. وأتى من مشاعر عدائية تجاه المسجد الأقصى الذي يعدُّ سموتريتش بقاءه خطرا على الوجود اليهودي.
لقد خلّد القرآن الكريم اسم الإبل في آيات تُتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأما سموتريتش فسينتهي منبوذا حتى من اليهود أنفسهم الذين يضيق أكثرهم به ذرعا ولا يستسيغون خرجاته التي يقولون عنها إنها تعطي صورة سوداوية عن الشعب اليهودي، ومن ثمّ فهو وتياره –كما قالوا– لا يمثلوننا وينبغي أن لا يستمرّوا في الحديث باسمنا. ستبقى إبل السعودية شاهدة على تقاليد إسلامية موغلة في القدم وحاملة لكثير من القيم، وسينتهي سموتريتش إلى مزبلة التاريخ، يلعنه الله ويلعننه اللاعنون، وسيطويه الزمان كما طوى غيره غير مأسوف عليه، كما قال القرآن الكريم عمن سبقوه إلى السفالة والحماقة والنذالة: “فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين” (الدخان 29). إن السماء كما قال المفسِّرون تبكي على فقد الصالحين الذين عمروا الأرض، ونشروا الخير في ربوعها، وأما المفسدون فلا تبكيهم ولا بواكي لهم بل ينتظرهم يوم أسود كيوم فرعون وثمود.