إخماد الجبهة المصرية للتفرد بجبهة الشام
التدخل الأمريكي لصالح إخماد الجبهة المصرية، بصفقة تقاسم للسلطة بين العسكر والإخوان، يكون قد دعت إليه الحاجة للتفرغ لجبهة الشام التي يلتئم لها اليوم بجنيف مؤتمرا دوليا أعد لإقبار مساعي التسوية السلمية، قبل إلحاق ما بقي من القطر السوري بالجولان المحتل، وإنهاء ربيع الشعوب العربية بخريف لكيان اسمه العروبة.
المشهد العربي يكون اليوم على موعد مع حدثين بارزين، الأول في القاهرة، متمثلا في أداء الرئيس المصري المنتخب لليمين الدستورية ليصبح أول رئيس منتخب في ما يحلوا للمصريين تسميته بالجمهورية الثانية، والثاني تحتضنه مدينة جنيف في شكل مؤتمر دولي للبحث عن مخرج للأزمة السورية، وترحيل دولي لرئيس عربي آخر.
.
تبديل الرؤوس لعرب بلا رياسة
الحدث الأول قد يدعو في ظاهره إلى التفاؤل، من حيث أنه قد يسمح لبلد عربي كبير مثل مصر الإفلات من أتون الفتنة التي سعت إليها أطراف كثيرة، حاولت ركوب الحراك الشعبي في سياق إعادة ترتيب البيت المصري، ولأنه خرج بالمصريين إلى الخيار الأقل سوء، حتى وإن تعالت بعض الأصوات لتندد بالتدخل الأمريكي في ترجيح الكفة لصالح أحد المرشحين، وتلقي بظلال كثيفة على قرار اللجنة العليا للانتخابات، وتحرم المصريين من العرس الذي كان يفترض أن يقام لأول انتخابات رئاسية تحترم فيها إرادة الناخب.
الحدث الثاني قد ينهي آخر محاولة لترتيب مخرج سلمي للأزمة التي تفتك اليوم ببلد عربي بحجم سورية، ويفتح الباب على مصراعيه إما حرب أهلية طائفية طويلة، تمزق سورية، لتمتد آثارها إلى لبنان والمنطقة، أو تقود إلى حرب إقليمية ودولية، كانت على وشك أن تندلع عقب إسقاط الدفاعات الجوية السورية لطائرة تركية اخترقت الأجواء السورية.
.
الحصيلة والباقي من غلال الربيع
الحدثان وجهان لعملة واحدة: اسمها الربيع العربي، الذي لم نكلف أنفسنا حتى الآن بحصر عوائده على الأوطان والشعوب والدول، حتى بعد أن انجلى غبار المعارك وجعجعة التطاحن في بعض ساحاته، في تونس وليبيا واليمن ومصر، فانصرفت قنوات صناعة الرأي العام عن تعقب حالة التخبط التي دخلت فيها الأنظمة البديلة في تونس وليبيا واليمن، كما انصرف عنها اهتمام الشقيق والصديق والحليف، وتراجعت الوعود السخية بالدعم المالي والسياسي، وكأن الجهات التي كانت حريصة على إسقاط نظم الاستبداد النافقة لا ترغب في نجاح التجارب الديمقراطية الناشئة على هامش ما سمي بالربيع العربي.
ومن ذلك أن دول الخليج التي كلفت بالبحث عن مخرج للحراك الشعبي في اليمن قد انصرفت إلى الساحة السورية، ولم تخصص للشعب اليمني أي دعم يذكر، يساعد واحدا من أفقر الشعوب العربية على الخروج من محنه المعقدة: الأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية، وكأن المراد قد تحقق بترحيل الرئيس علي صالح، وإضعاف مؤسسات الدولة الأمنية، العالقة قبل وبعد سقوط رأس النظام في محاربة جيوب القاعدة، وإدارة النزاعات القبلية والطائفية.
وفي ليبيا حرص حلفاء ثوار النيتو على تأمين آبار ومرافئ تصدير النفط، وتركوا الشعب الليبي ينزلق بتسارع هندسي نحو صوملة مستديمة، بمدن تحكمها الميليشيات بقانون الغاب، وقتال بين القبائل على خلفية عرقية مقيتة، سوف تنتهي إن عاجلا أم آجلا إلى تقسيم ليبيا وفق الخطة والخرائط المعدة سلفا، وقد سكتت منظمات حقوق الإنسان الدولية والأهلية عن الكلام المباح، رغم قيام شواهد على حصول مذابح وتصفيات بالجملة على الهوية، ارتكبتها الميلشيات بمعرفة المجلس الانتقالي الذي أوصله النيتو للسلطة.
.
نصف الكأس المملوء أوهاما
على هامش هذا الحصاد المأساوي للربيع العربي، كان يعول على التجربتين التونسية والمصرية لحفظ ماء الوجه، وإنقاذ مشهد الربيع العربي مما لحق به وبالشعوب التي آمنت به، وصدقت ما سوق لها من دعم غربي عربي ودولي لتطلعاتها في استعادة القرار، وحق المشاركة في إدارة الشأن العام.
فقد استفاق التونسيون على واقع سياسي يرتد بهم إلى الخلف، مع حكومة قبلت أن تخضع للضغوط الغربية السافرة، التي حملتها على ارتكاب خطيئة في حق الشعب التونسي وأعراف وقيم حماية المستجير، بتسليم الوزير الأول الليبي السابق إلى الميلشيات الليبية، رغم تبرئة القضاء التونسي له من تهمة دخول الأراضي التونسية بطريقة غير شرعية، وانشغال الحكومة بملفات إقليمية، هي فوق حجم وطاقة تونس، عن التكفل بتثبيت المسار الديمقراطي، ومواجهة استحقاقات إعادة تحريك الاقتصاد التونسي. ومع أن الحالة التونسية كانت مرشحة أكثر من غيرها لصناعة نموذج ناجح، يحقق الانتقال الديموقراطي السلس، فإن المجلس التأسيسي ما زال عالقا داخل جدل عقائدي عقيم حول كتابة الدستور، وقد ينفرط عقد التحالف الثلاثي مع اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي.
.
صلف الأمريكيين يفسد عرس المصريين
الحصيلة في مصر قد ينظر إليها كما ينظر للكأس نصف المملوءة، وربما يكون المصريون قد تنفسوا الصعداء بعد اجتياز اختبار الانتخابات الرئاسية، وتوصل اللاعبون الحقيقيون إلى صفقة ساعات قليلة قبل إعلان النتائج، والتعرف على الرئيس المنتخب، وهي خطوة جد إيجابية تحسب للطرفين الأساسيين الذين قبلا باقتسام السلطة كبديل لمواجهة كان كل طرف يعد لها العدة، وسوف تسمح للمؤسسة العسكرية وللإخوان المسلمين بشراء الوقت، وترتيب الإدارة المشتركة لفترة انتقالية ثانية، تبدأ اليوم بعد أداء الرئيس المنتخب للقسم تحت سقف الإعلان الدستوري المكمل، الذي رسم خارطة طريق جديدة ينتهي فيها المصريون من استكمال بناء المؤسسات، وتسليم السلطة بالكامل للمدنيين.
ومع كل ما يسوق حول خيار المواجهة بين الرئيس والإخوان من جهة، والمجلس الأعلى للقوات المسلحة من جهة أخرى، فإن الصفقة التي رعتها الولايات المتحدة تكون قد أقنعت الطرفين بواجب الاستمرار في الشراكة التي بدأت غداة إسقاط مبارك، والعمل على تفعيل نموذج قريب من النموذج التركي، يسمح بحضور فعلي للعسكر قد يمتد لعقد أو عقدين، قبل تسليم السلطة بالكامل لحكم مدني.
.
إخماد جبهة مصر للتفرد بجبهة الشام
بداية الخروج من النفق المظلم، والابتعاد قليلا عن حافة الهاوية في الحالة المصرية قد يسمح للاعبين الدوليين في المشهد العربي بالتفرغ للمسار السوري، الأكثر تعقيدا والأخطر على مستقبل المنطقة، فمنذ بداية الحراك الشعبي في سورية، دخلت على الخط قوى عربية وإقليمية ودولية بحسابات متناقضة، وحاولت ركوب الحراك الشعبي، وحرفه عن المسار السلمي، وإدخاله في صراع جيوسياسي إقليمي ودولي، لم يكن ليسمح باستنساخ واحد من المسارات العربية.
فمنذ البداية، اجتهدت قوى عربية واقليمية على سد جميع المنافذ أمام النظام السوري، في عملية تصفية حسابات بين دول الخليج والنظام السوري، على خلفية موقع وموقف سورية من الخلافات الخليجية الإيرانية، وإدارة الملف اللبناني، والملف الفلسطيني، وعلى الأخص ملف السلام العربي مع الكيان الصهيوني. ثم إن الربيع العربي كان قد فتح شهية قوى إقليمية مثل تركيا، بدأ يسيل لعابها أمام الفرصة المتاحة لمزاحمة إيران في ملء الفراغ الناتج عن انهيار النظام العربي الرسمي، مع تشجيع أمريكي واضح لجماعة أردوغان بلعب دور في إدارة الفضاء العربي بالوكالة.
.
تصفية حسابات بدماء السوريين
وفي هذا السياق، ربما يكون الشعب السوري قد ظلم من قبل الأشقاء والجيران بنفس القدر من الظلم الذي صدر عن النظام. فقد اجتهدت الجامعة العربية، بقيادة قطر ودول الخليج، على إفشال مساعي التسوية التي كانت ممكنة ومتاحة، وساهم موقفها المتحيز في تحفيز نظام مهدد في وجوده على القتال بضراوة، كما ساهم العبث الغربي في الملف الليبي قي تحفيز الروس والصينيين على الدخول بقوة في النزاع، وإبطال مفاعيل التدخل العسكري تحت مظلة الشرعية الدولية، لتتحول المواجهة في سورية إلى مواجهة لا يمكن فيها لأي طرف أن يقبل فيها بالهزيمة، لأسباب لا علاقة لها بالحراك الشعبي وبمطالب السوريين.
ولنفس الأسباب لا يمكن للشعب السوري أن يعول كثيرا على المساعي التي يقودها السيد كوفي عنان، ولا على المؤتمر الدولي الذي يلتئم اليوم بجنيف بمشاركة دولية غير متوازنة، أريد لها من البداية أن تمنع صدور توافق فعلي منتج لحل سلمي. فقد أصر الطرف الغربي على أن يفرغ مساعي السيد كوفي عنان الداعية إلى دعم قيام حكومة توافق وطني، تتكفل بإدارة الحوار الوطني بين النظام والمعارضة، بتحويل المؤتمر الدولي إلى نسخة من لقاء ما سمي بأصدقاء سورية، فتم استبعاد إيران رغم دورها المؤثر على النظام السوري، فيما تم دعوة قطر والكويت والعراق إلى جانب دول الإتحاد الأوروبي، والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، بما يعني الحكم المبكر بالفشل على مؤتمر يراد منه فقط تمرير مزيد من الضغط على النظام وحلفائه، وغلق مسار التسوية السلمية إلى حين قيام ظروف ملائمة للحسم العسكري.
.
عودة الاستبداد بالإرهاب الفكري
الحالة السورية شكلت بجميع المقاييس مسارا كاشفا للواقع الملتبس الذي تصر النخب العربية على نكرانه، وهي مندفعة بكل حماس في تمجيد الربيع العربي، والبناء عليه كحالة ثورية عربية كفيلة بإعادة العالم العربي وشعوبه إلى ساحة الفعل، واستعادة سيادة الشعوب على قرارها، وهي لأجل ذلك لا تريد الالتفات إلى ما عليها من واجبات في تقييم حصيلة ما تحقق، والبحث عن المكاسب والثمار التي تحققت حتى الآن، وقد أعطت ظهرها لما حصل في ليبيا، وكأنها لا تريد أن تنظر للوجه القبيح المشوه الذي صنعه ثوار النيتو، بفتاوى مشايخ الدين وعلماء المسلمين، ومباركة النخب العربية والإسلامية بجميع أطيافها ومللها ونحلها، وباتت تمارس حالة من الإرهاب الفكري على كل من يخالفها الرأي، ويقف موقف المتشكك الناقد في فصول الربيع العربي، وكأنها تقول: “من ليس معنا فهو ضدنا” وهو في نظرها محض عميل للنظم الاستبدادية، كاره لحق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو في الحد الأدنى ضحية للتفكير وفق نظيرة المؤامرة ليس إلا.
ثمة مقياس بسيط للحكم على حصيلة الربيع العربي بما أنتجه حتى الآن على مستوى تغيير رأس النظم. فقد استبدل اليمنيون رئيسا كان بلا شك ينتخب بالتزوير وفق صفقات بين القبائل والجيش بمباركة أمريكية وإقليمية، برئيس دخل منفردا في سباق مزور لينتخب بنسبة 99 في المائة، بمباركة أمريكية، وتوافق بين القبائل والعسكر ودول الجوار، واستبدل الرئيس المستبد بن علي برئيس بلا صلاحيات، لم يشترك التونسيون في انتخابه، وليس أمام الليبيين من فرصة، في أجل منظور، لاختيار رئيس منتخب بديل للعقيد القذافي، كما أن الرئاسة المصرية لم يحسمها الانتخاب، بقدر ما حسمتها الصفقة بين العسكر والإخوان والأمريكان، ولن يكون للشعب السوري دور يذكر، لا في إسقاط الأسد، ولا في تثبيته وفق ما ستؤول إليه المواجهة الدولية المفتوحة في بلاد الشام.
.
ربيع الشعوب المبشر بخريف العروبة
وفي خضم هذا العبث بمشاعر الشعوب العربية، قد لا نكون بحاجة إلى استدعاء شواهد من الكلفة العالية التي دفعتها الشعوب في مقدراتها ودماء أبنائها، وضرب استقرارها وأمنها، ويكفينا أن نطرح سؤالا مركبا: هل ساهم الربيع العربي في تغيير واقع العرب الموروث عن النظام العربي الرسمي؟ وهل يؤمل منه قيام نظام عربي جديد، متضامن ومتحرر من الضغوط والإملاءات الخارجية، قادر على تغيير موازين القوة لصالح الحق العربي، وفي طليعته استعادة الحق العربي في فلسطين المحتلة؟ أم أن الربيع العربي المزعوم، الذي لم يرفع شعارا واحدا في ميادين التحرير نصرة للحق الفلسطيني، يكون قد قبل مسبقا بمسار التصفية القادمة للقضية الفلسطينية، والقبول بما لم تجرؤ عليه رؤوس النظام العربي النافقة خوفا من غضب الشعوب؟