إدانة السيسي جنائيا قضية وقت
يؤكد الخبير القانوني الدولي، الأستاذ فوزي أوصديق، إمكانية متابعة وزير الدفاع المصري، عبد الفتاح السيسي. ويصف ما قام به بـ”مجازر ضد إنسانية” غير قابلة للتقادم. ويقدم القانوني الجزائري المقيم في قطر، السبل القانونية لمباشرة الإجراءات القضائية ضد السيسي، ونظر ته كذلك إلى الدور الواجب على المؤسسة العسكرية أن تبدأ منه وتتوقف عنده.
من الناحية القانونية إلى أي درجة توصف العمليات العسكرية المنفذة ضد معتصمي رابعة العدوية والنهضة وفي مسجد الفتح؟
إن ما حدث في مصر من انتهاكات جسيمة في حق الأفراد، يرتقي إلى جرائم ضد الإنسانية، من حيث الاستعمال المفرط للقوة، أو سوء استعمالها، أو الإساءة في استعمال القوة، ومن ثم توثيق هذه الجرائم، وتحريك الآليات الدولية التعاهدية منها، وغير التعاهدية على مستوى مجلس حقوق الإنسان، قد يفضي إلى لجان لتقصّي الحقائق . واحتمالية كونه مادة دسمة على طاولة مجلس الأمن، ومن ثم بحكم الولاية التي منحت له، يمكن تحريك دعوى على مستوى المحكمة الجنائية الدولية. علماً أن هذه الجرائم قد لا تتقادم من حيث الزمان والمكان، ولو بمرور الوقت .
ولا ننسى الدور السلمي لهذه الاعتصامات، وهذا ما وصلت إليه العديد من الفرق الميدانية للجان التي زارت معتصمي ميدان رابعة العدوية أوالنهضة وتكذيب ادعاءات العسكر وحلفائهم.
كما أن المساجد ودور العبادات لها قداستها وحرمتها في القانون الدولي، بدءاً من اتفاقيات لاهاي سنة 1907، مروراً باتفاقيات جنيف 1949، والبروتوكول الإضافي الثاني سنة 1976، أو اجتهادات الفقه على مستوى لجنة القانون الدولي وعلى مستوى الأمم المتحدة منذ الثمانينيات قد أقرّ ذلك، أو على مستوى أدبيات منظمة اليونيسكو. لذلك، لا عرفاً، ولا ذوقاً، ولا تشريعاً ولا شرعيةً يجوز انتهاك هذه الحرمة والقداسة، وأي اعتداء عليها سيعتبر اعتداء على الإنسانية، فلا يجوز ذلك وقت النزاعات المسلحة، فما بالك في وقت الاضطرابات الداخلية أو أوقات السلم!
ولذلك فإن هذه الجرائم قد تستدعي متابعات مستقبلية، بالولاية القضائية الداخلية أوالدولية.
كيف يمكن لعائلات الضحايا الاقتصاص من الجناة؟ وهل من سبيل لتدويل القضية؟
عائلات الضحايا هم الطرف المدني أو المتضرر في خضمّ هذه الأحداث. يلاحظ أنه قد بدأ التوثيق لهذه الجرائم، والعديد من المنظمات الدولية قد أرسلت لجاناً لتقصّي الحقائق حول ما يجري في الميدان.
فالعالم اليوم أصبح أكثر انفتاحاً، وكل الاحتمالات أصبحت واردةً ومفتوحة، فتدويل القضية نحن خائضون فيه، سواء من خلال تدخل العديد من الأطراف، أم من خلال البيانات الصادرة من قبل العديد من المنظمات الدولية. وهنا أخصّ بالذكر “منظمة أمنيستي”، ومنظمة الكرامة والأورو متوسطية، وغيرها من الأطراف الذين وثقوا هذه الجرائم. وقد تم تحريك بعض المقررين الخاصين على مستوى مجلس حقوق الانسان، وبالأخص المقرر الخاص بالإعدامات خارج حدود القضاء، فالتقتيل، والتنكيل، والبلطجة، لم تكن نتاجاً للتفاعل مع الميدان، بقدر ما هي سياسة ممنهجة من طرف الانقلابيين. وذلك ما تمت ملاحظته في العديد من المحطات الدموية والمأساوية للأزمة المصرية.
تردد حديث عن رغبة البعض في محاكمة وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي؟
إن محاكمة الوزير عبد الفتاح السيسي، ما هي إلا قضية مرتبطة بالوقت فقط، فالدماء وحرماتها، والانتهاكات البشعة والجسيمة بالمواصفات الدولية لا تستثني أصحابها من المعاقبة والمتابعة القضائية. كما أنه لا يمكن لهذه الجرائم أن تتقادم أو يتم التنازل عنها، ولنا سابقة في ذلك في كينيا سنة 2006، وما حصل خلال القلاقل التي تلت الانتخابات وما صحب هذه الأحداث من عنف وتنكيل واقتتال، وتدخل “أكوموبو”، المدعي العام، وقام بتصنيفها من حيث الكيفية على أنها جرائم ضد الإنسانية، ومرتكبوها اليوم متابعون في محكمة لاهاي. فالعقوبة والردع هنا ما هما إلا قضية وقت. فالولاية الدولية أدّت بالعديد من الدول إلى إدخال هذه الجرائم في التشريعات الداخلية، وملاحقة أصحابها، كما هو الحال في بريطانيا، بلجيكا، سويسرا وغيرها… أما دور المنظمات الدولية، فالبعض منها يثنى على مجهوده، والبعض فاتر وغير مفهوم، لذلك فإننا نناشد اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بحكم دور المساعدة والحماية المنوط بها، أن تتدخل للحفاظ على الأفراد بكافة الأبعاد الإنسانية، والاحتياجات الصحية، وبالأخصّ أداء وممارسة هذا الدور أثناء الاضطرابات الداخلية.
هنالك تبرير لتدخل الجيش المصري في العملية السياسية، فدستوريا، أين تبدأ صلاحية المؤسسة العسكرية؟ وأين تنتهي؟ وهل أصبحت في نظرك هي الدولة في مصر؟
من الناحية الدستورية، فإن أية مؤسسة عسكرية، هي مؤسسة دستورية، من واجبها أداء دور حماية حدود الوطن، وليس دور الضبطية الشرطية، أو التدخل في السياسة، فلا يمكن التذرع بالتدابير الاستثنائية، والطوارئ لتدخل الجيش، فالجيش ملك للجميع، وحامٍ للجميع، وليس وقفا على فصيل دون الآخر. ويجب أن يكون تدخله بشكل محدود ومقيد. وما نلاحظه حالياً على أرض الواقع في أحداث مصر عكس ما ينبغي على الجيش. بل أصبح طرفاً سياسياً ولم يكن طرفاص محايداً ومحكّما للجميع على حدٍّ سواء.
ما هي قراءتك للمواقف الدولية العربية والغربية؟ وما تأثيرها على الساحة المصرية؟
المواقف العربية والغربية فاترة نوعاً ما، فهي بين مؤيد، ومندّد، وأحياناً تتدخل المصالح والاختلافات الفكرية مع الرئيس مرسي، وهذا ما يدفع بالعديد للتموقع، ولو على حساب القيم الإنسانية وحقوق الإنسان. إلا أنه ومنذ فضّ الاعتصام، ومسجد الفتح، والاستخدام المفرط للقوة، أضفى بعض التطور على الموقف الدولي، أو صبغه بشبه الإجماع على “التنديد” والمناداة بالمصالحة والحوار، وعدم الإقصاء أو التهميش لأي فصيل، فالموقع الجيواستراتيجي لمصر سيدعو هذا التحرك أو الحراك الدولي، ويبدو أن “التأثيرات” لم تلمس على أرض الواقع بعد، كما يبدو أن تأثيرات البلطجية والشارع المضادّ، والأقلية الحاكمة أصبحت هي الغالبة. لكن! دوام الحال من المحال، فاستقالة البرادعي وبعض الرموز المهمة قد تغير المعادلة مع ضغوطات الشارع المستمرة.