إذا كان نهارك مظلما.. فكيف حال ليلك؟
يبدو أن العديد من مسئولينا، والكثير من عناوين الصحف، وحراك المجتمع المدني، بدلاً من أن يؤسس لخطاب تفاؤلي مدعم باللغة العقل والمنطق، ينغمس في خطاب تشاؤمي مظلم مشحون بالعواطف والارتجالية…
-
فعلى مستوى الطاقم الحكومي يوجد وزراء مشهورون بمؤشراتهم الوردية.. وأننا عن قريب قد نصل إلى مراتب قد لا تصلها العديد من الدول؟!
-
والبعض الآخر من الوزراء مفرط في تشاؤمه ولا يتكلم سوى عن السنين العجاف والتقشف وغيره من المبررات التي قد تسوق ـ أحيانا ـ لتبرير بعض من عجزهم في تأدية مهامهم الوظيفية.
-
كما أن بعضا من أحزابنا بدلاً ما يحاول أن يكون قوة اقتراح بديلة بالأرقام، والمشاريع والبدائل المنطقية، يبرر عجزه وعدم تواجده في ميدان بالدفاع عن النفس وأنه منزه من كل عيوب ونقائص، والإفراط في الانتقاد وركوب موجة المعارضة.. من أجل المعارضة!
-
وإنني لا أنكر دور بعض أحزابنا في ترقية الحوار الديمقراطي، والعمل على إيجاد البدائل.. وفي المقابل توجد أحزاب إما مفرطة في التأييد إلى حد الانبطاح والخنوع… أو مفرطة في النقد إلى حد الإصابة بمرض قصور في رؤية الألوان، فأصبح كل شيء لديها أسودا أو أبيضا!!.
-
وقس نفس المعادلة بالنسبة للعديد من المسئولين في مختلف القطاعات الأخرى، فالمرض أو الآفة شاملة، وعائمة، ومنتشرة.. ولعل العرب قديماً قالوا »إن لم تستحِ فافعل ما شئت«، للأسف العديد من الأفراد المسئولين في المجالات المختلفة بدلاً من أن يبث الأمل ويشجع الأداء الجيد من خلال القدوة والإقدام.. نلاحظ أنه يغاير هذه المنطلقات من خلال زرع الفرقة والفتنة والخطابات السلبية، وكأنه الوحيد “الفاهم” أو “الشاطر” أما الباقي فهم قوم تبع لا رأي ولا مجال للتحرك لديهم.. فدولة المؤسسات أو الدولة التي لا تزول بزوال الرجال، أو استمرارية الخدمة العامة تقتضي “تنفيس” هذه المؤسسات بإزالة هذه النماذج الفذة
-
وإني قد لا أدعو إلى الجري وراء محاربة الساحرة! بقدر ما أدعو إلى خلق بيئة نظيفة تسمح للكل أن يتفتح بقدر ما تكون هذه البيئة مبنية على النزاهة والكفاءة.. وبالتالي الابتعاد عن الولاءات والمحاور.
-
وأحياناً فكرة “النهار المظلم” قد تغرس من خلال خطابات العديد من وزرائنا بالوعود المعسلة التي لا نهاية لها.. أو تلك الوعود التي ترمى هنا وهناك من أجل إنجاح الزيارة.. أو النزعة المصلحتية.. فهي كالفقاقيع تنمو وتظهر فجأة.. كما أن عملية الاختفاء تكون بنفس الأطوار.. ولا ننسى أن هذا الخطاب هو الذي أدخل الجزائر وساهم في عزلتها، فالمؤسسات المالية والبنكية والدولية قد ترصد لكل تصريح أو كلمة تنطق من مسئول رفيع أو وزير أو أو.. ونحن للأسف الشديد بين التصريح وواجب التحفظ كبعد السماء عن الارض فلا توجد فرملة أو “مكابح ” فهو مفتوح دائماً.. !!! وغير محدد فشعار “الله غالب” هو الطريق السهل لتبرير أحياناً عجزنا وعدم قدرتنا على التأقلم مع الجديد والتطور.
-
-
فإن كان نهارك مظلما.. فكيف حال ليلك؟!
-
-
فذلك التساؤل قد أكرره لكل قارئ.. من خلال “الاعتدال” و”الوسطية” في الأقوال والأفعال والتحركات، فـ “الإفراط” و”التطرف” و”الغلو” في جميع الاتجاهات قد تكسر صاحبها على المدى البعيد بتشدده… الملاحظ أن البعض ـ للأسف ـ قد يسقط هذه العبارة في المجال الديني دون غيرها. والاصل قد تتعدى للمجالات الأخرى الحياتية منها أو الإنمائية…
-
فـ “تغنانت” في المجال السياسي والمؤسساتي، وسياسة “معزة ولو طرت” منتشرة.. وإني حائر هذا الأسبوع مثلاً بين تصريحين حول “العفو الشامل ” صادرة من حزبين رئيسيين في التحالف الرئاسي أحده مفرط.. والآخر فيه إفراط.. وذلك يوحي للغير ـ أي الأجانب ـ المتعاملين والشركاء بعدم الانسجام والتخبط واختلاط “الظلام” بين الليل والنهار.. فالعفو الشامل ـ حسب قناعتي ـ ليست بدعة جزائرية، بل هو آلية قانونية متعارف عليها دولياً.. تستعمل في بعض البلدان من أجل الخروج النهائي من بعض الأزمات.. وأحياناً من نفق الليل المظلم.. فالرجوع لمسببات الأزمة من أو الخطاب الديماغوجي المبنى على العواطف والاستعطاف لا يخدم القضية.. وعليه فالعفو الشامل “محطة سياسية وقانونية نهائية لاستكمال مسار الوئام والصلح ومعالجة بعض الإفرازات السلبية لكلا القانونين، وبعض العيوب التي أفرزتها تطبيق نصوص “المصالحة” فلا يمكن طي ملف الأزمة ـ حسب قناعتي ـ إلا بطي الصفحة الأخيرة من حل الأزمة…
-
فالتردد والعشوائية.. أحياناً قد تؤسس للنهار المظلم… وأحياناً هذا النهار المظلم ليس بقدر محتوم.. بقدر ما هو نتاج لما اقترفته أيدينا من تصرفات خاطئة وغير مدروسة أو بدون تبصر.
-
وأخيرا، فأكبر إكرام للمستقبل أن نعطي كل شيء للحاضر.. وذلك الشيء الوحيد الممكن أن يحدث ديناميكية في تغيير بعض الممارسات والسلوكيات.. فليكون “مستوى” تصرفاتنا السياسية بعيداً عن كل إيدلويجية أو دمياغوجية موجهة للاستهلاك فقط دون آثار على الأرض فنفي هذه الممارسة هو الاتجاه الصحيح لإعادة الطبيعة لعادتها من اختلاط الظلام بين الليل والنهار كما أن الاكتراث على “الماضي” دون نظرة مستقبلية جامعة وجامحة لن تكون دافعة للخروج من النفق المظلم.. فكل واحد منا مسئول عن الحالة الظلامية.. وبالأخص طبقاتنا الحاكمة والسياسية.
-
وإني لا أطلب المعجزات بقدر ما أطلب الصدق والنزاهة في طرح ومعالجة المواضيع اتجاه مؤسساتنا واتجاه شعبنا، فيمكن أن تقتل الديك المنبه لبزوغ الفجر.. ولكن لا يمكن أن تمنع الفجر من أن يبزغ!