-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

طريقنا في عالم يتحول… إلى أين؟

طريقنا في عالم يتحول… إلى أين؟

بات واضحا اليوم أن العالم يمر بنقطة تحول مفصلية بين الشرق والغرب. تأكدت توقعات الاستشرافيين بأن الولايات المتحدة تسير نحو التراجع أكثر فأكثر، وأن قوى أخرى صاعدة تزداد قوة ونفوذا في النظام العالمي وفي مقدمتها جمهورية الصين الشعبية. بينهما تقف أوروبا غير قادرة على استعادة ريادتها للعالم القديم، وفي ذات الوقت تعيش هاجسا أمنيا كبيرا نتيجة ضعف قدرتها على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة.. وفي بقية العالم توجد ما كان يُعرَف بالدول النامية، بعضها يسعى للانتقال إلى مصاف الدول الناشئة وبعضها الآخر يغوص في مشكلات داخلية وأزمات وأحيانا حروب أهلية غير منتهية.
الأمل اليوم هو في أن تتدارك هذه المجموعة الأخيرة أزماتها الداخلية وتضبط رؤيتها المستقبلية بوضوح إذا أرادت الانتقال إلى مصاف القوة الإقليمية الصاعدة في المحيط الذي توجد فيه..
وبرغم الصعوبات التي تعترض تحقيق هذا الأمل، إلا أن الشروط الموضوعية اليوم أصبحت أكثر نضجا للاستفادة من هذه اللحظة التاريخية الفارقة.
ولعل أهم شرط هو مشاعة المعرفة التكنولوجية في حدود تكاد تكون تامة. لم يبق سوى ذلك الجزء الضئيل من التكنولوجية المتقدمة الذي يُعَد حكرا على القوى الكبرى أو تُعَد الطريق للوصول إليه صعبة وفي غير المتناول (تكنولوجيا النانو والحوسبة الكمومية). وأهم ما يدل على هذه المعرفة المُشاعة اليوم هو الذكاء الاصطناعي! إذْ برغم احتكار الدول الصناعية الكبرى وبعض الدول الناشئة للجانب الصلب منه (مراكز بيانات ضخمة، قدرة عالية على الحوسبة، كميات كبرى من البيانات)، إلا أن الجانب غير الصلب المتعلق بالعقول البشرية التي تشرف عليه، والبيانات المحلية لم تعد حكرا عليها، كما أن القدرة على بناء مراكز بيانات ضخمة لم تعد مستحيلة في ظل امتلاك رأس المال والطاقة والمعادن النادرة. بمعنى أن أي من البلدان النامية تمتلك مواهب بشرية أصبحت اليوم قادرة على خطِّ طريقها في المستقبل المتوسط (5 -15سنة) بين القوى الصاعدة والإقليمية، وفي مستقبل بعيد (25 سنة) بين القوى الكبرى… لا أدل على ذلك اليوم دول مثل ماليزيا وفيتنام واندونيسيا وإيران والمكسيك وجنوب افريقيا باتت تمتلك من القدرات التكنولوحية ما يؤهلها في المستقبل المتوسط أن تتحول إلى قوى إقليمية ناشئة بامتياز، أما قوى مثل الهند وروسيا فقد تحولت بالفعل إلى أقطاب دولية تمتلك فوق ذلك السلاح النووي.
ولن تستطيع أي من القوى الكبرى المهيمنة اليوم (الصين والولايات المتحدة) منعها من ذلك حتى وإن أرادت..
لذلك بات سؤال “إلى أين؟” يُطرَح بإلحاح علينا جميعا. هل نحن نسير باتجاه مزيد من الانكماش والضعف والأزمات، أم أننا مازلنا نمتلك الفرصة لِتحقيق أهدافنا المنشودة؟
يبدو أن الكلمة الفصل للإجابة عن هذا السؤال وفي هذه الفترة بالذات ستكون للعامل التكنولوجي، وبالتحديد مدى قدرتنا على استغلال الطفرة الحالية والطفرات القادمة في هذا المجال.
لم يحدث في مراحل الانتقال الكبرى للأنظمة العالمية أن وجدت مثل هذه الفرصة. لا أثناء الثورة الفلاحية ولا الصناعية ولا ثورة الحاسوب التي كانت جميعها قائمة على احتكار المعلومة! اليوم أصبحت المعلومة متاحة بقدر ما يكفينا من تحقيق الأهداف التي نريد في كافة المجالات. المطلوب فقط إيجاد العقول القادرة على استغلالها، وهذه العقول رغم استقطابها من قبل القوى الكبرى، وبرغم صعوبات المحيط التي تعيش فيه في بلدانها، هي في ازدياد مستمر وبإمكان تحفيز من غادر منها للعودة إلى موطنها الأصلي بسياسات وقرارات ملائمة. وعندها سيتجلى الفارق بين من يقرأ التحول العالمي قراءة صحيحة ومن لا يفعل! بل وإننا سنتمكن من خلال هذه الإشارة الحاملة للمستقبل من الإجابة عن سؤال: إلى أين؟ هل نغتنم هذه اللحظة التاريخية الملائمة أم لا نستطيع؟
القرار بأيدينا…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!