إذا هبّت رياحك فاغتنمها
تتسارع الأحداث في العالم، بشكل مثير، منذ اندلاع الحرب الأوكرانية، فقد تأكدت بلدان المعمورة بأن تغيّرا جذريا سيحصل في الكرة الأرضية، ليس بسبب التغيرات المناخية الكارثية ولا بسيطرة كورونا على الوضع الصحي منذ قرابة ثلاث سنوات فحسب، وإنما أيضا بسبب هذه الحرب الدائرة في شمال القارة العجوز، التي أسقطت الأقنعة عن الأقنعة بالكامل، وصار لكل دولة توجُّهٌ جديد، ومنها ما غيَّرت بالكامل مواقفها، وراحت تبحث عن مواقع الأمان، وموانئ السلام.
زيارة بايدن إلى جدة وزيارة بوتين إلى طهران كانتا أشدَّ قوة من أكبر زلزال في المعمورة، فقد حاكى الأول التاريخ القريب عندما كانت أمريكا الآمر والناهي، ونظر الثاني إلى المستقبل البعيد بتفاصيله الجديدة مع ظهور قوى أكثر منطقية وعقلانية، وبدأت البلدان ومنها العربية تبحث لنفسها عن موقع دون مواقع الذل السابقة.
شهد التاريخ المعاصر بأن بريطانيا هي أصدق بلاد الغرب، ومن النادر أن يكذب حكَّامُها على الشعب البريطاني، فقد صدم رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسن شعبه عندما طلب منه أن يستعدَّ لجلسات عزاء وبكاء بسبب كورونا التي كانت في مهدها، وتحصي إلى غاية اليوم بريطانيا ما لا يقل عن مائتي ألف ضحية بالفيروس، إضافة إلى أكثر من 23 مليون مصاب، وسبق لرئيس الوزراء الأسبق، توني بلير، الذي قاد البلاد مدة عشر سنوات، وأن طلب من الشعب البريطاني أن يستسلم لواقع جديد، بظهور قوى عظمى لن تكون بريطانيا ولا حليفتُها أمريكا ضمنها، بقيادة الصين التي عملت في السر، وظهرت قوتها للعلن في كل المجالات، وها هو العالم يتيقن بأن أوهن البيوت هي بيوت بلاد الغرب التي لم تكتفِ بالتجبر وزعم القوة، وإنما سعت دائما لإهانة بقية الشعوب بساديتها الغريبة وأنانياتها التي فاقت كل الوصف.
لقد حمل بايدن في رحلته إلى جدة عبر فلسطين دفاتره، ولم يكن فيها غير اسم إسرائيل وأمريكا، طلبا للنفط الخليجي والمال الخليجي والأمن الإسرائيلي، بل وحتى الدماء العربية في حرب من أجل أمن إسرائيل، وحمل بوتين في رحلته إلى طهران دفاتره ولم يكن فيها غير اسم سوريا، طلبا لأمن وسلامة سوريا، وكان من البديهي أن يقف الناس أمام المشهدين، ويجرون مقارنة سريعة خلصت إلى أن بايدن قدّم خدمة لن تنساها شعوب الشرق الأوسط والخليج والعالم بأسره، وهو كشفه لحقيقة الولايات المتحدة الأمريكية، البلد الذي زعم تحرير أفغانستان من الإرهاب، فدمَّر البلاد وحوَّلها إلى مقبرة كبرى، وزعم تحرير العراق من الديكتاتورية فدفن تاريخه وجغرافيته بوحشية وحقد، وزعم تحرير دول الخليج العربي، من الهيمنة الفارسية والشيعية، فوجد هناك مقبرته التي قد لا يصحو منها إلى الأبد.
يقول علي بن أبي طالب:
إذا هبّت رياحُك فاغتنمها فعقبى كل خافقة سكون
وإن درّت نياقُك فاحتلبها فما تدري الفصيل لمن يكون
إذا ظفرت يداك فلا تقصّر فإن الدهر عادته يخون
ولا نظن ريحا أطيب من هذه التي عصفت بالعالم، في هذا الموسم الحار.