الرأي

إرث بورقعة ليس للبيع…

بدر الدين زواقة
  • 406
  • 0
ح.م
لخضر بورقعة

كذلك شأن كل الأفكار والمشاريع التي تريد تغيير التاريخ من خلال تفاعل الأسباب مع السنن. لم أكن أعرف الرجل رحمه الله إلا من خلال بعض المعلومات البسيطة والمتضاربة حوله. وبحكم أن الزمن جزء من العلاج من جهة، ومن جهة أخرى يمكننا فهم الماضي من خلال الحاضر، وكذلك فهم الحاضر من خلال فهم الماضي، فالرائد لخضر بورقعة هو أداة منهجية بامتياز في فهم فجوات الماضي وتناقضات الحاضر. فالشاهد على “اغتيال الثورة” شاءت الأسباب والسنن أن يكون شاهدا كذلك على “اغتيال الوطن” فقح حضر الزمانين والحاليين بإرادة الله من خلال تدافعه الإيجابي وحضوره الثوري في كل المراحل رغم قسوتها في بعضها.

عمي لخضر رمز ورمزية فهو رمز لكل من صدق مع ثورة التحرير ورمزية للبطل والعظيم. وقد قيل إذا اختلف في رجل فهو عظيم وعظمته تكمن في بساطته وعفويته التي تدل على كبرياء فكره ورسالته أراد أن يعيش ثورة التحرير من جديد فكان الحراك محاكاة صادقة أظهر فيها روحه المتجددة مع أجيال متجددة مما جعل المراقب يرتبك ويتلعثم في وصف المشهد المتجدد ووقع في الخطيئة الكبرى فوصفه بالخائن وقد تراجع المراقب والرقيب لأن الشمس لا تُغطى بالغربال. وهي قصة كل عظيم يُظلم بين أهله ليُخلد في غير أهله وفي عالم الخلد. ربما تفككت بعض الألغام وحُلت بعض الألغاز وقد تكون وفاة عمي بورقعة شيفرة كل الألغام والألغاز. ولن يضيع الله أجر المحسنين.

ونحن في هذا الحال لا نرثي شخصا فقط بل نقدم رثاء لوطن تشابكت الأزمات والتحديات في تفاصيله منذ عقود والواجب ليس الإنصاف ورد الاعتبار، بل يجب عدم تكرار الخطيئة في حق الإنسان، خاصة خصوص البشر الذين اصطفاهم الله في لحظة صدق لصناعة التاريخ.

وتنطلق رؤيتي من خلال صناعة ثقافية حضارية تجعل من الإنسان محور الإمكان والشهود لأن تدنيس الإنسان هو تدنيس للكون والطبيعة. فعظماؤنا للأسف وأغلبهم مروا بجسر الشيطنة ومستنقع الأدلجة فخسرنا الأمير القادر في المنفى، وضيعنا مالك بن نبي في العفن والقائمة طويلة. وكدنا نحرق بورقعة في هوامش السياسة والسلطة.

للأسف أردت أن أتكلم عن عمي بورقعة الإنسان، لكن تفاصيل الساسة والسياسة جعلت من جنازته مسرحا للتناقضات والفجوات التي سيتجاوزها الجيل الجديد. من خلال الانتقال من عالم الأشخاص إلى عالم الأفكار. الموت ليس نهاية بل بداية لتخليد الآثار والمآثر فالذي يعيش لنفسه يرى الحياة قصيرة والذي يعيش لفكرة لن يموت وإن دُفن جسمه إنها سنن الله في خلقه.

و أخيرا أقول وحتى لا نكون شركاء وشهداء على اغتيال الثورة والوطن والحراك يجب أن نحول أبوة عمي لخضر إلى فضاء يجمع كل الجزائريين في بيت واحد كبير وعتيق وأنيق وأصيل وجميل وهو الجزائر من خلال مشروع مجتمع العدالة الاجتماعية ورؤية استشرافية تجعل من سي لخضر نتيجة مستقبل وتخطيط له وبذلك يكون الماضي للعبر والسنن.

إن مسؤوليتنا نحو الأجيال القادمة لا تقل أهمية عن واجب التحرير والتغيير فالأمم المتقدمة هي من تؤمن بفلسفة التواصل بين الأجيال والاستثمار فيها، من خلال مجتمع المعرفة والقيم والنظم. فالتاريخ من خلال وقائعه وأحداثه وشخصياته يمكن أن تتحول إلى مواد تعليمية وإعلامية وثقافية في صناعة جيل التواصل والاستشراف. وأي قطيعة بين لآئ الوطن هي قطيعة للعقد كله، والوقت حان لصناعة تاريخ جديد من خلال التحديات والأهداف.

مقالات ذات صلة