الرأي

إزاحة الستار عن المشهد الجيوسياسي المعقد في مالي

تأتي التطورات المتلاحقة التي عصفت بالطغمة العسكرية المالية مؤخرا، لتزيح الستار عن مشهد جيوسياسي معقد، يتجاوز في أبعاده مجرد صراع ميداني مع الجماعات المسلحة: جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير الأزواد، ليصطدم بجدار الهندسة الاستخباراتية العابرة للحدود.

إن ما شهده مربع السلطة في باماكو وعدة مدن في مالي، من خروق أمنية انتهت بتصفية الرجل القوي في النظام ووزير الدفاع الجنرال ساديو كمارا، لا يمكن قراءته بمعزل عن الأيادي الخارجية التي تملك باعا طويلا في إدارة الفوضى وتصميم السيناريوهات البديلة، وعلى رأسها الأيادي المغربية التي يبدو أنها استعادت من أرشيفها الأسود أدوات تصفية رفاق السلاح لضمان بقاء الولاءات.

إن هذا المشهد يعيد إلى الأذهان وبشكل صارخ سلسلة التصفيات أو الانقلابات الكاذبة التي شهدتها المملكة المغربية في العقود الماضية؛ إذ جرى التخلص من الجنرال محمد المدبوح وجماعته في انقلاب السخيرات سنة 1971، ثم الجنرال محمد أوفقير في انقلاب سنة 1972 في الهجوم على طائرة الملك الحسن الثاني عند رجوعه من أوروبا، وصولا إلى الجنرال أحمد الدليمي سنة 1983 عندما تأكد الملك الحسن الثاني بأنه كان يحضِّر له انقلابا عسكريا، وهذا ضمن إستراتيجية “استباق التحول” عبر القضاء على مراكز القوة التي تبدأ في استشعار ضرورة التغيير.

اليوم، يتكرر السيناريو ذاته في مالي بملامح “رقمية” وأخرى “تآمرية”؛ فعندما وصل وزير الدفاع الجنرال كمارا وثلة من رفاقه في الجيش إلى قناعة بأن مراوحة المكان منذ انقلاب 2020 لم تعد تجدي نفعا، طالب الرئيس عاصيمي غويتا بضرورة التنحِّي لفتح أفق جديد للبلاد، هنا تحرَّكت الآلة التي لا تقبل بضياع مكاسبها الجيوسياسية الجديدة.

وبين سراب الأطلسي الموعود وتكنولوجيا المراقبة الصهيونية الدخيلة والتي قدمت للمملكة المغربية، جرى نسج خيوط سيناريو “الاغتيال تحت غطاء الفوضى”، ليجري التخلص من كمارا -رجل روسيا والصقور- بضربة جراحية أمّنت لرئيس العسكر غويتا البقاء الفردي في السلطة، ولو كان الثمن هو تسليم سيادة البلاد لـ”الفوضى الخلاقة” التي تخدم أجندات لا تريد لمالي، ولا للمنطقة، استقرارا حقيقيا خارج دائرة نفوذها.

كما أنه لا يمكن فهم التصدعات العميقة التي ضربت بنية النظام العسكري في مالي من دون النبش في الخلفيات الأكاديمية والمسارات التدريبية لقطبي السلطة: في الجنرال ساديو كمارا والعقيد عاصيمي غويتا، فرغم أن الرجلين يشتركان في خلفية تكوينية أساسية ضمن المدرسة العسكرية الجزائرية -التي تُعدّ الحاضنة التقليدية لتأهيل الكوادر الإفريقية على عقيدة حماية الدولة والسيادة-إلا أن افتراق السُّبل بينهما بدأ من مستوى التحصيل العلمي والتوجه الاستراتيجي، فالجنرال كمارا وهو جنرال قبل التحاقه بالطغمة العسكرية، الذي يُعتبر “العقل الأكاديمي” والمؤطر السابق في المدارس العسكرية، اتجه بكليته نحو موسكو، متبنيا عقيدة عسكرية شرقية صلبة ترى في التحالف مع روسيا ضامنا وحيدا للبقاء بعيدا عن الإملاءات الاستعمارية القديمة.

في المقابل، يبرز عاصمي غويتا وهو برتبة عقيد كشخصية ميدانية تشبعت بتدريبات القوات الخاصة في فرنسا والولايات المتحدة، معوِّلا في بداياته على نيل اعتراف هذه القوى الغربية ودعمها لتثبيت أركان حكمه. غير أن برودة الموقف الغربي تجاهه، وعدم منحه الاعتبار السياسي والعسكري الذي كان يطمح إليه، وضعه في مأزق الوجود. وفي ظل هذا التهميش الغربي، ارتمى غويتا في أحضان المحور المغربي، مدفوعا بوهمٍ سياسي مفاده أن التقارب مع الرباط -باعتبارها حليفا تقليديا لباريس وواشنطن- قد يفتح له أبواب القبول في الغرب من “النافذة الخلفية”، ويوفر له في الوقت ذاته “سيناريوهات الحماية” والأدوات الاستخباراتية اللازمة لتأمين سلطته الشخصية ضد خصومه الأقوياء في الداخل، وعلى رأسهم “أستاذه” الجنرال كمارا الذي بات يرى في مراهنات تلميذه غويتا والذي أصبح برتبة فريق بقدرة قادر، خطرا يهدد كيان الدولة والجيش.

قلت لم يعد ترفيع العقيد عاصيمي غويتا لنفسه إلى رتبة فريق وهي أعلى رتبة في تاريخ العسكرية المالية، مجرد إجراء بروتوكولي، بل بات يُمثل ذروة التناقض بين تضخم الألقاب وانكماش الدولة، فمنذ تقلدَ زمام الأمور في عام 2020، قدم غويتا عهودا قاطعة للشعب المالي وللمجتمع الدولي، تُلخصها ركيزتان أساسيتان: تأمين البلاد من زحف الجماعات المسلحة، وإعادة الأمانة إلى الشعب عبر انتخابات مدنية ديمقراطية في سقف زمني حدده بخمسة سنوات. غير أن مرور أكثر من ست سنوات على تلك الوعود، كشف عن مشهد يغيب فيه الجد والالتزام؛ فبدلا من تسليم السلطة، تمسك غويتا بكرسي الحكم عبر الالتفاف على المواعيد الانتخابية وسلسلة من التأجيلات المنهجية التي تهدف إلى تأبيد سلطة الجناح المناصر للمصالح الضيقة.

واليوم، يجد المواطن المالي نفسه أمام واقع مرير وأكثر قتامة مما كان عليه الوضع قبل 2020؛ فالأمن الذي كان حجر الزاوية في خطاب الانقلابيين تحوَّل إلى حصار يطوِّق العاصمة باماكو نفسها بعد سقوط عدة مدن أهمها “كيدال”، والوضع الاقتصادي بات يرزح تحت وطأة عزلة خانقة وتدهور معيشي غير مسبوق، ناهيك عن الانسداد السياسي الذي حوَّل مالي إلى ساحة لتصفية الحسابات والارتهان لأجندات خارجية مشبوهة. إن هذا التباين الصارخ بين الرتبة العسكرية الرفيعة التي يرتديها غويتا وبين حالة العجز الشامل التي تعيشه البلاد، يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الأولوية لم تكن يوما إنقاذ مالي والشعب المالي، بل كانت ضمان البقاء في السلطة بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب دماء الماليين وسيادة أرضهم.

لقد تحولت السلطة العسكرية في مالي، بقيادة عاصيمي غويتا، من “مشروع إنقاذ” مزعوم في عام 2020 إلى كارثة وجودية حقيقية تهدد كيان الدولة وتمزق نسيج الشعب المالي، فبعد سنوات من الوعود الزائفة بالاستقرار والتحول الديمقراطي، وجدت مالي نفسها اليوم غارقة في مستنقع من الانهيار الأمني والضياع السياسي والاقتصادي، نتيجة ارتماء هذه الطغمة في أحضان محاور إقليمية مشبوهة، وعلى رأسها المملكة المغربية. هذا الارتماء لم يكن نابعا من رؤية إستراتيجية لمصلحة باماكو، بل كان هروبا من نظام غويتا نحو طرف يعيش هو الآخر حالة من العزلة الدبلوماسية الخانقة داخل الفضاء الإفريقي والمحيط المغاربي، ويبحث عن أي موطئ قدم لترميم شرعيته المهتزة.

إن المتتبع للشأن الإقليمي يدرك يقينا أن انخراط المغرب في المشهد المالي لا يحمل أي نيّات إنسانية أو تنموية تجاه الشعب المالي المكلوم، ولا يهدف حتى لانتشال “الرئيس المريض” ونظامه المترنح من أزماتهما المتراكمة؛ بل إن الهدف الأوحد والمحرك الأساسي لهذه التحركات هو اتخاذ مالي منصةً خلفية للتشويش على الدور الريادي للجزائر في المنطقة، فسحبُ اعتراف مالي بالصحراء الغربية، بعد أن كانت من بين الدول التي اعترفت بالجمهورية العربية الصحراوية. قلت سحب الاعتراف دليلٌ إضافي على أن غويتا يعاني من الداخل وخاصة من طرف رفاقه في الطغمة العسكرية، الشيء الذي دفعه للبحث عن مساندة من المملكة المغربية والتي تعاني بدورها، فهي محاولة يائسة لضرب الاستقرار الذي تسعى الجزائر إلى ترسيخه عبر “اتفاق السلم والمصالحة” أو ما يعرف باتفاق الجزائر عام 2015، واستبداله بسياسة المحاور التي لا تُنتج سوى الفوضى الخلاقة. وهكذا، تدفع الدولة المالية اليوم ثمن “مقامرة” عسكرية، جعلت من مصير ملايين الماليين مجرد ورقة في لعبة تشويش إقليمية تقودها المملكة المغربية والتي قال عنها المفكِّر المغربي محمد العروي بأنها جزيرة معزولة ومطوَّقة من جميع النواحي، نعم، هي نظامٌ معزول ضد الجارة الجزائر التي تمثل صمام أمان منطقة شمال إفريقيا والبحر المتوسط والقارة الإفريقية. وكيف لا والجزائر اليوم تفوز برئاسة البرلمان الإفريقي؟

بين سراب الأطلسي الموعود وتكنولوجيا المراقبة الصهيونية الدخيلة والتي قدمت للمملكة المغربية، جرى نسج خيوط سيناريو “الاغتيال تحت غطاء الفوضى”، ليجري التخلص من كمارا -رجل روسيا والصقور- بضربة جراحية أمّنت لرئيس العسكر غويتا البقاء الفردي في السلطة، ولو كان الثمن هو تسليم سيادة البلاد لـ”الفوضى الخلاقة” التي تخدم أجندات لا تريد لمالي، ولا للمنطقة، استقرارا حقيقيا خارج دائرة نفوذها.

مقالات ذات صلة