الشروق تستطلع آراء سياسيين وخبراء عسكريين في القضية
إسرائيل تخطط لإقامة أربعة جدران عازلة على حدودها
جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية
بعد إنشاء جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية والشروع في بناء الجدار الأمني على الحدود مع مصر، كشفت عدة جهات سياسية وعسكرية وأمنية في دولة الاحتلال الإسرائيلي عن نية تل أبيب الشروع في إقامة جدار مماثل على الحدود مع الأردن، وآخر على الحدود السورية في منطقة هضبة الجولان، وأخيرا جدار خامس على الحدود اللبنانية يبدأ من منطقة المطلة إلى قرية كفر كلا اللبنانية، حيث تعتبر منطقة توتر ساخنة بين حزب الله وجيش الاحتلال الإسرائيلي.
- الجدران التي تبنيها إسرائيل أو تنوي بناءها عبارة عن كتل إسمنتية ضخمة لا يقل طولها عن 5 أمتار وتصل إلى 13 مترا في ارتفاعها، بينما تمتد لمئات الكيلومترات، كما الحال في الحدود المصرية، ويوجد في كل مسافة قصيرة برج مراقبة عسكري مزود بأجهزة الرؤية الحديثة والأسلحة الرشاشة، فضلا عن طريق محاذي لتحرك الآليات العسكرية والقيام بعمليات مراقبة وتمشيط ومسح أمني يومي.
“الشروق اليومي” استطلعت آراء سياسيين وخبراء عسكريين ومختصين في القانون الدولي للتعرف على أبعاد وأهداف إحاطة دولة الاحتلال نفسها بهذه الجدران الإسمنتية المكلفة ماديا، والتي تعني عزل إسرائيل نفسها عن الجغرافيا المحيطة بها، خصوصا وأن هذه القرارات والمشاريع جاءت بعد الثورات العربية، وما يطلق عليه بحسب العديد من القادة الإسرائيليين »الشتاء الإسلامي«، في إشارة إلى فوز التيار الإسلامي العديد من الدول العربية.
أول الجدران التي أقامتها إسرائيل كانت مع الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس، رغم صدور قرار من محكمة العدل الدولية ببطلانه، وفي هذا السياقو قال ماهر غنيمو وزير الدولة لشؤون الجدار في السلطة الفلسطينيةو أن حكومة الاحتلال الإسرائيلي تزعم أنها تبني الجدار لدوافع أمنية، لكن في الحقيقة أن أكثر 85٪ من الجدار بُني في الأرض الفلسطينية وحينما ينتهي هذا الجدار سيلتهم ما نحو.
(10.2٪) من مساحة الضفة الغربية.
وشرح غنيم أن الجدار فصل بين المزارع وأرضه، وعزل الطلاب عن مدارسهم والمرضى عن المستشفيات وقطع الطرقات وزادت المسافات بين المواطنين الفلسطينيين في التجمعات التي تأثرت بالجدار ومراكز الخدمات الأساسية.
واعتبر أن الهدف من الجدار هو ضم مزيد من الأراضي الفلسطينية، وخلق ظروف صعبة للسكان بدافع ترك الأرض وتسهيل الاستيلاء عليها وإقامة المشاريع الإسرائيلية الاستيطانية.
وأكد الوزير الفلسطيني، أن إسرائيل مازالت تتعامل بعقلية الماضي وأن الجدار الذي بني بحجج أمنية الهدف الأساسي العمل على ترسيخ فصل عنصري وفرض وقائع استيطانية على الأرض الفلسطينية للحيلولة دون إقامة الدولة الفلسطينية.
الجدران تتعارض مع القانون الدولي
وفي شق القانون الدولي، أكد الدكتور السيد أبو الخير الخبير المصري في القانون الدولي أن »الجدران التي يقيمها الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة ليست قانونية«، ولم تنص عليها في أي اتفاقية دولية أو قرار دولي من أي المنظمات الدولية العالمية وعلى رأسها الأمم المتحدة وكافة مواثيق أو قرارات المنظمات الدولية الإقليمية، فضلا عن أن هذا التصرف غير القانوني »يخالف المستقر والمتبع في العلاقات الدولية«.
وأضاف الخبير في القانون الدولي »لقد عودنا هذا الكيان غير الشرعي على تصرفات غاية في الغرابة ودائما يتصرف كمن يعيش وحده في المجتمع الدولي«، وتدل إقامة هذه الجدران دلالة واضحة »على شعور هذا الكيان المصطنع بأنه غير شرعي وأن وجوده بات محل شك كبير«، كما أن الحديث عن عدم مشروعية وجوده في فلسطين المحتلة أصبح عالي الصوت حتى داخل هذا الكيان، بالإضافة إلى قوته في المجتمعات الأمريكية والأوربية، لأن وجوده أصبح مكلفا للغرب الذي يعانى الآن أزمة اقتصادية مزمنة وباتت دول كبرى قريبة جدا من حافة الإفلاس.
وأوضح الخبير القانوني أن بناء الجدر والعوازل الاصطناعية يتناقض مع حقوق الإنسان في الاتصال والعيش مع الشعوب الأخرى، وعمل ضد المسار الطبيعي في العلاقات الدولية، ومخالف للقواعد العامة في القانون الدولي وقانون العلاقات الدبلوماسية والقنصلية.
واعتبر الخبير المصري أن ما حدث من بناء الجدران هو تعسف في استعمال الحق، ولا يمكن تبريه لأنه لن يحمي إسرائيل مع تطور الحروب الحديثة والأسلحة المتقدمة التي يتم توجيهها عبر الجو. وختم أبو الخير حديثه بأن فكرة العزل الذاتي وبناء الجدران ليست فكرة غريبة في تاريخ اليهود والشخصية اليهودية.
خبراء أمنيون: لا يمكن للجدران أن توفر الأمن للإسرائيليين
وفي الجانب العسكري والأمني، اعتبر الخبير والمحلل العسكري، اللواء الفلسطيني المتقاعد، واصف عريقات، أن بناء الجدران يضرب التعايش ويقضم الأرض ويعتبر عدوانا جديدا، لأنه يبتلع الكثير من الأراضي العربية، مع العلم أن إسرائيل تدرك أن الجدران لا تحمي ولا تقدم لها أي شي من الأمن، خاصة وأن بناءها يتزامن مع حديث قادة الاحتلال المتكرر عن احتمال سقوط آلاف الصواريخ على تل أبيب.
وتساءل عريقات: «لماذا هذه الجدران؟ التي لا توفر الأمن للإسرائيليين في زمن التقنيات الحديثة والمقذوفات الحربية وخاصة الصواريخ الباليستية.»
وتابع: «حتى البشر يستطيعوا تجاوز هذه الجدران، مؤكدا أن ما يمنع عبور الحدود ليست الجدران وإنما القرارات، سواء كانت قرارات سياسية أو نضالية، فحينما تؤخذ القرارات أعتقد أن هذه الجدران لن تكون حائلا أمام أي تحرك صوب هذه الحدود».
وعن أهداف بناء إسرائيل الجدران، أجاب اللواء المتقاعد: «قضم الأرض والعقاب من خلال حصار الشعب الفلسطيني، وتخدير الجبهة الداخلية الإسرائيلية على أساس أنها للحماية، ولكن في حقيقة الأمر الكل يدرك أن هذه الجدران لا قيمة لها من الناحية الأمنية«.
وأكد عريقات أن إسرائيل ستبقى تعزل نفسها وتعتدي على الأراضي العربية دون رادع حتى يتغير ميزان القوى، كون إسرائيل تملك القوة والدعم الأمريكي اللامحدود والدعم الغربي.
وأوضح الخبير العسكري أن حكومة الاحتلال تتصرف بقانون شريعة الغاب لا رقيب عليها ومحاسب لها، رغم أن الكثير من الباحثين العسكريين في العالم توصلوا إلى قناعة بعدم جدوى العمل العسكري، وعدم جدوى بناء الجدران، في توفير الأمن والاستقرار، لكن القيادة الإسرائيلية اليمينية تحاول قدر الإمكان كسب الصوت الإسرائيلي المتطرف ليس إلا.
وعن فرصة اعتراض الدول العربية التي بني الجدار على حدودها، رد عريقات: »لو اعترضت ستدير إسرائيل ظهرها لها، لأنها لا تأبه للعلاقات الودية لا مع العرب ولا مع الفلسطينيين، فإسرائيل دائما تبحث عن مصالحها تحت عنوان الأمن، رغم أن الأمن لا يأتي ببناء الجدران ولا بالمعدات العسكرية ولا بالقتل والعقاب الجماعي، وما يحقق الأمن الإسرائيلي يتم عبر تعايش إسرائيل مع دول المنطقة وإقرارها بالحق الفلسطيني، وزوال الاحتلال.
إذن .. دولة الاحتلال الأخيرة في العالم أقامت وترغب في بناء عدة جدران في كل الاتجاهات، في وسطها مع الشعب الفلسطيني المحتل، وجنوبها مع مصر، وفي الشرق مع الأردن، وشمالا مع لبنان وسوريا، ولم يبقى لها إلا الجهة الغربية، حيث البحر الأبيض المتوسط، فهل تعود عبره كما جاءت أوائل أفواج المهاجرين اليهود من شتى أنحاء العالم، أم ستغرق في البحر أو الحروب.
أم تخشى إسرائيل عودة اللاجئين الفلسطينيين في الدول المحيطة سيرا على الأقدام لقراهم ومدنهم، كما حدث في ذكرى النكبة والنكسة العام الماضي، عندما تدفق آلاف الفلسطينيين نحو حدود وطنهم المحتل، خصوصا من جهة سوريا ولبنان، مما أدى إلى استشهاد العشرات منهم برصاص الجيش الاسرائيلي… وفي النهاية لا يدوم احتلال.