الرأي

إسرائيل “تُنجِز” لكنّ أعمدة أمنها الاستراتيجي تنهار

بلال اللقيس
  • 88
  • 0

في العلوم الإنسانية كما التطبيقية، نحتاج دائما إلى منظور أو إطار مرجعي لتفسير الأحداث واستشرافها، فجسمٌ معين هو ثابت بالنسبة لمرجعية معينة ومتحرك بالنسبة لأخرى، أو هو يسير إلى الأمام بالنسبة لمنظومة وإلى الخلف بالنسبة لأخرى.

تكمن أهمية رجل السياسة في قدرته على تشخيص أي الأطر المرجعية أو المنظورات هي الأكثر قدرة على التفسير والتوقع، لكي يقيّم ويحدد مسار أي ظاهرة صعودا أم هبوطا، تقدما أم تراجعا.

قام أمن إسرائيل الاستراتيجي منذ التأسيس على ركيزتين اثنتين: ركيزة الخارج، وبالخصوص أميركا، وركيزة الداخل، ومن نافلة القول إن كلًّا من هاتين الركيزتين تؤثر في الأخرى وتصب فيها سلبا أو إيجابا.

أمّن الغرب، لاسيما الأميركي، لإسرائيل دعما تاريخيا يصعب تفسيره بمنطق المصالح والعقلانية دون الأيديولوجيا، فرضها قسرا ككيان ثم “دولة” من خلال هيمنته على المؤسسات الدولية وعلى أغلب الأنظمة العربية، ومدّها بالدعم العسكري وصولا للسلاح النووي، وخصّها بدعم اقتصادي وتسهيلات خاصة، لكن بقي الدعم السياسي والاستراتيجي أهم ما أمّنه الغرب لإسرائيل.

أتاحت الهيمنة الأميركية وإرادتها الحاسمة في صناعة وتعريف المجالات الأمنية والاقتصادية والسياسية في المنطقة، أتاحت لها دور ناظم الإقليم وضابط إيقاعه وشرطيّه، وأوكله مسؤولية إجهاض أي إرادة مناهضة للكيان وفتح متنفسات وخطوط فك عزلة بما يدعمه على الاستمرار والتمدد. وينسحب أمر الإرادة الأميركية إلى البيئة الدولية، إذ أدت دورا حاسما في ضمان أمن إسرائيل وحمايتها دوليا.

إلا أنه في السنوات القليلة الماضية حصلت أمور عديدة لم تكن متوقعة، وشكّل كل منها “سابقة”.

ترك هجوم 7 أكتوبر 2023 أسئلة في صميم الأمن الإسرائيلي من دون إجابات واضحة عليها حتى الساعة.

فشلت ثلاث محاولات أميركية لإسقاط إيران، وانتقلت إيران إلى أحد اللاعبين الكبار.

عجزت أحدث نظريات الحروب القائمة على الذكاء الاصطناعي والحروب المنفلتة من كل قيد وقانون، عن الحسم في أي ساحة بعد 3 أعوام.

ظهرت القوة كمفهوم زئبقي يحتاج إلى إعادة فهم وتنظير، إذ تجاوز تفاعل وتداخل الأبعاد إلى بروز أبعاد لم تكن متوقعة ولا منظورة.

رغم الانخراط الأميركي الإسرائيلي المتزامن في الحرب على جبهة المقاومة وفي كل ساحاتها في توقيت متصل وواحد، أي رغم انخراط أقوى قوة دولية وأقوى قوة إقليمية بشكل متزامن، لم يحققا أهدافهما بعد ثلاثة أعوام، بل ربما تسير الأمور باتجاه معاكس لإرادتهما.

لم تستطع أميركا أن تعالج أي ملف سعت لمعالجته، وبقيت الملفات مفتوحة في الأمن والاقتصاد والتجارة والبحار وغيره.

لم تكن هذه المتغيرات وليدة لحظتها، إنما كانت سيرورة نهض بها الفعل المقاوم وساعد عليها أداء الطرف الأميركي الصهيوني السياسي والاستراتيجي.

إن انتقال الولايات المتحدة الأميركية إلى سياسة معلنة رسمية تدعم تعديل الجغرافيا بتوسعة الكيان وضع البيئة الدولية، حتى الغربية، في تحدٍّ، فهذا أهم مسوغ لبوتين في قبالة القارة العجوز، ومثّل انقلابا كامل الأوصاف على بنية النظام الدولي وقيمه وقاعدته الأولى، أي الدولة. كما كان لتشجيع، بل لتبني الإدارتين الأميركيتين لكل من بايدن وترامب لنتنياهو دورٌ كبير في نزوع الكيان إلى أقصى التطرف، فانتهت إسرائيل “الذكية والديمقراطية”، وصرنا أمام كيان مليء بالتضاريس الحادة، كيان صلف صِدامي بالغ التطرف يشعر بعدم حاجته لأحد لأن الدعم الأميركي المطلق مضمون، ووصلت به العجرفة والوقاحة إلى درجة أن بدأ يهين القارة العجوز، أي صاحب الفضل عليه في وجوده، وتحول من رؤية أمنية تقوم على الردع إلى رؤية تقوم على المنع.

عواصم عربية تهتز بعد عقود من افتراضات بالحماية والأمن والتزامات الغرب حيالهم وأميركا بالذات.

صمود أسطوري للشعوب والتفاف على هويتها، وهذا لم يكن متوقعا في تقديرات الغرب وإداراته بأي شكل.

بداية مسار إعادة نظر دول عديدة في مصالحها الفعلية أو إعادة تعريف مصالحها بعد تزايد الضغوط عليها، وكان من نتائج ذلك أن اتجه بعضها لاختيار نموذج التحوط الاستراتيجي والبحث في مساحات تفاعل جديدة.

ولادة وحدة الساحات كمتغير أنتجته حاجات الواقع ومبرراته، حتى صار بمثابة نقطة ارتكاز أمني يُبنى عليها لمستقبل المنطقة.

سقوط نظرية صدام الحضارات بين الغرب والمسلمين، فشعوبنا كما شعوب الغرب أدركت أن حلف الأنظمة أو ذاك التحالف الهيمني هو شبكة متعددة الأشكال، وتعدّ الأنظمة المستبدة في واقعنا العربي أو الأنظمة الديمقراطية المخادعة في الغرب أذرعا لها.

انتهت إلى غير رجعة إمكانية عودة الصراع داخل الحضارة الإسلامية، وأعيد الفرز بطريقة واضحة وشفافة.

القوة مهما تعاظمت بدت أنها عاجزة عن التحول إلى مكاسب إستراتيجية، وأميركا لم تعد قادرة على أن تربح إسرائيل والبترودولار في آن، وكذلك أوروبا، فلأول مرة يقع التزاحم الحاد وبهذا المستوى.

وأنظمة البترودولار لم تعد قادرة على أن تجمع بين أميركا وفلسطين في آن. صارت مضطرة إلى أن تختار. والأنظمة الغربية لم تعد قادرة على الاستمرار بالتسويف، فمظلومية فلسطين هزّت شوارعها وفجّرت أسئلة عميقة عند شعوبها حول سياساتها الاستعمارية ومفارقة ديمقراطيتها وتبخُّر الوعود.

إسرائيل “تنجز” في حسابات المنظور العملياتي أو النظام الأول، لكن كل شيء من حولها يتغير وفق المنظورين الثاني والثالث؛ بالإستراتيجيا هي تتراجع، وبقياس المكانة وحاجة العالم إليها تتراجع تراجعا حادا أيضا، وكذلك ببُعد الرعاية الخارجية المفتوحة، فنظام الهيمنة العالمي الذي تمثل هي امتداده في منطقتنا، هذا النظام يتداعى.

هي خاضت حربها الأطول والأصعب في تاريخها لتوسّع خياراتها ولتؤكد حاجة الشعوب والدول في المنطقة والعالم إليها، وإذا بها تضيّق خياراتها بل تعدمها بعد ثلاثة أعوام، وهذا ما يمكن أن يُستشف من خطاب نتنياهو في قاعة الأمم المتحدة الأخير، وهو توصيفٌ دقيق أن الصهيونية في مأزق، وأنه لا طريق ولا خيار أمامها إلا بتحقيق انتصار،ولكنها ليست قادرة على الحسم.

في الماضي، نظرت أميركا وقوى الهيمنة إلى إسرائيل كسياسة من سياساتها فنجحوا، لكن يبدو أنهم أخطأوا خطأ فادحا عندما ذهبوا لمقاربتها ككيان نهائي جامد، أي كدولة؛ أي نجحوا عندما نظروا إليها كوظيفة فقط. كانوا أقدر على المناورة والمرونة وتقليب السياسات بما يمد الكيان بأسباب الاستمرار وبما يفيد مصالحهم، كانوا يرون في أنه بتحقيق مصلحتهم تتحقق مصلحة إسرائيل، كما يذكر بريجنسكي، ولكن الذي حدث مؤخرا كان العكس، فصارت إسرائيل هذه تهديدا لمصالحهم وقدرتهم على المناورة، فبدأوا يتمايزون عنها تباعا.

يحتم ذلك أن تعتمد إسرائيل على نفسها أكثر من اعتمادها على العامل الخارجي، وهو ما بدأ يتكرر في الخطاب أكثر مما مضى بكثير. بدأ الصهاينة يلمسون أن عمود الخارج يتآكل. لكن الاعتماد على الذات يتطلب مشروعية قوية داخليا وتماسكا، ويتطلب بيئة آمنة نسبيا للإعداد والبناء، ويتطلب ثقة مجتمع بقيادته، ويتطلب جاهزية نفسية لحرب مائة عام واستمرار التوتر والقلق نتيجة تصادم دائم مع المحيط والعالم. لكن لا يبدو أن أيا منها يتوافر.

لذلك يمكن اعتبار عام 2027، عام تحديد مستقبل الكيان الصهيوني بكل ما للكلمة من معنى، فهو الذي يحمل الاتجاه الاستراتيجي لمستقبله. عمود أمنه الذاتي صار أكبر تحدٍّ له وصار معيقا ذاتيا، لاسيما بعدما فقد سردية الضحية ونموذج “الديمقراطية”، ولو شكلا، والمرونة والتكيف وتنعيم التضاريس الحادة مع العالم، ووضع نفسه في صراع مرهِق مع الجميع (خطاب نتنياهو يؤكد على انفعال وقلق، إذ قال إن اليهود في مواجهة الجميع في العالم)، ولا قدرة على إنجازه بلا دعم مطلق من الخارج الذي بدوره تآكل نفوذه وهيبته ويتراجع بحدة. إسرائيل خسرت طريق التفاوض المسمى “السلام” عندما قُدّم لها من ذهب، ولا نراها كسبت طريق الحرب بعد تصدي جبهة المقاومة بقيادة إيران لأكبر جولة في التاريخ معها.

في الختام، يهمنا أن نذكر أن الهيمنة الأميركية يمكن أن تتراجع وتعود أميركا إلى قارتها كإحدى القوى الكبرى، أما إسرائيل فإن تصدع أي من ركيزتي أمنها يعني نهاية مشروعها وانهياره التام.

يحتم ذلك أن تعتمد إسرائيل على نفسها أكثر من اعتمادها على العامل الخارجي، وهو ما بدأ يتكرر في الخطاب أكثر مما مضى بكثير. بدأ الصهاينة يلمسون أن عمود الخارج يتآكل. لكن الاعتماد على الذات يتطلب مشروعية قوية داخليا وتماسكا، ويتطلب بيئة آمنة نسبيا للإعداد والبناء، ويتطلب ثقة مجتمع بقيادته، ويتطلب جاهزية نفسية لحرب مائة عام واستمرار التوتر والقلق نتيجة تصادم دائم مع المحيط والعالم. لكن لا يبدو أن أيا منها يتوافر.

مقالات ذات صلة