العالم
الكاتب والمحلل السياسي اللبناني بلال اللقيس لـ"الشروق":

“إسرائيل مقيدة وتحاول توسيع هامشها في لبنان”

يواصل الاحتلال الإسرائيلي خرق اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان، في وقت تبقى فيه الإدارة الأمريكية بعيدة عن ممارسة أي ضغط فعلي لوقف هذه الانتهاكات، بينما تحافظ المقاومة اللبنانية على مستوى من ضبط النفس والجاهزية في انتظار ما ستؤول إليه التطورات الإقليمية والانتخابات الإسرائيلية. وبين الخروقات المتواصلة والتحركات الاستخباراتية التي تشمل مختلف المناطق اللبنانية، تبدو المرحلة محكومة بتوازن دقيق يمنع الذهاب إلى مواجهة مفتوحة، من دون أن ينهي أسباب التصعيد.

وفي هذا الحوار مع “الشروق”، يقرأ الكاتب والمحلل السياسي اللبناني بلال اللقيس خلفيات السلوك الإسرائيلي وأسباب استمرار الخروقات رغم اتفاق وقف إطلاق النار، وموقع الإدارة الأمريكية من التطورات، كما يتوقف عند حسابات حزب الله وحدود التزامه بالاتفاق، والفوارق بين المشهدين اللبناني والغزي، وطبيعة التحولات التي تفرضها موازين القوى في المنطقة.

رغم اتفاق وقف إطلاق بين لبنان والاحتلال، تواصل هذه الأخيرة خرقه، لماذا؟

إسرائيل لا تفقه لغة الاتفاقات ولا التعهدات ولا القوانين، ولا تؤمن بذلك البتة، والتاريخ كله كافٍ لتأكيد ذلك، رغم كل ما تنازل به العرب لها، والآن التزامها أسوأ مما مضى بكثير بسبب انزياح مجتمعها إلى يمين اليمين والتطرف والمزايدة في الإجرام والعدوانية تجاه كل شيء. مضافًا إليه، أنّ أميركا تتبنى اليوم توسعة، وليس فقط حماية وجودها، بل أمن توسعها. ترامب قال إن إسرائيل دولة صغيرة وتحتاج أن تتوسع، وحتى الآن دعم بكل قوة وبشكل مفتوح ودونما أسقف خطوات توسع إسرائيل في غزة وفي سوريا، التي لم تقاوم أصلًا، وربما رضيت بنقاش مسألة الجولان وقدمت كل ما يلزم من جهتها، كما ذكر الرئيس السوري أحمد الشرع في حواراته الأخيرة.

وهذا المنطق الصهيوني ينسحب على لبنان مع إضافات. فهي ترى أنها لا تزال تفصلها حواجز فعلية ومسافة كبيرة جدًا عن هدفها بالقضاء على المقاومة، وأن انتظاراتها من جهات لمساعدتها على ذلك تتبدد لأسباب مختلفة (السلطة في لبنان عجزت عن ذلك، وسوريا لم تسر في هذا الطلب حتى الساعة لأسباب معلومة). بقيت هي بين جموحها للتوسع وطموحها للقضاء على حزب الله والمقاومة ورغبة نتنياهو بإنجاز انتخابي يرفعه أمام منافسه، وبين مطرقة أن تتوسع بقوة واحتمال انفجار الإقليم إثر تجاوزها للأسقف التي نتجت عن الحرب الإيرانية الأمريكية في لبنان، لذلك تختار حكومة نتنياهو أسلوبًا نفسيًا يقوم على الهدم والقضم التدريجي أكثر منه على تحقيق إنجازات معتد بها ميدانيًا، ففي ذلك محاكاة لانتخاباتها في الداخل الإسرائيلي، وربما محاولات للتملص من أسقف التوازنات الإقليمية من جهة، ولا ننكر أنها تخشى أن دفع الأمور بأداء عسكري مختلف سيؤدي إلى تهديد سكان الشمال، القاعدة الانتخابية لنتنياهو، وصولًا لحيفا وربما ما بعدها من المقاومة، وهو ما تحذره خصوصًا في الظروف الانتخابية الحالية، بالعموم هي مقيدة وتحاول الخروج من القيد ولو بهوامش معينة، وبالآن نفسه حذرة.

أين هي الإدارة الأمريكية مما يحصل على اعتبار أنها الوسيط؟

لا تخجل الإدارة الأمريكية أن تعلن انحيازها المطلق لإسرائيل، ولم تمارس ولو ضغطًا بسيطًا عليها، حتى بخصوص مسار السلطة التي سلمت كل شيء لإسرائيل وسارت بين المقاومة وإسرائيل واعتبرتهما طرفي صراع واتخذت قرارات غير مسبوقة بحق المقاومة، فاتفاق الإطار تجاوز بمضامينه اتفاقية 17 أيار لعام 83، رغم كل الذي قدمته السلطة من تنازلات لم يعد هناك ما تقدمه، فإن أميركا لم “تمون” على إسرائيل ولو بتنفيذ ما رعته في قرية صغيرة من قرى الجنوب.

أين تتجه الأمور نتيجة لاستمرار الخروقات الإسرائيلية؟

لا تزال الخروقات مقيدة بالميزان العام للمنطقة، ويعمل الإسرائيلي ليصنع هامشًا أوسع له في توافق ضمني مع الأمريكي وربما مع السلطة اللبنانية (تحدثت الصحافة الأجنبية عن ملحق أمني سري باتفاق الإطار، ولم تنفِ السلطة اللبنانية ذلك ولم توضح رغم كل المطالبات)، وأهم من الخروقات في الجنوب، فيمكن اعتبار جمع المعلومات هي المسألة الأهم عند الإسرائيلي اليوم، تحضيرًا للحظة مناسبة، ولذلك لا تغادر طائراته ولا مسيّراته سماء لبنان من أقصاه إلى أقصاه، لاسيما في الجنوب وبيروت والبقاع.

ما مدى استمرار “حزب الله” في الالتزام؟

من جهة المقاومة، أظن أنها ستمارس ضبط النفس حتى انقضاء المهلة الانتخابية في إسرائيل، إلا إذا تجاوز الميزان الحالي وقواعده… لذلك الترقب والحذر والجاهزية والتهيؤ وبناء القدرة هي سيدة الموقف الآن.

هل ما يفعله الاحتلال في غزة مشابه لما يفعله في لبنان، ولم؟

العقلية نفسها والرغبة نفسها، لكن الظروف مختلفة كثيرًا. فالمقاومة في لبنان لا تزال قادرة على الأذى وإيلام العدو، وتعمل بعقلية باردة من جهة، وأيضًا صارت مثقالًا من مثاقيل موازين القوى والمعاداة الإقليمية-الدولية المعقدة والمتشابكة، ناهيك أن المقاومة في لبنان تمتلك مساحة واسعة من قدرة التأثير والفعل السياسي باعتبارها الجهة الأكثر قدرة ومشروعية في لبنان مقارنة بجميع من سواها، ولا تزال تشكل معضلة واستعصاءً لإسرائيل واللاعب الأول في لبنان بكل الاعتبارات، أما علاقتها بسوريا الجديدة التي نظر إليها البعض كأحد أخطر التهديدات على المقاومة، فلم تذهب الأمور هذا المذهب رغم المحاولات الأمريكية حتى اللحظة (ولا تزال المحاولات مستمرة)، فحافظت على خطاب وحدوي يراعي مصالح سوريا ووحدتها واستقرارها.

مقالات ذات صلة