الرأي

إسرائيل وإيران والولايات المتحدة: توازنٌ مضطرب

بقلم: لعلى بشطولة
  • 488
  • 0

على مدى ما يقارب عقدين من الزمن، خاضت إسرائيل وإيران حربًا غير معلنة، ظلّت تدور في الظل، خارج أضواء الإعلام وأروقة الدبلوماسية. كانت حربًا صامتة ولكن فعّالة: هجمات سيبرانية تستهدف أجهزة الطرد المركزي الإيرانية، اغتيالات لعلماء نوويين في طهران، تفجيرات غامضة في منشآت نطنز، وغارات جوية «مجهولة الهوية» في سوريا والعراق.

هذا النمط من المواجهة سمح للطرفين باختبار الخطوط الحُمر من دون تجاوزها. غير أنّ هذه المعادلة انهارت في أبريل 2024، حين أطلقت إيران أكثر من 200 طائرة مسيّرة وصاروخًا نحو إسرائيل في هجوم مباشر وعلني هو الأول من نوعه. وقد تصدّت الدفاعات الإسرائيلية بمساعدة غربية لمعظم المقذوفات، لكن الرسالة كانت أوضح من الصواريخ نفسها: الحرب خرجت من الظل وأصبحت مواجهة إستراتيجية مكشوفة.

يونيو 2025: عبور العتبة

في يونيو 2025، تم تجاوز عتبة جديدة؛ فبعد سلسلة اغتيالات وضربات نوعية في سوريا ولبنان، نفّذت إسرائيل هجومًا على عدة منشآت نووية إيرانية. وقامت طهران برد محدود، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة بشكل مباشر للمرة الأولى منذ بداية الصراع.

في سابقة إستراتيجية، شنّت القوات الأمريكية ضربات على ثلاثة مواقع نووية رئيسية: فوردو، وأصفهان، ونطنز، بالتنسيق مع تل أبيب. الرئيس دونالد ترامب أعلن أن هذه المواقع «دُمّرت بالكامل»، لكن صور الأقمار الإصطناعية وتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أظهرت أنّ الأضرار كبيرة، لكنها لم تكن حاسمة. ما تضرّر فعليًّا ليس فقط الإسمنت والحديد، بل التوازن غير المعلن الذي كان يحكم الصراع.

العقدة النووية بين الغموض واللاعودة

يقع البرنامج النووي الإيراني في صميم المواجهة؛ فمنذ انسحاب واشنطن من اتفاق فيينا عام 2018، رفعت طهران تدريجيًّا نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 60%. وتشير التقديرات العلمية إلى أن نحو 40 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصَّب بهذا المستوى تكفي لصناعة سلاح نووي بدائي خلال أسابيع قليلة.

الضربات الإسرائيلية– الأمريكية في يونيو عطّلت جزءًا من البنية التحتية، لكنها لم تمسّ المعرفة التقنية ولا القدرة على إعادة التشغيل. الوكالة الدولية للطاقة الذرية تطالب بحق الدخول الكامل إلى المواقع المتضرّرة، فيما تمارس طهران سياسة المماطلة الانتقائية. في هذه اللعبة الدقيقة، كل تفتيش أصبح فعلًا سياسيًّا، وكل تأخير رسالة إستراتيجية.

من الوسيط إلى الطرف المباشر

تحت إدارة ترامب، لم تعد الولايات المتحدة مجرّد وسيط أو داعم من الخلف، بل أصبحت طرفًا مباشرًا في المعادلة:

عسكريًا، نفّذت واشنطن ضربات مباشرة على الأراضي الإيرانية، وهو تحوّل نوعي.

استراتيجيًّا، أصدر ترامب في 1 أكتوبر 2025 مرسومًا رئاسيًّا يضمن الحماية العسكرية لقطر، ما رسّخ موقع الولايات المتحدة كضامن أمني إقليمي.

دبلوماسيًّا، أطلق ترامب خطة سلام من 20 بندًا تخص غزة والمنطقة، تتضمن نزعًا تدريجيًّا لسلاح حماس ووضع غزة تحت إدارة دولية بدعم أمريكي وأممي، مع إعادة تشكيل المعادلة الأمنية الإقليمية.

ماديًّا، قدّمت واشنطن لإسرائيل منذ أكتوبر 2023 دعمًا عسكريًّا بقيمة تفوق 21.7 مليار دولار.

بهذه الخطوات، جمعت إدارة ترامب بين القوة العسكرية والهندسة الدبلوماسية، ساعية إلى فرض «سلام بالقوة» يعيد ترتيب الشرق الأوسط وفق رؤية أمريكية صلبة.

إيران: الضغط في الداخل والردع في الخارج

في مواجهة هذا الضغط المركّب، تبنّت إيران إستراتيجية مزدوجة:

داخليًّا، شدّدت قبضتها الأمنية؛ ففي 4 أكتوبر 2025، أعدمت السلطات 6 أشخاص في خوزستان بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، في رسالة واضحة للداخل والخارج.

خارجيًّا، اعتمدت على شبكتها الإقليمية: حزب الله في لبنان، الميليشيات في العراق وسوريا، والحوثيون في البحر الأحمر. هذه الشبكة تعمل كمنظومة ردع غير متماثلة تهدف إلى جعل أي ضربة واسعة ضد إيران مكلفة ومتعددة الجبهات.

دبلوماسيًّا، تمارس طهران لعبة الغموض البنّاء، منفتحة على مفاوضات غير مباشرة عبر قطر، ولكن من دون تقديم تنازلات جوهرية في ملف التخصيب.

ثلاثة سيناريوهات ممكنة في المستقبل

1 – استنزاف طويل الأمد (السيناريو المركزي)

يبقى وقف إطلاق النار المعلن في 24 يونيو 2025 هشًّا لكنه قائم، مع استمرار الاشتباكات المحدودة شمال إسرائيل، وتصاعد الحرب الاقتصادية غير المباشرة عبر البحر الأحمر، وبطء المفاوضات النووية.

2 – صعيد مضبوط (السيناريو المرجّح جزئيًّا)

قد يؤدي اغتيال أو هجوم نوعي إلى رد متبادل محدود، يعقبه عودة إلى حالة التوتر المنضبط. إنه صراع «مؤطّر» داخل قواعد غير مكتوبة.

3 – انفجار إقليمي واسع (السيناريو الأخطر)

انهيار الهدنة، ودخول حزب الله في حرب مفتوحة، وإطلاق إيران لصواريخ مباشرة، وإغلاق الحوثيين للممرات البحرية، وتدخل أمريكي واسع النطاق. هذا السيناريو أقل احتمالًا، لكنه سيكون ذا آثار مدمّرة.

توازنٌ على حافة الهاوية

لم تعد المواجهة بين إيران وإسرائيل ثنائية محصورة، بل أصبحت مثلثية، مفتوحة، وديناميكية، مع دخول الولايات المتحدة كفاعل مركزي مباشر. إسرائيل تراهن على الضربات الوقائية والتفوّق التكنولوجي، إيران تعتمد على الردع العميق والغموض النووي، وواشنطن تمارس مزيجًا من القوة الفعلية والدبلوماسية الصدامية.

إنه توازنٌ هشّ، أشبه بمشيٍ على حبلٍ مشدود فوق بركان.

كل تفتيش مؤجَّل، وكل صاروخ إضافي، وكل خطاب رئاسي يمكن أن يغيّر موازين اللعبة.

السؤال لم يعد: هل ستقع المواجهة؟ بل: إلى أي مدى يمكن احتواؤها قبل أن تتحوّل إلى انفجار شامل؟

* لم تعد المواجهة بين إيران وإسرائيل ثنائية محصورة، بل أصبحت مثلثية، مفتوحة، وديناميكية، مع دخول الولايات المتحدة كفاعل مركزي مباشر. إسرائيل تراهن على الضربات الوقائية والتفوّق التكنولوجي، إيران تعتمد على الردع العميق والغموض النووي، وواشنطن تمارس مزيجًا من القوة الفعلية والدبلوماسية الصدامية.

إنه توازن هش، أشبه بمشيٍ على حبلٍ مشدود فوق بركان.

مقالات ذات صلة