الرأي
في ظل الحملة الوطنية للتجنيد في بناء صناعة ميكانيكية متكاملة

إسقاط التجربتين الأسترالية والهندية لصناعة السيارات على الجزائر

محمد قحش
  • 16394
  • 0

لا تقاس قوة الاقتصاد الوطني بحجم الإيرادات الريعية أو رصيد الدولة من العملات الأجنبية، وإنما تقاس بمدى قدرتها على الإنتاج الصناعي والتكنولوجي، وعلى خلق قيمة مضافة حقيقية داخل الاقتصاد، فالدول التي تعتمد على الموارد الطبيعية كمصدر رئيسي للدخل، تبقى اقتصاداتها هشة وعرضة للتقلبات الخارجية، رغم ما قد تحققه من فوائض تجارية ظرفية.
وغالبا ما يؤدي هذا النمط الاقتصادي إلى تكريس التبعية، حيث تعتمد تلك الدول بشكل شبه كلي على استيراد حاجياتها الأساسية من أغذية وأدوية وتجهيزات ووسائل نقل، بل وحتى الأسلحة، مما يجعلها مجرد أسواق استهلاكية تستفيد منها الدول الصناعية المتقدمة.
في المقابل، تعد الولايات المتحدة الأمريكية دليلا حيا على أن قوة الاقتصاد تقاس بقدراته الإنتاجية وتنوعه الصناعي وعمق سوقه المالية، وليس بمستوى مديونيته، إذ تعتبر من أكثر دول العالم مديونية بما يفوق 33 تريليون دولار، ومع ذلك، تبقى أكبر قوة اقتصادية عالمية بفضل تفوقها التكنولوجي، وصناعاتها المتقدمة، ومؤسساتها المالية القوية.

التوجه الجزائري نحو الاكتفاء الذاتي الصناعي
بدأت الجزائر في السنوات الأخيرة مسارا طموحا نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي، ليس فقط في المجال الزراعي، وإنما بتوسيع الطموح ليشمل القطاع الصناعي، وبالأخص صناعة السيارات، وقد تم الإعلان عن حملة وطنية تهدف إلى تجنيد الكفاءات الجزائرية من داخل الوطن وخارجه، لبناء صناعة ميكانيكية متكاملة، تضمن مطابقة المنتجات للمعايير الدولية، ضمن رؤية تشاركية جامعة لأصحاب الاختصاص، ومراكز البحث، والجامعات، والمجتمع المدني.
إن إطلاق هذه الحملة الوطنية يعد خطوة إيجابية ومبشّرة، ويحبذ الاستمرار على هذا النهج التشاركي البنّاء، في جميع المجالات، كما يستحسن إشراك أصحاب الاختصاص من داخل الوطن، ومن أبناء الجالية الجزائرية في الخارج، إلى جانب فعاليات المجتمع المدني، في تنظيم ورشات وطنية علمية وأكاديمية، وذلك من أجل بلورة مقترحات عملية ومجدية، من شأنها أن تساهم في خدمة الوطن وتلبية تطلعات المواطن.
لقد سبق لي أن تقدّمت بعدد من المقترحات خلال عهدتي النيابية بالمجلس الشعبي الوطني، كان أولها في تدخلي البرلماني سنة 2007، بإمكانية صناعة السيارات تحت اسم “سوناكوم” ما دامت الشركة الأم تصنع الشاحنات والحافلات، ثم جدّدتها في سنة 2011 خلال ورشة برلمانية نظمت مع وزير الصناعة، آنذاك، حول واقع وآفاق صناعة السيارات في الجزائر، وقد جاءت هذه المقترحات عقب عودتي من زيارات ميدانية لكل من أستراليا والهند، في إطار المهام التمثيلية التي قمت بها تجاه الجالية الجزائرية المقيمة بالخارج، والتي كنت أمثلها في البرلمان. وقد أتيحت لي فرصة الإطلاع المباشر على تجارب تلك الدول في تطوير قطاع صناعة السيارات، ما مكّنني من الوقوف كشاهد عيان على مساراتها التنموية. وفي مقال سابق كتبته سنة 2023 بعنوان: (سيارة “السوناكوم” الكهربائية.. التجربة النرويجية في صناعة السيارات الكهربائية وإسقاطها على الجزائر)، وهذا لما تزخر به الجزائر من مادة “الليثيوم” أو ما يعرف بـ”الذهب الأبيض”، وهي القلب النابض للكثير من التكنولوجيات وخاصة بطاريات السيارات الكهربائية، والتي تمثل حوالي 50 إلى 70 بالمئة من تكلفة السيارة الكهربائية.
وتجدر الإشارة إلى أن التجربتين الأسترالية والهندية في هذا المجال اتسمتا بالتدرج والانتقال عبر مراحل مدروسة، ما مكّنهما لاحقا من تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال تصنيع السيارات، والتحوّل إلى دولتين صناعيتين مستقلتين في هذا القطاع الإستراتيجي.

ويمكن تلخيص أبرز مراحل هاتين التجربتين في النقاط التالية:

التجربة الأسترالية والهندية في صناعة السيارات
تمكّنت كل من أستراليا والهند من بناء صناعة سيارات وطنية ناجحة من خلال ثلاث مراحل رئيسية:
المرحلة الأولى – تصميم هيكل السيارة الخارجي: بدأت كلتا الدولتين بتصنيع الهيكل الخارجي للسيارة بتصميم محلي 100%، فقد أنشأت أستراليا هيكل السيارة الوطني واستعانت بمحرك “جنرال موتورز” الأمريكي، بينما قامت الهند بتصميم هيكل وطني واعتمدت على محرك “تويوتا” الياباني.
المرحلة الثانية – مرحلة الاحتفال والانطلاق: رغم أن السيارتين (الأسترالية والهندية) لم تكونا منتجا وطنيا كاملا، إلا أن الحدث شكّل خطوة مفصلية في بناء الصناعة الوطنية، وحققتا بذلك اكتفاء جزئيا وتشجيعا سياسيا للاستمرار.
في تلك المرحلة، احتفلت كل من أستراليا والهند بإنجازاتهما الصناعية الكبيرة، حيث تمكّنتا من تحقيق تطور ملحوظ في قطاع صناعة السيارات، وتمكّنت كل دولة من بناء قاعدة صناعية معتبرة، رغم أن الحلم المتمثل في “صناعة وطنية 100%” لم يتحقق بشكل كامل، ورغم هذا النقص، لم تتوقف الحكومتان عند حد الاحتفال، بل اعتبرتا ما تحقق خطوة أولى محفزة، ومن هنا:
– قررت أستراليا أن تنتقل إلى مرحلة جديدة تركّز على التخصّص في التصنيع عالي الجودة، والتكنولوجيا المتقدمة، والابتكار في التصميم والهندسة، مع تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، وكذلك مع الجامعات ومراكز البحث.
– أما الهند، فقد اختارت أن تعمّق إستراتيجيتها الصناعية من خلال جذب الاستثمارات الأجنبية، وتوسيع القاعدة الإنتاجية المحلية، وتشجيع مبادرات “صنع في الهند” مع تحسين البنية التحتية الصناعية وتطوير مهارات اليد العاملة.
بالتالي، فإن ما حدث في كلتا الدولتين هو أنهما حوّلتا التحدّيات إلى فرص، وشرعتا في الانتقال من مرحلة التركيب والتجميع إلى مرحلة التصنيع الحقيقي والابتكار المحلي، وهو ما شكّل بداية جديدة نحو تحقيق السيادة الصناعية المستدامة.
المرحلة الثالثة – توطين صناعة المحرك: بادرت الحكومتان إلى فتح المجال أمام الكفاءات المحلية ومراكز البحث الجامعية، لتطوير صناعة المحرك محليا. وبعد سنوات من العمل التشاركي، تمكّنت كل من أستراليا والهند من تصنيع محركات وطنية بالكامل، محققتين بذلك الحلم الصناعي المتكامل.

إسقاط التجربتين على السياق الجزائري
بالنظر إلى المعطيات الجزائرية، فإن تطبيق نموذج مماثل يبدو واقعيا وقابلا للتنفيذ عبر مراحل متدرجة، يمكن تلخيصها كما يلي:
المرحلة الأولى – تصميم هيكل السيارة الجزائري: في إطار مساعي الجزائر لتحقيق استقلالها الصناعي وتوطين التكنولوجيا، يقترح إطلاق مشروع وطني إستراتيجي لتصميم هيكل سيارة جزائرية 100 بالمئة، يتم تطويره من طرف كفاءات جزائرية خالصة، سواء من داخل الوطن أو من بين المهندسين والخبراء الجزائريين في المهجر، ممن يشتغلون حاليا في كبرى شركات صناعة السيارات العالمية. هؤلاء الكفاءات، الذين استقطبتهم الدول الصناعية الكبرى برواتب مغرية بهدف منع تسرب المعرفة ونقل التكنولوجيا إلى بلدانهم الأصلية، يمكن اليوم استدعاؤهم للمساهمة في هذا المشروع الوطني النوعي.
وكنقطة انطلاق، يمكن الاعتماد على محرك مستورد من شركاء تكنولوجيين مثل الصين أو إيطاليا أو ألمانيا… في انتظار تطوير محركات محلية في مراحل لاحقة. هذا النهج سيمكّن من تسريع إطلاق النموذج الأولي، وفي الوقت ذاته، بناء قاعدة معرفية وهندسية جزائرية، يمكن تسمية هذا النموذج الأول “بسوناكوم 1SONACOM 1 “.
المرحلة الثانية – صناعة المحرك الجزائري: بعد ترسيخ صناعة الهيكل، يتم الانتقال إلى تطوير محرك جزائري بالكامل بالشراكة مع الجامعات، مراكز البحث، وخبراء جزائريين في المهجر، ليطلق النموذج المتكامل تحت اسم “سوناكوم 2SONACOM 2 “.
تمثل التجربتان الأسترالية والهندية نموذجين ناجحين يمكن الاقتداء بهما في بناء صناعة سيارات وطنية متكاملة في الجزائر. ولا يمكن بلوغ هذا الهدف من دون اعتماد منهجية تدريجية واقعية، تزاوج بين الموارد الطبيعية المتوفرة والكفاءات البشرية، مع ضمان الانفتاح على الشراكات الإستراتيجية والتكنولوجيا الأجنبية في المرحلة الانتقالية.

مقالات ذات صلة