-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قواعد المرور عبر المضائق في القانون الدولي للبحار – حالة مضيق هرمز

صالح بوشة/ دبلوماسي
  • 39
  • 0
قواعد المرور عبر المضائق في القانون الدولي للبحار – حالة مضيق هرمز

تعُدّ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS الإطار القانوني الذي ينظّم استخدامات البحار والمحيطات، بما في ذلك القواعد الحاكمة للملاحة عبر المضائق الدولية. وقد أبُرمت الاتفاقية في 10 ديسمبر 1982 في مونتيغو باي (جامايكا)، عقب مفاوضات مطوّلة ضمن مؤتمر الأمم المتحدة الثالث لقانون البحارUNCLOSIII ، قبل أن تدخل حيزّ النفاذ في 16 نوفمبر 1994.
تتمتع الاتفاقية اليوم بطابع شبه عالمي، إذ انضمّ إليها نحو 168 طرفاً، غير أنّ هذا الانتشار الواسع لا يرقى إلى الشمول الكامل، إذ لا تزال بعض الدول خارج إطار التصديق أو حتى التوقيع، وتأتي في مقدمة هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية، التي لم تصُادق على الاتفاقية نتيجة تحفظات تتعلق ببعض أحكامها، لا سيما تلك الواردة في الجزء الحادي عشر الخاصة بنظام استغلال قاع البحار، والتي اعتبرتها متعارضة مع مصالحها الاقتصادية والأمنية، رغم توقيعها على الاتفاق المعدِّلّ لعام 1994 واستمرار التزامها العملي بالعديد من قواعد الاتفاقية باعتبارها تعكس القانون الدولي العرفي.
كما لا تزال هناك 15 دولة لم تنضم إلى الاتفاقية أو لم تتُمّ إجراءات التصديق، من بينها دول إقليمية مهمة كتركيا وإسرائيل وسوريا، إلى جانب إيران التي وقعّت على الاتفاقية في 1982 دون أن تصُادق عليها، رغم كونها دولة مشاطئة لمضيق ذي أهمية استراتيجية “مضيق هرمز”.
في هذا السياق، تشُكّل الاتفاقية الإطار المرجعي الأساسي لتنظيم المرور عبر المضائق الدولية، حيث أولت الاتفاقية هذا الموضوع عناية تشريعية خاصة ضمن منظومتها التي تضم 320 مادة، فضلًا عن الملاحق والإعلانات المرفقة ذات الصلة.
وتنظّم الاتفاقية المبادئ العامة التي تحكم المرور في المضائق الدولية من خلال عدد من المواد، لا سيما المادة 19 المتعلقة بمفهوم المرور البريء، والمادة 41 الخاصة بــ” الممرات البحرية ونظم تقسيم حركة المرور في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية”، والمادة 42 “قوانين وأنظمة الدول المشاطئة للمضائق بشأن المرور العابر”.
يأتي عللا رأس هذه المضائق، مضيق هرمز، الذي تطل عليه كل من إيران وسلطنة عُمان، ويعُدّ أحد أبرز الممرات الحيوية لنقل الطاقة على المستوى العالمي.
كما يصُنفّ مضيق ملقا ضمن أهم المضائق الدولية، حيث تطل عليه كل من ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة، ويشكّل بدوره محورًا رئيسياً لحركة التجارة بين المحيطين الهندي والهادئ.
حالة مضيق هرمز:

أولًا: مضيق استراتيجي فريد في النظام البحري الدولي
يعُدّ مضيق هرمز نموذجاً لما يعُرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ” نقطة الًختناق” (Chokepoint)، نظرًا لموقعه في منظومة النقل البحري العالمي، حيث تمر عبره نسبة تتجاوز
20% من تجارة النفط المنقولة بحراً، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال. ويربطالمضيق بين الخليج العربي وبحر عُمان، بما يجعله بوابة إلزامية لصادرات الطاقة إلى الأسواق الدولية ،وهو ما يمنحه وزناً اقتصادياً وجيوسياسياً يتجاوز نطاقه الإقليمي ليطال استقرار السوق العالمية للطاقة.
تتجلى خصوصية المضيق في بنيته الجغرافية الضيقة، إذ لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه نحو 40 كيلومتراً تقريباً، بينما تنحصر حركة الملاحة الفعلية في مسالك أكثر ضيقاً وتنظيمًا تقع في أجزاء منها ضمن المياه الإقليمية للدول المشاطئة، الأمر الذي يفرض قيوداً طبيعية على حرية المناورة ويزيد من حساسية حركة الملاحة، فضلًا عن إضفاء بعُد قانوني إضافي على عمليات العبور.
وتدُار الملاحة في المضيق عبر ممرات بحرية محددة تهدف إلى تنظيم اتجاهات الدخول والخروج وضمان سلامة العبور، غير أنّ هذا التنظيم، يجعل حركة الملاحة أكثر عرضة للتأثر بأي اضطرابات ،سواء كانت تقنية أو تشغيلية أو ناجمة عن بيئة أمنية غير مستقرة، حيث يمكن لأي خلل محدود أن يتسبب بتعطيل حركة العبور.
وفي هذا الإطار، يكتسب المضيق بعداً قانونياً خاصًا بوصفه من المضائق المستخدمة للملاحة الدولية الخاضعة لنظام المرور العابر بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهو ما يكرّس من حيث المبدأ حق العبور المستمر والسريع، في إطار توازن بين متطلبات حرية الاستخدام الدولي للممرات البحرية، وبين سيادة الدول الساحلية. غير أنّ الطبيعة الضيقة للمضيق، ووقوع المسالك الملاحية ضمن نطاقات سيادية، إلى جانب التباين في مواقف بعض الدول إزاء تطبيق هذا النظام، تجعل من الممارسة الفعلية لحرية الملاحة مسألة أكثر تعقيداً، تتأثر بعوامل تتجاوز الإطار القانوني الصرف.

ثانيا: الجغرافيا القسرية (Geostrategic Constraint)
يعكس مضيق هرمز بوضوح مفهوم “الجغرافيا القسرية”، حيث لا تقتصر أهميته على موقعه ضمن شبكة التجارة البحرية، بل تمتد إلى كونه عاملًا بنيوياً يفرض قيود اً مباشرة على سلوك الدول وخياراتها الاستراتيجية.
وتتجلى هذه القسرية في محدودية البدائل القابلة للتطبيق، إذ إن تحويل مسارات التجارة أو الطاقة إلى ممرات بديلة ينطوي على كلفة اقتصادية ولوجستية مرتفعة، ويصطدم بقيود البنية التحتية والقدرة الاستيعابية، الأمر الذي يحوّل الاعتماد على هذا الممر إلى حالة شبه إلزامية، تتجاوز الاعتبارات السياسية إلى مستوى الضرورة الاقتصادية.
كما تعزّز هذه البيئة المقيدة من قابلية الممرات الحيوية للتأثر بأدوات ضغط غير تقليدية، حيث لم يعد التأثير في حركة الملاحة يتطلب تفوقاً عسكرياً شاملاً، بل بات ممكناً عبر وسائل محدودة الكلفة قادرة على إحداث اضطراب غير متكافئ في تدفقات التجارة والطاقة.
وفي هذا الإطار، لم تعد السيطرة على الممرات الحيوية تعني الهيمنة الكاملة، بل القدرة على التأثير أو التعطيل، وهو ما يمنح الدول المشاطئة أو الفاعلين الإقليميين وزناً استراتيجياً يفوق قدراتهم المادية.
وعليه، يظل مضيق هرمز مثالًا واضحًا على أن الجغرافيا لا تزال عاملًا حاسمًا في تشكيل موازينالقوة، حيث تفرض قيوداً هيكلية على استخدام القوة العسكرية، وتمنح في المقابل نفوذاً استراتيجياً لمنيتحكم أو يؤثر فيه.

ثالثا: نظام قانوني واضح ضمن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لكنه عالي الحساسية
يخضع تنظيم الملاحة في مضيق هرمز من حيث المبدأ لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تقُرّ وضعه كمضيق دولي يربط بين مناطق بحرية مفتوحة، بما يستوفي معايير تطبيق نظام المرور العابر وفق المادة 37 من الاتفاقية. ويضمن هذا النظام حرية الملاحة والتحليق بصورة مستمرة وغير معاقة لجميع السفن والطائرات، في إطار قواعد محددة توازن بين الاستخدام الدولي للمضيق وحقوق الدول المشاطئة.
وفي هذا السياق، تعُدّ المادة 41 أساسًا لتنظيم الممرات البحرية ونظُم فصل حركة السفن بما يحقق سلامة الملاحة، في حين تخوّل المادة 42 الدول الساحلية اعتماد قوانين وأنظمة تتعلق بسلامة الملاحة، وحماية البيئة، وتنظيم حركة المرور، شريطة ألا تؤدي عملياً إلى تعطيل أو إعاقة حق العبور. كما تلتزم السفن العابرة باحترام هذه القواعد، بما يعكس توازناً دقيقاً بين الطابع الدولي للمضيق والاختصاص التنظيمي المحدود للدول المشاطئة.
غير أنّ هذا الوضوح في النصوص يقابله قدر من الحساسية في التطبيق، خاصة في ظل التباين في تفسير طبيعة النظام القانوني الواجب التطبيق. فبينما يعُدّ المرور العابر القاعدة العامة في المضائق الدولية، ترى بعض الدول المشاطئة أن المرور ينبغي أن يخضع لقواعد المرور البريء المنصوص عليها في المادة 19، التي تربط مشروعية العبور بعدم الإضرار بأمن الدولة الساحلية أو نظامها.
وفي حالات النزاع المسلح، لا يفُسَّر قانون البحار بمعزل عن قواعد النزاعات المسلحة في البحار، وفق مبدأ lex specialis، حيث يمكن فرض قيود محدودة على الملاحة، مثل التفتيش أو الاعتراض، مع بقاء الأصل هو عدم جواز الإغلاق الكامل للمضيق أو تعطيل حرية العبور. كما تظل هذه التدابير خاضعة لمبادئ التمييز والتناسب، خاصة فيما يتعلق باستخدام وسائل مثل الألغام البحرية أو التعامل مع السفن التجارية.

رابعا: توتر سياسي–أمني دائم وتأثيره على حرية الملاحة
يتجاوز المضيق كونه ممرًا تجارياً ليشكّل محورًا مركزياً في التفاعلات السياسية والأمنية الإقليمية والدولية، حيث تتحول التطورات الميدانية فيه إلى مؤشرات مباشرة على مستوى الاستقرار في النظام الدولي للطاقة. فالتدفقات اليومية التي تمر عبره تجعل أي توتر فيه ينعكس فورًا على الأسواق الدولية ،سواء عبر تقلبات الأسعار أو ارتفاع تكاليف التأمين والشحن.
وفي هذا السياق، أصبحت الحوادث البحرية بما في ذلك استهداف السفن، التهديدات، أو تعطيل العبور جزءًا من أدوات الضغط السياسي والاستراتيجي، تسُتخدم للتأثير في مواقف الأطراف الأخرى دونالوصول إلى مستوى الإغلاق الكامل للمضيق. ويعكس ذلك نمطًا من “الإدارة القسرية للممراتالبحرية”، حيث يسُتخدم التحكم الجزئي أو الانتقائي في الملاحة كوسيلة تفاوض غير مباشرة، خاصة في ظل تداخل الاعتبارات الأمنية مع الحسابات الاقتصادية. كما أن ارتفاع تكاليف التأمين البحري ،وتردد شركات الشحن، يؤديان عملياً إلى تقييد حركة الملاحة حتى دون فرض قيود رسمية، وهو ما يبُرز هشاشة النظام الملاحي في مثل هذه البيئات.
أما على مستوى الفاعلين الدوليين، فتحتل الولايات المتحدة الأمريكية موقعًا محورياً من خلال الحفاظ على وجود بحري دائم وأطر تعاون متعددة الأطراف تهدف إلى ضمان حرية الملاحة، في إطار سياسة تجمع بين الردع العسكري وطمأنة الحلفاء.
في المقابل، تنظر الصين إلى المضيق بوصفه عنصرًا حاسمًا في أمنها الطاقوي، ما يدفعها إلى تعزيز حضورها الدبلوماسي والبحري لضمان استقرار الإمدادات، دون الانخراط المباشر في الصراعات.
أما روسيا، فتعامل المضيق كجزء من معادلة أوسع في توازن القوى الدولي، مستفيدة من تأثير الأزمات فيه على الأسواق العالمية لتعزيز موقعها التفاوضي .

خامسا: خصوصية النظام القانوني واستمراريته
يقوم النظام القانوني للمضيق على قاعدة المرور العابر التي تضمن حرية الملاحة دون إعاقة، غير أنّ هذا الإطار لا يعمل بمعزل عن سياقات أوسع، تشمل قانون النزاعات المسلحة في البحار، وقواعد الدفاع الشرعي المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة. ونتيجة لذلك، لا يوجد نظام قانوني واحد مهيمن بشكل مطلق، بل تتعايش ثلاثة أطر متوازية “قانون البحار، وقانون الحرب البحرية، وقانون الدفاع عن النفس” يتداخل كل منها مع الآخر في تفسير مشروعية السلوك في المضيق.
في هذا السياق، برز ما يمكن وصفه بـ “الاستراتيجية القانونية” في إدارة المضيق، حيث لا يتم الطعن المباشر في القواعد الدولية، بل إعادة تأويلها وتكييفها بما يخدم الأهداف السياسية والأمنية .فبدلًا من إعلان إغلاق صريح للمضيق “وهو إجراء يصعب تبريره قانونيا ً” يتم اللجوء إلى أنماط أكثر مرونة ،مثل فرض قيود تشغيلية، أو تنظيم انتقائي لحركة المرور، أو التمييز بين السفن وفق معايير سياسية أو أمنية .
ويقُدمَّ هذا السلوك في إطار قانوني يستند إلى مفاهيم مثل السيادة، أو الأمن القومي، أو الدفاع عن النفس، ما يخلق فجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي دون الخروج الصريح عن الشرعية الدولية.
وتزداد هذه الإشكالية وضوحًا في ظل النزاعات المسلحة، حيث يعُاد تعريف البيئة القانونية للمضيق من فضاء مفتوح للملاحة إلى ساحة عمليات عسكرية محتملة. ففي حين يفترض نظام المرور العابر استمرار حركة الملاحة دون انقطاع، تسمح قواعد الحرب البحرية بفرض قيود على السفن المرتبطة بأطراف النزاع، كما تتيح “ضمن شروط صارمة” التفتيش أو الاعتراض أو حتى الاستهداف في حالات محددة. غير أنّ هذه القواعد تصطدم بطبيعة المضيق ذاته، بوصفه ممرًا دولياً حيوياً عالي الكثافة، مايجعل تطبيقها دون الإضرار بالملاحة الدولية أمرًا بالغ الصعوبة. كما أن استخدام أدوات مثل الألغامالبحرية أو خلق بيئة تهديد مستمرة قد يؤدي عملياً إلى تعطيل العبور، حتى دون إعلان رسمي، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول حدود المشروعية.
وعليه، فإن خصوصية النظام القانوني في مضيق هرمز لا تكمن في استقراره، بل في قابليته للتنازع وإعادة التفسير، حيث يتحول القانون من إطار تنظيمي ثابت إلى أداة ضمن معادلة استراتيجية أوسع .فاستمرارية هذا النظام لا تعني فعاليته الكاملة، بل تعكس قدرة الأطراف على التكيفّ معه واستخدامه بمرونة، في ظل بيئة دولية تتزايد فيها أهمية الممرات البحرية الضيقة كأدوات للنفوذ والتأثير .

سادسا: عسكرة المضيق وتأثيرها على النظام القانوني
تعُدّ عسكرة مضيق هرمز نتيجة مباشرة لتداخُل أهميته الاستراتيجية مع اعتبارات الأمن الدولي، حيث تحافظ قوى بحرية كبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، على وجود عسكري دائم في المنطقة من خلال الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية، والذي يتولى تنفيذ دوريات بحرية منتظمة وعمليات تأمين الملاحة.
كما تشارك دول غربية مثل المملكة المتحدة وفرنسا، إلى جانب دول أوروبية أخرى، في جهود بحرية مشتركة تهدف إلى حماية الممرات البحرية. وعلى المستوى الإقليمي، تضطلع بعض الدول الإقليمية المطلة على المضيق بأدوار متزايدة في تأمين السواحل والبنية التحتية المرتبطة بالملاحة، سواء بشكل منفرد أو ضمن أطر تعاون متعددة الأطراف.
غير أنّ هذا الحضور العسكري المكثف، رغم أهدافه المعلنة في تأمين الملاحة، يساهم في الوقت ذاته في تكريس الطابع العسكري للمضيق، ويحوّله إلى بيئة عملياتية عالية التوتر. فالتفاعل المستمر بين القوات البحرية، إلى جانب استخدام وسائل عسكرية متقدمة مثل الطائرات المسيرّة والأنظمة الصاروخية، يزيد من احتمالات الاحتكاك والتصعيد غير المقصود .
وفي هذا السياق، ينعكس تصاعد الطابع العسكري للمضيق بشكل مباشر على فعالية النظام القانوني المنظّم له. فبينما تفترض قواعد القانون الدولي للبحار بيئة مستقرة تضمن حرية الملاحة، تؤدي عسكرة المضيق إلى فرض قيود عملية على هذا المبدأ، سواء من خلال تزايد المخاطر الأمنية، أو ارتفاع تكاليف التأمين، أو إحجام شركات الشحن عن العبور. وقد أظهرت الأزمات الأخيرة أن مجرد التهديد باستخدام القوة، دون اللجوء إلى إغلاق رسمي، يمكن أن يؤدي إلى تباطؤ حركة الملاحة وتراجع أعداد السفن العابرة، ما ي فُضي فعلياً إلى إضعاف تطبيق القواعد القانونية دون انتهاك صريح لها.
وعليه، فإن عسكرة مضيق هرمز لا تقتصر على كونها ظاهرة أمنية، بل تمثل عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل العلاقة بين القانون والواقع العملي، حيث تتحول حرية الملاحة من قاعدة قانونية مضمونة إلى مبدأ مشروط بمدى الاستقرار الأمني. وفي ظل هذا التداخل، يصبح النظام القانوني للمضيق عرضة لضغوط متزايدة، لا تقُاس فقط بمدى احترام القواعد، بل بقدرة هذه القواعد على الصمود في بيئة تتسمبالتصعيد العسكري والتنافس الدولي.

الخلاصة:
تظُهر التطورات المرتبطة بـ مضيق هرمز أنّ المساس بحرية الملاحة لم يعد يمُارس عبر الإغلاق الرسمي للممر، بل من خلال أنماط أكثر تعقيداً تقوم على التقييد التدريجي والإدارة الانتقائية لحركة العبور. ففي ظل استمرار تدفق السفن بمستويات محدودة وتحت شروط غير معلنة، بات بالإمكان ممارسة ضغط مستدام على أحد أهم شرايين التجارة العالمية دون تحمّل الكلفة القانونية والسياسية المرتبطة بإعلان الإغلاق الكامل، وهو ما يعكس انتقال أدوات التأثير من المستوى القانوني الصريح إلى مستوى الممارسة العملياتية.
فمن منظور إيران، ينُظر إلى المضيق باعتباره ممرًا دولياً يخضع، من حيث الأساس، لقواعد “المرور البريء” المستندة إلى الأطر القانونية السابقة على اتفاقية قانون البحار، بما يمنح الدول المشاطئة صلاحيات أوسع في تنظيم العبور وفرض قيود عليه في حال المساس بالأمن القومي. كما تستند طهران إلى مبدأ الاعتراض المستمر لتبرير عدم التزامها الكامل بنظام المرور العابر، معتبرة أن هذا النظام لم يكتسب صفة الإلزام العرفي بالنسبة لها. وفي هذا السياق، تقُدمَّ الإجراءات الميدانية—بما في ذلك فرض التنسيق المسبق أو تقييد سفن بعينها—بوصفها أدوات تنظيمية وأمنية تندرج ضمن ممارسة سيادية في ظروف النزاع.
في المقابل، تنطلق الولايات المتحدة من مقاربة تعتبر المضيق نموذجًا واضحًا للمضائق الدولية الخاضعة لنظام “المرور العابر”، الذي يضمن حرية الملاحة والتحليق دون إعاقة، ويعُد وفق هذا التصور جزءًا من القانون الدولي العرفي الملزم لجميع الدول. وبناءً على ذلك، ترى واشنطن أن أي إجراءات تؤدي فعلياً إلى تعطيل المرور، حتى دون إعلان رسمي، تعُد انتهاكًا للقانون الدولي، وهو ما تعكسه عملياً من خلال عمليات “حرية الملاحة” الهادفة إلى رفض القيود التي تعُتبر غير مشروعة.
ويؤدي هذا التباين في التفسير إلى خلق بيئة قانونية معقدّة، حيث يعُاد تأويل القواعد الدولية بما يخدم الأهداف الاستراتيجية لكل طرف. ففي حين تسعى إيران إلى توظيف القانون لتوسيع هامش سيطرتها التشغيلية على المضيق، تعمل الولايات المتحدة على تكريس مبدأ الانفتاح الكامل للممرات البحرية باعتباره ركيزة للنظام البحري الدولي. ونتيجة لذلك، تتشكل ممارسات ميدانية تعكس هذا التنازع في التفسير، بما يحدّ من وضوح القواعد القانونية ويجعل تطبيقها رهينة للتوازنات السياسية والأمنية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!