إشاعات وإشعاعات التخلاط!
وزير السكن قالها بالفم المليان: هناك من تجاوز سنه الأربعين ولم يتزوّج بسبب عدم حصوله على مسكن. وهذا في إطار حديثه عن الإشاعات والإشعاعات التي تداولت أنباء عن إسقاط العزاب من أحقية الحصول على سكن ضمن مشاريع وبرامج “عدل”.
تبون، أكد أن السكن هو حقّ لكلّ الجزائريين، نافيا إقصاء فئة “غير المتزوّجين”- وما أكثرهم- من التسجيل أو الاكتتاب ضمن برامج “عدل” الجديدة. وبهذه التصريحات الواردة على لسان المسؤول الأول عن القطاع، يستحق بطبيعة الحال دعمه ظالما أو مظلوما من طرف المتزوّجين والعزاب، بعيدا عن منطق “أنا ومن بعدي الطوفان”، لكن مع مراعاة منطق الأولويات!
ليس دفاعا عن الوزير تبون، ورجال ثقته، لو قلنا بأن الرجل نجح خلال سنة من عودته إلى القطاع المريض، في إعادة الأمل إلى آلاف الجزائريين، ممّن قتلهم اليأس والتشاؤم واللاثقة، إثر وأد مشاريع “عدل” في المهد ودفنها حيّة تـُرزق، بعدما صنعت الاستثناء بداية الألفية الثانية.
حكاية الأحقية في السكن، عليها أن تجرّنا إلى الحديث عن سماسرة وبزناسية، عاثوا فسادا في السكن، وهؤلاء منهم الصغير ومنهم الكبير، بينهم من يتحرك في فلك الوكالات العقارية والمقاولات والترقية العقارية، ومنهم “زوالية” احترفوا بيع وشراء القصدير في مناقصات ومزايدات سرية، بما رفع بورصة الأسعار وأحرق جيوب الشعب والدولة معا!
من غير المقبول أن يسطو “الكبار” على كوطة من السكن خارج القانون والأخلاق، ولكن من غير المعقول أيضا أن يستحوذ “الصغار” على مساكن بعضهم البعض بالتزوير والتلاعب والنصب والاحتيال!
أزمة السكن، هي مسؤولية مشتركة، بين الجميع، فالذي يستفيد من سكن الدولة ثم يبيعه أو يؤجّره، فهذا بزناسي لا يستحقّ السكن. والذي يستفيد مرارا وتكرارا من سكن الدولة بالخداع فإنه لا يواجه مشكل سكن. والذي تسكنه المحسوبية أو يعيش بالرشوة لا يستحقّ أن يكون عضوا في لجان توزيع السكن!
ليس خافيا لو قلنا بأن تبون وجد قطاع السكن مفخخا وملغّما وقابلا للتفجير في أيّة لحظة، ومن بين أهم القنابل التي شرع في تفكيكها، تارة بالمغامرة وتارة أخرى بالمقامرة: قنبلة التقاعس وعدم احترام آجال الإنجاز من طرف مقاولات “البيدون والبرويطة”، وقنبلة العقار الذي يكوّش عليه ولاة وأميار وبارونات، وقنبلة مواد البناء التي تيسطر على بورصتها “مافيا” الإسمنت والحديد، وقنبلة سوء التوزيع وتعطيل عمليات توزيع ما هو جاهز من طرف جهات أخرى ليست تابعة إداريا وتنظيميا لوزارة السكن!
..هي كلـّها قنابل شديدة المفعول، وكلّ قنبلة منها أقوى من قنبلة هيروشيما، ولذلك، فإن المهمة بالنسبة إلى الوزير تبون صعبة ومعقـّدة، ومع ذلك، فإن الرجل تبنى استراتيجية “حرب” لإنقاذ مشاريع السكن وانتشال برامج الرئيس وإطلاق أخرى جديدة لمحاصرة “المأساة الوطنية” في مجال الإسكان!
أقول إن وزارة السكن هي وزارة سيادية، لأن السكن تحوّل إلى “خطر على النظام العام”، يُستغلّ من طرف غلاة “التخلاط” لتحريض الشارع وفبركة احتجاجات اجتماعية بأهداف سياسية مكتومة، فعلى كلّ أصحاب “النوايا الحسنة” مساعدة تبون في الأعلى والأسفل لحلحلة المعضلة تدريجيا، بالمراقبة والمحاسبة والمعاقبة، وأيضا بالتوزيع العادل وتقاسم المهام والمسؤوليات، وبعدها عدم السطو على جُهد الآخر وعدم مكافأته بجزاء سنمار، وصدق من قال: يد واحدة ما تصفـّق!