الرأي

إصلاحاتٌ في قلب المأساة

عيسى جرادي
  • 512
  • 0

باعتماد أمرية 1976، كأساس فلسفي للمدرسة الجزائرية، وتبنّي “المدرسة الأساسية” إطارا لتجسيد السياسة التربوية الجديدة، كان يفترض أن توضع هذه المدرسة على السكة، لتشق طريقها إلى المستقبل، حاملة لواء بناء إنسان ومجتمع بمواصفات جزائرية أصيلة ووطنية.
لا مجال على الإطلاق لإنكار مكاسب هذه المدرسة وانجازاتها، فهي كرّست تعريب المنظومة التربوية بصفة نهائية وشاملة، وتخلت عن ازدواجية نظام التعليم الثانوي العامّ والأصلي، بغضِّ النظر عن الدافع الأيديولوجي لدى من كان ينادي بإلغاء التعليم الأصلي، فثمّة تعليمٌ موحد يجب أن يُمنح لكل الجزائريين، والعيب لا يكمن في توحيد نمط التعليم، بل في مضمونه إن وُجد.
كما أعيدت هيكلة التعليم بمراحله الثلاث، وأعيد النظر في المناهج ومضامين الكتاب المدرسي، إلى جانب عصرنة الإدارة التربوية، ومنحها أساسا تشريعيا جديدا، كل ذلك يبدو منسجما مع النظرة الجديدة للتعليم، في ظل أيديولوجيا النظام السياسي القائم آنذاك.
وإذ لا شيء يبدو كاملا على الدوام، فإن التجريب يكشف العيوب ويدلّ على النقائص، ويمنح فرصة معالجة الاختلالات، وهذا ما نسميه إصلاحا، وهو ما يفترض أن يكون نوعا من مواكبة المدرسة في إقلاعها وتطورها، ومنحها فرصة أفضل لاستيعاب متغيرات عالم على وشك أن تنفجر معارفه وعلومه إلى حد لا يوصف، فهل سار كل شيء على ما يرام؟
قد يكون من سوء حظ هذه المدرسة أن رافق تطورها هذا، انعطاف الدولة الجزائرية إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي، اكتنفه غموض وعنف غير مسبوقين، حدَّ من طموحات هذه المدرسة، وأوقعها في اضطراب مزمن، وبدل أن تُضخَّ أفكار وإمكانات جديدة في كيان هذه المدرسة، تعينها على بلوغ غاياتها ولو نسبيا، أضحت هدفا للتصويب من قريب ومن بعيد.
لم يعُد الإصلاح يعني بالنسبة إلى التيار التغريبي تطوير المنظومة، بل مراجعة ثوابت هذه المنظومة، إنه نوعٌ من الانقلاب على منجزات استهلكت الوقت والطاقات، والسعي في الزج بها في مواجهات لا تعنيها، فطالتها الاتهامات، وانفتحت حنفيات التشكيك لتضخّ ما لديها من مزاعم لا أساس لها، كالقول بأصولية هذه المدرسة، وهذا مصطلحٌ اتهامي في ظل ظروف استقطاب قاسية.

هل كانت هذه الوثيقة بمثابة الجنين الذي سمح بنمو الأفكار التي تضمَّنها لاحقا التقرير الذي انتهت إليه اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية في 2001؟ وهل تسنَّى للتيار التغريبي ولأول مرة تسجيل نقاط لصالحه، ستتحول لاحقا إلى مكاسب، هي خسائر بلا شك للطرف الآخر الذي خسر الكثير من مواقعه، لا في التربية وحدها، بل في قطاعات أخرى حساسة، تؤثر في التربية بصورة أو أخرى؟

ولأن الاضطراب السياسي لا يمنح فرصة للتأمل والاختيار، فقد وقع الانخراط في حالة من المراوحة ممزوجة بتسييس قضايا التربية، بمعنى أن المدرسة كانت تلتفُّ حول نفسها لا تجد طريقا إلى فضاء جديد تعبِّر فيه عن طموحاتها، بوصفها مدرسة جزائرية أصيلة وطموحة، فلم تتح لمن تعاقبوا على الوزارة فرصة أو فرص مناسبة لإنجاز إصلاحات حقيقية، وإن حاولوا.
كما لم يفلح تنصيب المجلس الأعلى للتربية في رأب الصدع أو وقف التجاذبات التي امتصت حيوية هذه المدرسة، أو تقديم حلول -ولو كانت بسيطة- تمكّن من سحب المدرسة من وحل الترقيعات والمزايدات، وهو المجلس المنوط به كهيئة تفكير أن (يضمن مركزية ووحدة التنظير والتخطيط) ويساهم في عزل (القطاع عن التقلبات الطارئة وحال عدم الاستقرار التي يعاني منها).
كما لم يتسنَّ للوزارة وللمجلس الأعلى للتربية أن يفعلا شيئا ملموسا، سوى ضمان السير الرتيب للمدرسة وإجراء الامتحانات الرسمية، مع المحافظة ولو على حد أدنى من الاستقرار في القطاع، إذ بدأت المطالبة بتحسين الوضعية المادية للأستاذ تشتدّ، في ظل عجز الميزانية العمومية التي أرهقتها أعباء المأساة.
ولأنّ المجلس كان مطالَبا بتقديم تصوره للإصلاح، في ظل الوضع المشار إليه، فقد برز على السطح لأول مرة مصطلح “الطابع الاستعجالي” لإصلاح المدرسة الجزائرية، في سياق مشروع إصلاح تبنَّى عناصر أساسية في بناء المدرسة الجزائرية عرضه المجلس الأعلى للتربية على الندوة الوطنية التي عُقدت في جوان 1998.. غير أن مضمون الوثيقة المقدَّمة للندوة، كانت مثار تحفُّظات كان منها (إعادة فتح المدارس الخاصة، التعليم بالفرنسية، افتقار أرضية الوثيقة المقدمة للندوة إلى أيِّ مبادئ فلسفية تؤطر المشروع التربوى).
فهل كانت هذه الوثيقة بمثابة الجنين الذي سمح بنمو الأفكار التي تضمَّنها لاحقا التقرير الذي انتهت إليه اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية في 2001؟ وهل تسنَّى للتيار التغريبي ولأول مرة تسجيل نقاط لصالحه، ستتحول لاحقا إلى مكاسب، هي خسائر بلا شك للطرف الآخر الذي خسر الكثير من مواقعه، لا في التربية وحدها، بل في قطاعات أخرى حساسة، تؤثر في التربية بصورة أو أخرى؟
هذا ما سأحاول الإجابة عنه باستفاضة في مقالات قادمة، عندما أتناول بالحديث نمط الإصلاح الذي اقترحته اللجنة المشار إليها سابقا، وهي التي رسّخت فكرة التخلي عن أمرية 1976، وفتحت الباب أمام موجة من المراجعات، قد تكون بمثابة تراجع عن إرث تربوي تحقق على مدى ثلاثة عقود.
للمقال مراجع

مقالات ذات صلة