-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

سقطة مدوّية للعفاسي

حسين لقرع
  • 119
  • 0
سقطة مدوّية للعفاسي

يشتكي القارئ والمنشد الكويتي المعروف مشاري العفاسي من الحملة التي يتعرّض لها هذه الأيام في مواقع التواصل الاجتماعي من الآلاف من مناصري محور المقاومة، وهي الحملة التي جاءت ردًّا على “نشيده” الذي يتهجّم فيه على إيران بكلمات نابية في عزِّ الحرب العدوانية الجائرة التي شنّتها عليها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني طيلة 40 يوما، في حين تغاضى في “نشيده” تماما عن هؤلاء البُغاة المعتدين!

لو وجّه العفاسي نقدا هادئا لإيران على هجماتها على مواقع مدنية في الكويت ودول الخليج، لكان الأمر مفهوما، لكنّه تجاوز حدود النقد الموضوعي الوجيه ليتحدّث بلغة طائفية وعرقية مقيتة عن “الفرس” و”أهل التوحيد” الخليجيين، فهل يعتقد هذا القارئ أنّ “الفرس” ليسوا من “أهل التوحيد”؟

هذه اللغة التكفيرية والعرقية الإقصائية والاستعلائية هي التي زادت المسلمين في العالم تشرذما وانقساما وضعفا، بعد أن أجّجت الخلافات والصراعات بينهم، ولاسيما في السنوات الأخيرة، ما نجم عنها اصطفافات طائفية حادّة مزّقت الأمة الواحدة شرّ ممزّق، في وقت يتكالب فيه الأعداء عليها من دون أن يفرّقوا بين سني وشيعي وعربي وأعجمي.. هل يفرّق الاحتلال الصهيوني مثلا بين “حماس” السّنية و”حزب الله” الشيعي حينما يقصف الطرفين بلا هوادة ويرتكب المجازر تلو الأخرى بحق حاضنتيهما الشعبيتين في غزة وجنوب لبنان ويهجّرهما بلا رحمة؟ هل فرّقت أمريكا بين نظام صدام السّني ونظام طهران الشيعي حينما غزت العراق في 2003 وضربت إيران في جوان 2025 وفي حرب الأربعين يوما؟

بالنسبة للأعداء، مسيحيين كانوا أو يهودا أو بوذيين أو هندوسا… لا فرق بين سنة وشيعة، كلهم مسلمون في نظرهم، ولذلك تداعوا عليهم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، اختلفوا في كلّ شيء إلا في معاداة المسلمين ونبذهم واضطهادهم واحتقارهم والتنكيل بهم بلا رحمة ولا تمييز، هم سواء عندهم في ميانمار والهند وفلسطين وإيران وسوريا ولبنان وغيرها من بلاد المسلمين.. ومع أنّ الحقيقة واضحة وضوح الشمس إلا أنّ المرضى بالطائفية البغيضة عندنا يأبون إلا النفخ في رمادها وتأجيجها في كلّ مرة، حتى أصبحت شغلهم الشاغل ونسوا تماما القضية الفلسطينية المهدّدة بالتصفية والقدس التي تتعرّض للتهويد والمسجد الأقصى المبارك الذي قد يهدّم في أيّ لحظة ويبنى مكانه الهيكل الثالث المزعوم، ولم يعد لهم موضوع إلا هذا: إيران الشيعية الرافضية المجوسية الفارسية..؟!

نفهم أن يخوض في هذه المسائل المذهبية الغوغاء والدهماء على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكنّ ماذا عن المثقفين والأكاديميين الذين يفترض أن يعملوا من أجل وحدة الأمة؟ والأدهى من ذلك كيف ينخرط في مثل هذه الحروب الوهمية التي لا طائل من ورائها دعاة ومنشدون وقارئو قرآن وحتى فقهاء وعلماء؟ كيف يعقل أن يؤسّس قارئ مثل العفاسي قناة فضائية للقرآن الكريم لتكون له صدقة جارية ثم يقع في مثل هذه السّقطات المدوّية التي ستزيد الآلاف من أتباعه تعصّبا وتفكيرا طائفيا ضيّقا؟ بماذا يشعر العفاسي وهو يقرأ قوله تعالى في قناته: “إن هذه أمتكم أمة واحدة…” وغيرها من الآيات التي تحثّ المسلمين على نبذ خلافاتهم والتمسّك بوحدتهم؛ رمز قوتهم وشموخهم ومكانتهم بين الأمم كما كان الحال في القرون الذهبية للإسلام؟

حينما نناصر الإيرانيين في هذه الحرب الجائرة التي تشنّها عليهم قوى الطغيان الأمريكية والصهيونية، فلأنّهم مسلمون مثلنا ولا نرى أنّ اختلافهم المذهبي عنّا مدعاة لخذلانهم ونصرة النصارى واليهود عليهم.. حتى لو حاربت كوريا الشمالية البوذية هؤلاء الجبابرة البغاة لناصرناها عليهم بكلّ قوة، فما بالك حينما يحاربهم مسلمون مثلنا ويكيلون لهم ضربات موجعة. ثمّ إنّ إيران تناصر المقاومة الفلسطينية بغزة وتدعمها بالسلاح والمال والديبلوماسية والإعلام… وتتعرّض بسبب ذلك لحصار غربي قاس منذ سنوات عديدة، في حين تقف دولة محسوبة على أهل السّنة كالإمارات في صفّ العدو الصهيوني، تدعمه بكلّ قوة، وتتآمر معه على المقاومة، ولو استطاعت نسفها من الوجود ما تردّدت لحظة واحدة، فمن هو الأفضل في هذه الحالة: من يقف مع المقاومة الفلسطينية ويدعمها بكلّ قوة ويتحمّل في سبيل ذلك أذى كثيرا تنوء به الجبال، أم من يقف مع الاحتلال ضدّها ويحاصرها بكلّ نذالة وحقارة؟

المسألة ليست شيعة وسنّة، بل مسألة مقاومة مقابل انبطاح وخيانة، لذلك ينبغي أن ننأى بأنفسنا عن هذا التفكير الطائفي البغيض الذي يعمي البصائر، ويؤجّج المعارك الوهمية بين المسلمين، والتي لا تزيدهم إلا ضعفا وتناحرا والأعداء يتربّصون بهم الدوائر، كل يوم ينفردون ببلد إسلامي جديد لتدميره، لا فرق عندهم بين بلد سنّي وآخر شيعي.. فمتى تستفيق الضمائر وتتطهّر القلوب وتتوحّد الصفوف؟ ومتى يقوم الدعاة بدورهم في توحيد الأمة بدل النفخ في رماد الطائفية المقيتة؟

في العقود الماضية، كانت الأناشيد التي تحثّ على الجهاد لتحرير الأقصى وبيت المقدس وفلسطين وبلاد المسلمين المحتلّة حيثما كانت، تملأ الآفاق.. أما اليوم فقد دار الزمن واختلفت المفاهيم وتغيّرت قائمة “الأعداء”، فأصبحنا نسمع “أناشيد” تروّج لمعارك وهمية بين “الفرس” و”أهل التوحيد” ولا تذكر أمريكا والكيان الإجرامي النازي بكلمة واحدة!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!