حائط دكالة بمراكش: هل هو حائط مبكى جديد؟
لطالما تعامل المخزن وآلته الإعلامية التابعة له مع الرعايا المغاربة وكأنهم قطيع من فاقدي الذاكرة والقدرة على التحليل؛ إذ ساد الاعتقاد لدى حاشية المخزن الملكي المغربي وأبواقه أن بإمكانهم تمرير أي رواية، مهما بلغت درجة سذاجتها وتهافتها، ظنا منهم أن الرعية المغربي البسيط سيستهلك أكاذيبهم المغلّفة بشعارات المخزن والملفَّقة بالتسامح والتعايش من دون سؤال. لكن هذه المرة، سقطت ورقة التوت وانكشفت عورة هذا الإعلام “المخزني” بشكل فاضح، حينما حاول تبرير مشهد صلاة “اليهود الحريديم” عند أسوار باب دكالة بمراكش ربيع هذه السنة.
لقد تجرَّأ هذا الإعلام على ادِّعاء أن هؤلاء “اليهود الحريديم” قد داهمهم وقت الصلاة، فقاموا بتأديتها بعفوية في ذلك المكان كما يفعل المسلمون، وهي الرواية التي أرادوا من خلالها استحمار المغاربة وتصوير الأمر كفعل إيماني عابر. لكن الصدمة التي أسقطت القناع عن هذا الخبث الممنهج تمثلت في حقيقة المكان ذاته؛ فكيف لهؤلاء “اليهود الحريديم” المتشددين الذين لا يقربون الصلاة إلا بطهارة مطلقة، أن يختاروا “حائط دكالة” النجس، الذي يعرفه القاصي والداني كمكان لقضاء الحاجة؟
إن اختيار “اليهود الحريديم” لهذا الحائط الملوَّث بالنجاسة لم يكن عبثا، بل كان فعلا سياسيا استعلائيا أرادوا من خلاله إحراج النظام المخزني المغربي وإظهار سيادتهم على الذاكرة حتى في أكثر الأماكن اتساخا. وفي المقابل، أثبت رد فعل الإعلام التابع للمخزن أنه إعلامٌ منفصل عن الواقع، يحاول شرعنة التطبيع والتدنيس وتجميل القبح بوقاحة منقطعة النظير. لقد أكّدت هذه الواقعة أن ذكاء الرعايا كان أقوى من خطط الاستحمار، وأن محاولة تمرير أجندة العودة الصهيونية عبر بوابة “الصلاة فوق النجاسة” قد ارتدّت على أصحابها، لتكشف للعالم أجمع خبث المخزن الملكي المغربي وأبواقِه الذين اعتقدوا واهمين أن الرعايا المغاربة سيصدِّقون مسرحية “وقت الصلاة” فوق حائط النجاسة.
تاريخيا، لم يكن “حائط دكالة” بمراكش مجرد سور أصمّ، بل كان يمثل في الوجدان اليهودي المغربي القديم “حائط مبكى” محلي تُذرف عنده الدموع وتُقام فيه الصلوات؛ لكن هذا المشهد الروحي سرعان ما انهار مع رياح التآمر السياسي؛ فبعد أن أقدم الملك الحسن الثاني على تهجير يهود المغرب في ستينيات القرن الماضي لتعمير الدولة الإسرائيلية الفتية بالعنصر البشري، حدث في الشارع المغربي رد فعل فطري وعميق، فقد اختار المغاربة، الذين عاينوا نكبة 1948 ثم مأساة 1967 وما تلاها من استيطان صهيوني للمنازل والأراضي الفلسطينية، أن يحوّلوا ذلك الحائط الذي كان “مقدسا” عند المغادرين إلى مكان للتبوُّل اليومي.
إن تحويل حائط دكالة إلى مرحاض عشوائي لم يكن مجرد صدفة ناتجة عن إهمال بلدي، بل كان فعلا احتجاجيا صامتا ونكاية شعبية في الصهاينة الذين سرقوا القدس وحوّلوا مساجد فلسطين إلى ثكنات. لقد أراد الإنسان المغربي البسيط، بوعيه الفطري، أن يرسل رسالة مفادها: “إذا كنتم قد دنَّستم أرضنا ومقدساتنا في فلسطين، فها نحن نرد الصاع صاعين بتدنيس أثركم الذي تركتموه خلفكم”.
واليوم، عندما تأتي طائفة “اليهود الحريديم” للصلاة فوق تلك النجاسة، فإنها لا تبحث عن طهارة الروح، بل تحاول كسر إرادة ذلك الانتقام الشعبي، مدعومة بإعلام مخزني خبيث يحاول استغباء المغاربة وتصوير الأمر كفعل إيماني بريء. إن هذه المواجهة فوق حائط دكالة هي في حقيقتها صراع بين “خيانة العهود” التي تشرعن العودة الصهيونية، وبين “ذاكرة الشارع” التي لا تزال ترى في التبول على ذلك الحائط موقفاً سياسياً يرفض مقايضة فلسطين بممالك يهودية وهمية فوق أرض مغربية.
إن اختيار هذا المكان الملوث بالتحديد هو فعل “استرداد رمزي” مشبع بالاستعلاء؛ فبالنسبة لهؤلاء، لا تمثل النجاسة المادية عائقاً أمام إثبات “أحقيتهم” التاريخية المزعومة في الأرض والجدار. إنهم يسعون، من خلال هذه الوقفة الاستفزازية، إلى إيصال رسالة للعالم وللمغاربة بأن حدود مملكتهم المتخيلة تمتد إلى عمق المدن العتيقة، وأنهم مستعدون لانتزاع هذه “القداسة” من وسط الإهمال والنجاسة لفرض واقع جيوسياسي جديد.
وفي ظل هذا “الاختراق” الممنهج، تسقط الأقنعة الخبيثة عن إعلام المخزن الذي حاول بوقاحة تجميل المشهد وتمريره كفعل عفوي، متجاهلاً أن “اليهود الحريديم” لا يعترفون بحدود أو سيادة وطنية بقدر ما يعترفون بخارطة “الممالك اليهودية” القديمة التي يسعون لإحيائها على أنقاض الهوية المغربية. إنها بداية لمرحلة تتجاوز “التطبيع” لتصل إلى “الاستيطان الرمزي”، حيث يُستخدم الحائط النجس كمنصة لإعلان السيادة الصهيونية على الذاكرة والجغرافيا.
بينما تنشغل آلة المخزن الإعلامية بتبرير صلاة “الحريديم” فوق نجاسة حائط دكالة واستغباء المغاربة بروايات “ضيق وقت الصلاة”، تكشف جرافات الهدم في أحياء مغربية عريقة وجها آخر لهذا المشروع يتمثل في تشريد عائلات مغربية ورميها في الشارع من دون رحمة. هذا التزامن بين تمكين الغريب من الذاكرة والجغرافيا وبين اقتلاع المغربي من أرضه وبيته، لا يترك مجالا للشك في أن المخزن المغربي الحالي لا يزال وفيا لـ”عهد الملاح” التاريخي الذي وُضعت لبناته الأولى في عهد السلطان الرشيد عام 1666م.
إن ما نشهده اليوم من تهجير قسري للسكان بذيعة “إعادة الهيكلة” أو “التنمية”، بالتزامن مع فتح المدن أمام زحف الطوائف الصهيونية الاستعلائية، يؤكد استمرارية النهج السلطاني القديم ذاته؛ إذ تُعطى الأولوية لتثبيت أركان “المملكة اليهودية” الرمزية على حساب كرامة الرعية المغربي وحقه في السكن والعيش. فكما وقّع الأجداد قديما عهود الحماية والامتيازات داخل الملاح، يجدد الملك محمد السادس اليوم هذا “العهد” برؤية عصرية، تجعل الرعبية المغربي غريبا في وطنه، ومن “اليهود الحريديم” أصحاب دارٍ يصلون فوق أسوارها الملوثة بزهو العائد المنتصر.
إنها مفارقة مؤلمة تجسِّد قمة الخيانة للذاكرة الوطنية؛ ففي الوقت الذي يُراد فيه للمغربي أن يقبل بالأمر الواقع” وهو يرى بيته يُهدم وحيَّه يختفي، يُراد منه أيضا أن يصدِّق خبث الإعلام المخزني الذي يصوِّر له تدنيس “باب دكالة” كفعل إيمان بريء. لقد سقط القناع عن السياسة المخزنية التي لم تتغير منذ قرون، والتي ترى في “العهد مع الملاح” ركيزة للوجود، ولو كان ثمن ذلك رمي الشعب في غياهب الشوارع وضياع السيادة فوق حوائط النجاسة.
لم يكن موقف عبد الإله بنكيران، رئيس أكبر حزب بمرجعية إسلامية ورئيس الحكومة الأسبق، إلا رصاصة الرحمة على ما تبقى من مصداقية النخبة السياسية في مواجهة “الاختراق الصهيوني”، فعندما سُئل عن صلاة “الحريديم” فوق نجاسة حائط دكالة، لم يجد الزعيم الإسلامي حرجا في إحالة الملف إلى وزير الشؤون الإسلامية والملك، مدعيا أنه “بعيدٌ عن المسألة”، في محاولة مكشوفة للتنصل من المسؤولية الأخلاقية والسياسية.
هذا الهروب ليس مجرد “تُقية” سياسية، بل هو اعتراف ضمني بأن حزب “الكانكي” كغيره من حواشي المخزن، يعرف جيدا الأسرار الكامنة خلف عهد الملاح المتجدد، لكنه يختار الصمت المنهجي حفاظا على مكاسبه داخل المنظومة. إن بنكيران، الذي يدرك تمام الإدراك أن اختيار “الحريديم” لمكان نجس هو رسالة سياسية واستعلاء على الهوية المغربية، آثر أن يلعب دور شاهد الزور الذي يترك الساحة للإعلام المخزني كي يستمر في استغباء المغاربة.
إن تذرّع بنكيران بأن الأمر “تخصص ملكي” هو قمة الاستسلام؛ فكيف لحزب يرفع شعار الإسلام أن يصمت عن تدنيس الرموز الوطنية وعن تهجير المغاربة من أحيائهم ورميهم في الشوارع لتعبيد الطريق أمام “المملكة اليهودية العائدة”؟ إن هذا التواطؤ يثبت أن “العهد” الذي بدأه السلطان الرشيد عام 1666م، لا يزال محميا بأسوار من صمت السياسيين الذين يفضلون حماية أسرار الدولة على حماية كرامة الرعايا المغاربة. لقد سقطت ورقة التوت عن الجميع: عن إعلام استمرأ الكذب، وعن “إسلاميين” أدمنوا الانبطاح، وعن مخزن يضحِّي بأبناء المغرب وفاءً لعهود قديمة تُكتب اليوم بمداد الهدم والتهجير فوق حوائط النجاسة.
إن تحويل حائط دكالة إلى مرحاض عشوائي لم يكن مجرد صدفة ناتجة عن إهمال بلدي، بل كان فعلا احتجاجيا صامتا ونكاية شعبية في الصهاينة الذين سرقوا القدس وحوّلوا مساجد فلسطين إلى ثكنات. لقد أراد الإنسان المغربي البسيط، بوعيه الفطري، أن يرسل رسالة مفادها: “إذا كنتم قد دنَّستم أرضنا ومقدساتنا في فلسطين، فها نحن نرد الصاع صاعين بتدنيس أثركم الذي تركتموه خلفكم”.