الجزائر
غش وتسريبات وتراجع في المستوى ونسبة النجاح

إصلاح البكالوريا حتمية لإنقاذ مصداقية الشهادة وردّ الاعتبار لخريجي الجامعة

الشروق أونلاين
  • 8162
  • 12
الشروق

فتحت فضائح التسريبات والغش، التي تحدث من حين لآخر عند اجتياز شهادة البكالوريا الباب واسعا أمام الطعن في مصداقية هذه الشهادة، التي وعدت الوزيرة نورية بن غبريط بإعادة الاعتبار لها، لكن من دون جدوى. الكثير من الخبراء في قطاع التربية، اعتبروا هذه الأزمات امتدادا لنظام قديم لم يعد يتماشى مع التطورات الحاصلة في القطاع وطالبت بإعادة النظر فيه، غير أن من كان بيدهم القرار لم يتحمسوا لتلك المقترحات فبقيت الأمور على حالها. فما أثر التسريبات الأخيرة على مصداقية الشهادة الأغلى في مسيرة التلميذ؟ وما جدية الدعوات الرامية إلى إعادة النظر في نظام إجراء شهادة البكالوريا للحفاظ على مصداقيتها؟ وما حقيقة ما تردد عن توجيه المنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة “اليونيسكو” إنذارين لشهادة البكالوريا في الجزائر؟ هذه الأسئلة سيحاول الملف السياسي لهذا العدد الإجابة عليها.

 

تعدد المطالب بمراجعة نظام إجراء الشهادة ولا مجيب

الإرادة السياسية خيار لإنقاذ مصداقية البكالوريا

يحصي التاريخ الحديث لشهادة البكالوريا في الجزائر أحداثا كبيرة، أثرت على سمعة هذه الشهادة المحورية في المسيرة التربوية لأي تلميذ، آخرها ذلك الذي عاشت على وقعه امتحانات هذه السنة، فما مدى تأثير هذه الأحداث على مصداقية هذه الشهادة وخاصة لدى المؤسسات الدولية المخولة بمراقبة مستوى مثل هذه الاستحقاقات؟

ويذكر المتابعون للشأن التربوي حادثة التسريب الشهيرة التي وقعت في العام 1992، في عهد الوزير الأسبق علي بن محمد، لما أقدمت أطراف مجهولة آنذاك، باستخدام سيارات مجهولة على توزيع أسئلة الامتحان على المترشحين، وهو ما أدى إلى إعادة برمجة الاختبارات، وانتهى الأمر بالوزير إلى تقديم استقالته  .

أما الحادثة الثانية فتمثلت في السنة البيضاء التي عاشت مدارس ولايات منطقة القبائل على وقعها في منتصف التسعينيات، بسبب الإضراب الذي شهدته تلك المنطقة من أجل المطالبة بترسيم اللغة الأمازيغية  .

الحادثة الثالثة تمثلت فيما عرف بفضيحة “الغش الجماعي”، التي عاشت بكالوريا سنة 2013 على وقعه، وذلك في عهد وزير التربية السابق عبد اللطيف بابا احمد، لما أقدم مترشحون ببعض مراكز الامتحانات على ممارسة الغش الجماعي، في موقف احتجاجي على صعوبة الأسئلة التي طرحت عليهم في اختبار مادة الفلسفة شعبة آداب وفلسفة، والذين تمت معاقبتهم بإقصائهم من اجتياز البكالوريا لمدة سنة واحدة، بعد تدخل من الوزير الأول عبد المالك سلال  .

وكان الحادث الرابع الأبرز هي التسريبات التي طالت بكالوريا العام الجاري، والتي مست مواد التاريخ والجغرافيا والإنجليزية والرياضيات والفلسفة والفرنسية والعلوم الطبيعية والفيزياء، واضطرت معها الحكومة لتنظيم بكالوريا جزئية، لترقيع ما أفسدته التسريبات  .

مثل هذه الأحداث لا شك أنها ستؤثر على مصداقية الشهادة، وقد ذهبت مصادر غير رسمية إلى القول بأن الجزائر تلقت إنذارين من طرف المنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة “اليونيسكو”، وهي المعلومات التي لم تؤكدها ولم تنفها الجهات الرسمية في حينها، وزادت المخاوف من أن تكون التسريبات الأخيرة سببا قد يدفع “اليونيسكو” مجددا، إلى توجيه إنذار ثالث، قد يأتي على الأخضر واليابس، وهو الأمر الذي تم تفاديه لحد الساعة  .

ويقوم تقييم شهادة البكالوريا عادة من قبل منظمة “اليونيسكو”، على أمرين أساسيين، أولهما ما تعلق بطبيعة النتائج المسجلة في الامتحان (الشهادة)، وثانيهما مستوى عمليات الغش الممنهج التي قد تحدث، وهما عاملان حاسمان قد يدفعان إلى عدم الاعتراف بالشهادة  .

وإن نفى المدير العام السابق لديوان الامتحانات والمسابقات، علي صالحي، الذي قضى بهذا المنصب نحو عقدين من الزمن، أن تكون مصالحه قد تلقت خلال أدائه لمهامه أي إنذار أو عتاب من منظمة “اليونيسكو”، يطعن في مصداقية شهادة البكالوريا، إلا أن استمرار وقوع مثل هذه المطبّات من حين إلى آخر، قد يؤدي إلى تضرر سمعة هذه الشهادة في أعين الجهات المخولة بمراقبة مصداقيتها، الأمر الذي قد ينجر عنه قرارات راديكالية لا يتمناها أحد.

ولعل وزيرة التربية الوطنية، نورية بن غبريط، تكون قد أدركت هذا التحدي، وهو ما كان وراء عقدها العزم العام المنصرم، على استرجاع مصداقية الشهادة، بينما كانت بصدد التلميح إلى أن نتائج البكالوريا في عهد أسلافها، كانت سياسية، غير أن الضربة جاءتها من حيث لم تكن تدري، عام بعد ذلك، بانضمامها إلى وزراء التربية الذين هزت الفضائح قطاعهم.

ويكشف ما جاء على لسان مدير ديوان الامتحانات والمسابقات السابق في حواره لـ”الشروق”، أن الجهات الوصية مباشرة على قطاع التربية، مقتنعة تماما بضرورة إعادة النظر في نظام إجراء البكالوريا، غير أن الإرادة السياسية تبدو غير متوفرة، بدليل تجاهل كل من الوزير الأسبق أبو بكر بن بوزيد وخلفه عبد اللطيف بابا أحمد، لتلك المقترحات.

 

أستاذ التعليم العالي البروفيسور جمال ضو :

بن بوزيد سيّس البكالوريا وأفقدها المصداقية!

 هل تعتقد أن شهادة البكالوريا قد فقدت الكثير من قيمتها العلمية ومصداقيتها الاجتماعية؟

 البكالوريا فقدت منذ سنوات عديدة وليس اليوم قيمتها ومصداقيتها، وحتى نكون دقيقين منذ أن خلد الوزير السابق بن بوزيد لسنوات على رأس الوزارة من دون مساءلة أو مراجعة، وغدت النتائج تقرر بشكل سياسي تقريبا، ومنذ أصبحت المعدلات المرتفعة ظاهرة بعد أن كانت استثناء،  فقدت البكالوريا بالضرورة مصداقيتها الاجتماعية، فالحصول عليها بمعدل أقلّ من 13 أصبح يكافئ عدم الحصول عليها تقريبا.

 

ألا تعكس الأرقام المعلنة بشأن نتائج الامتحانات النهائية أيّ تحسّن في مردود العملية البيداغوجية؟

في الواقع ما يجب أن يحصل هو العكس، فارتفاع نسب النجاح لا يعبر بالضرورة عن  تحسن المستوى ولا عن ترديه، ولكن الشاهد في الجزائر أن ارتفاع نسب النجاح تزامنت مع تدهور مستوى التلاميذ، وهذا يكشف عليه مستواهم عندما يلتحقون بالجامعة.  ولهذا فإن أول نتيجة طبيعية لأي محاولة إصلاح سيكون انخفاض نسب النجاح في البداية على الأقل، إذ يجب أن تتوافق نسب النجاح مع حاجيات الجامعة واحتياجات سوق العمل. ولو أخذنا دولة مثل سويسرا نموذجا، فإن نسب النجاح لا تتجاوز 20%، بينما دولة مثل فرنسا، والتي يبدو أننا نتبع خطواتها، ارتفعت فيها نسب النجاح بشكل كبير متزامنا مع انخفاض واضح في المستوى، وهو ما جعل وزير تربية فرنسي سابق Luc Ferry يقول “أنه عليك اليوم أن تقدم طلبا لكي لا تحصل على البكالوريا!”.

 

ما هي برأيكم أسباب التراجع بشكل عام في مستوى التحصيل العلمي في المدرسة الجزائرية؟

هناك أسباب متعددة، أهمها اعتماد مناهج وبرامج لا تتناسب والواقع الجزائري، انخفاض مستوى الأساتذة وسوء التكوين، خاصة بعد إغلاق المعاهد التكنولوجية، وعدم قدرة المدارس العليا للأساتذة على تخريج العدد الكافي، انهيار مستوى جامعاتنا، أيضا نسبة كبيرة من المدرّسين يعملون كمستخلفين يتم تغييرهم كل سنة وربما في السنة الواحدة مرتين، كثير من الأقسام تبقى بدون مؤطرّين لشهور، غياب الضمير المهني،  الاكتظاظ المدرسي والذي لا يتناسب مع المقاربة بالكفاءات، التي تحتاج لتفاعل التلاميذ مع الأستاذ، الكتب معدّة بشكل يحتم على الأستاذ استعمال المقاربة بالكفاءات وإجراء التجارب، وهو ما لا يحصل عموما، مما جعل كثيرا من كتب الفيزياء والعلوم الطبيعية منقطعة تماما عن الواقع وغير مفيدة، الاعتماد على الحشو وكثافة البرامج وكثرة المواد، حالة التسيب والعنف واستشراء الغش وغياب الصرامة في التسيير، أفقد المعلم والأستاذ والمدرسة هيبتها، وأصبحت المؤسسات التعليمية تعيش في فوضى منذ عهد بن بوزيد الذي ترك الحبل على القارب.


معنى ذلك أنّ “الإصلاحات” التي عرفتها المناهج في السنوات الأخيرة انعكست سلبًا على جوهر التكوين؟

من المؤكد أن الإصلاحات كان لها دور كارثي كما أشرنا، لأنها كانت مناهج وبرامج منقطعة عن الواقع ولم تعدّ لها الأرضية، وكانت ارتجالية فوقية، غابت عنها الدراسة والحوار المجتمعي، وكثير منها استنساخ للبرامج الفرنسية بشكل سيء، لا يراعي لا الفروق في الإمكانيات ولا مدى نجاعة هذه الإصلاحات في منبتها أصلا.

 

لكن ما مدى تأثير الاستعمال المفرط للتكنولوجيات الحديثة على نشاط العقل البشري وعلاقته بتراجع مستوى التلاميذ؟

من المؤكد أن التكنولوجيات الحديثة أثرت كثيرا على مستوى التلاميذ وشتتهم، وهذه ظاهرة عالمية، ولكن إرهاصات انهيار مستوى تعليمنا بدأت قبل انتشار هذه الوسائل بهذا الشكل، كما أن للتكنولوجيات الحديثة تأثيرات إيجابية إذا تم استغلالها بشكل عقلاني، واستعمالها في التربية والتعليم لتعويض الأثر السلبي من ناحية أخرى، ولكنها لم تدخل التكنولوجيات الحديثة  مجال التعليم إلى اليوم.

 

ألا يعتبر أيضا الزهد الاجتماعي في العلم كقيمة عاملاً آخر في تراجع الاهتمام بالتحصيل البيداغوجي؟

هذا صحيح، والأمر يعود إلى سوء التوجيه وغياب سياسات اقتصادية رشيدة تربط سوق العمل بالمدرسة والجامعة، فالشهادات الجامعية لم تعد تعني شيئا، وربما كثير ممن وفّقوا اجتماعيا هم من أولئك الذين اختصروا الطريق ولم يدخلوا الجامعة أصلا.

 

المدير العام السابق لديوان الامتحانات والمسابقات لـ”الشروق”

اقترحت على بن بوزيد وبابا أحمد مراجعة نظام البكالوريا

 يجزم، المدير العام السابق للديوان الوطني للامتحانات والمسابقات، علي صالحي، في الحوار الذي أجراه مع “الشروق”، أنه حان الوقت لإعادة هيكلة امتحان شهادة البكالوريا بدءا باعتماد بكالوريا على مرحلتين لرفع نسبة النجاح، مؤكدا أن الجزائر لم تتلق أية تحذيرات من منظمة “اليونسكو”، وعليه فالبكالوريا الجزائرية معترف بها في جميع دول العالم دون استثناء، مشددا بأن “التسريبات” لم تؤثر على النسبة ولا على تراجعها، لأنها جاءت في آخر مرحلة.

 

بلغت نسبة النجاح في البكالوريا للدورتين الأولى والجزئية 49.79 بالمائة، بحيث عرفت النتائج تراجعا بنسبة 2 بالمائة مقارنة بالسنة الماضية، فما تعليقكم على هذا التراجع؟

أعتقد أن نسبة 2 بالمائة لا تمثل تراجعا كبيرا، مقارنة ببكالوريا السنة الماضية، ورغم ذلك كنا ننتظر تحسنا في النتائج على اعتبار أن الموسم الدراسي قد عرف استقرارا دون تسجيل إضرابات، وبالتالي فالخلل يكمن في “التحضير” لامتحان مصيري طيلة سنة دراسية، وكذا في التكوين الذي تلقاه المترشح، إضافة إلى العوامل النفسية والظروف المحيطة به التي تلعب دورا هاما في رفع النسبة أو في انخفاضها، لأن المترشح الذي حضر نفسه جيدا، أكيد سيجيب وسينال الشهادة والمترشح الذي أهمل دروسه فأكيد لن ينال النجاح.

 

ألا تعتقدون أن فضيحة التسريبات التي مست جل المواد في البكالوريا الرسمية، قد عصفت بمكتسبات امتحان البكالوريا منذ سنة 1962، وأفقدت الشهادة ما تبقى من مصداقيتها؟

لا، ليس للتسريبات علاقة بتراجع النسبة، على اعتبار أنها قد حدثت في المرحلة الأخيرة من التحضيرات، أي في اليوم الأول من امتحان البكالوريا، وما أود أن أقوله أن الخلل لا يكمن في “التسريبات” لوحدها، و ليس عدلا أن نلصق تهمة “التسريبات” بتراجع المستوى وفقدان الشهادة لمصداقيتها، على اعتبار أنه قد حان الوقت لإعادة هيكلة امتحان شهادة البكالوريا للحفاظ على مصداقيته بتحديد النقائص ومعالجتها.

 

هل مصداقية الشهادة تحددها الأرقام أو المستوى العلمي؟

هما عاملان يكملان بعضهما البعض، فنسبة النجاح المعلن عنها سنويا تترجم مجهودات الأساتذة طيلة موسم دراسي والتلاميذ على حد سواء، وعليه وللتعرف على المستوى العلمي والحقيقي للمترشحين، نستعين بالأرقام عموما والتقديرات على وجه خاص التي توضح لنا ذلك بدقة، وحينها نتعرف على عدد التلاميذ الذين تحصلوا على الشهادة بتقدير ممتاز وجيد وغيرها، وبالتالي إذا كان عددهم كبيرا فالمستوى العلمي جيد، وإذا كان عددهم قليلا فهذا يترجم المستوى الضعيف للتلاميذ.

 

ما حقيقة تلقي الجزائر لانتقادات من قبل منظمة “اليونسكو” أو غيرها من المنظمات الدولية بخصوص مصداقية شهادة البكالوريا؟

طول المدة التي قضيتها بالديوان الوطني للامتحانات والمسابقات والتي امتدت على مدار 20 سنة كاملة، لم نتلق أية انتقادات سواء من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونسكو”، أو من منظمات أخرى، وشهادة البكالوريا طيلة تلك السنوات معترف بها في جميع دول العالم دون استثناء، لكن قبل 1994 ليست لدي أية معلومات عن تلقي الجزائر لتحذيرات من عدمها.

 

ما الحلول التي تقترحونها إذن لإنقاذ مصداقية امتحان البكالوريا؟

كنت قد قدمت جملة من المقترحات خلال عهدة الوزير الأسبق أبو بكر بن بوزيد، الذي أبدى نيته لاعتمادها شريطة دراستها، بحيث اقترحت تنظيم بكالوريا أولى في المواد الثانوية في السنة الثانية ثانوي، على أن يتم تنظيم بكالوريا رسمية ثانية في السنة الثالثة ثانوي أين يتم اختبار المترشحين في المواد الأساسية فقط، وهي الإجراءات التي ستقلص في أيام البكالوريا، وسترفع لا محالة في نسبة النجاح الوطنية، على اعتبار أن التلميذ في الفترة الصباحية يتلقى دروسه، ليتم استغلال الفترة المسائية لتكوينه وحل التمارين وحل مشاكله، لدى التقائه بأساتذته.

وبعد قدوم الوزير السابق بابا احمد عبد اللطيف، عاودت طرح نفس المقترحات عليه، لكنه لم يقدم لي إجابات، وظل المشروع حبيس أدراج وزارة التربية، وبالتالي إذا فعلا تم اعتماد نفس الإجراءات سنعيد للشهادة هيبتها ومصداقيتها.

مقالات ذات صلة