الرأي

إعادة التأهيل العضوي لدولة معتلة

حبيب راشدين
  • 3231
  • 4

قبل أن يستعيد بالكامل صحته وعافيته، إن كان قد اعتل أصلا، رئيس الجمهورية يخضع جهاز الاستخبارات لـ “إعادة التأهيل العضوي” المؤجل منذ عهدتين، ويطهر مرفق الحكومة بـ “الديتول” المعقم، ويريح رهط المضاربين من إشغال النفس بمضاربة خاسرة على كرسي الرئاسة حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من صحيفة الدستور “المعدل جينيا”.

التغييرات العميقة والواسعة التي أدخلها الرئيس مؤخرا على هياكل مؤسسة الجيش والحكومة ثم المجلس الدستوري، لم تكن مع أهميتها هي التي فاجأت الطبقة السياسية والمراقبين للمشهد السياسي في الجزائر، بقدر ما فاجأها الانتقال من حالة، كانت ترصد فيها استكمال مشهد “الفراغ الدستوري” وخلو الطريق للمنافسة مجددا على قصر المرادية، إلى حالة ينجز فيها الرئيس ما استعصى عليه طوال عهدتين ونصف العهدة، خاصة ملف توحيد مركز القرار القيادة داخل مؤسسة الجيش، بإعادة هيكلة جهاز المخابرات فيها المعروف بالـ “دي آر آس”.

 .

“علبة سوداء” اشتعل لها الرأس شيبا 

علينا أن نلتمس الأعذار للطبقة السياسية التي اعتادت منذ نشأتها على اختزال الدولة في مواقع الريع السياسي الثلاث: الرئاسة والحكومة والبرلمان، فلم تكلف نفسها عناء البحث في المراكز الحقيقية الوازنة في صنع قرار الدولة، وعلى رأسها مؤسسة الجيش، ومنها تحديدا مؤسستها الأمنية، وإلا كانت قد اقتنعت من قبل، مثل قلة من العرافين بالشأن الجزائري، أنه لا أمل في أصلاح الدولة قبل إعادة ترتيب الأوراق داخل مؤسسة الجيش، وتفكيك وإعادة تركيب ما يسميه البعض بـ “العلبة السوداء” 

يقينا لم يكن من الممكن للرئيس بوتفليقة ـ ولا لغيره ـ التقدم خطوة واحدة نحو إصلاح الدولة، قبل معالجة معادلات مركبة ومعقدة داخل مؤسسة الجيش، التي وإن كانت قد غادرت ظاهريا واجهة السلطة منذ انتخاب الرئيس اليامين زروال، فإنها ظلت في قلب صناعة القرار السياسي سلبا أو إيجابا، لها الكلمة الأولى والأخيرة، ليس فقط في حسم الخيار والقرار حيال أهم موقع للحكم بقصر المرادية، بل في توزيع بقية ريع السلطة على المستويين المركزي والمحلي.

 

 

 

“قبل أن يقترب الرئيس من أعادة تنظيم “العلبة السوداء” داخل “العلبة السوداء الأم” أعاد الإمساك بمؤسسات الأمن الوطني، لينهي حقبة كان مركز صناعة القرار داخل المؤسسة والدولة مناصفة بين الدولة والدولة داخل الدولة”

الرئيس بوتفليقة ـ وهو القادم من صفوف جيش التحرير، وأحد رموز الدولة التي نشأت في 19 جوان، واستمرت إلى يومنا هذا ـ يعرف أكثر من غيره من أين تؤكل الكتف في هذا النظام المحكوم بأدوات تعمل خلف الستار، وقد حاول منذ بداية العهدة الأولى الاقتراب بحذر من “العلبة السوداء” واجتهد قبل أن يعوقه المرض في تنفيذ عملية تفكيك وإعادة تركيب منهجية، لم يتوقف عندها شخوص المشهد السياسي، ولا عند الفترات التي كنا نشاهد فيها الرئيس يقدم رجلا ويؤخر أخرى حيال ملف إصلاح الدولة عبر إصلاح الدستور. 

  .

قائد “يصلح” بقايد صالح

الإمساك بمفتاح “العلبة السوداء” بدأ مع إعادة تنظيم هيئة الأركان تحت إمرة الفريق أحمد قايد صالح، ومنحه صلاحيات واسعة حررت هيئة الأركان، وسمحت لها بتوحيد قيادة وحدات الجيش القتالية، التي تضررت كثيرا من تبعات مرحلة محاربة الإرهاب، كما استفيد من وصول جيل كامل من الضباط الشباب إلى مواقع المسؤولية، وانحسار المواقع التي كانت تحتلها العناصر القادمة من جيش الاحتلال.

وقبل أن يقترب الرئيس من إعادة تنظيم “العلبة السوداء” داخل “العلبة السوداء الأم” ممثلة في الـ “دي آير آس” انصب اهتمامه على إعادة الإمساك بمديرية الأمن الوطني، مع تعيين الجنرال الهامل، القادم من الدرك الوطني خلفا للمغفور له تونسي، والإمساك بمؤسسة الدرك الوطني التي أعيد إدماجها بمؤسسة الجيش تحت إمرة هيئة الأركان، وكانت كلها خطوات تحظر للخطوة الأخيرة التي أنهت حقبة من الزمن، كان مركز صناعة القرار داخل المؤسسة والدولة، هو في الحد الأدنى، مناصفة بين هيئة الأركان والمؤسسة التي ظلت بقبضة الفريق مدين المدعو توفيق.

   الإجراءات التنظيمية الأخيرة أسالت كثيرا من الحبر، وذهب من ذهب إلى التفسير التقليدي المبتذل، الساذج والسطحي، بتصوير ما حصل على أنه صراع بين أجنحة في السلطة، وكأنه يفسر الماء بالماء، أو يتجاهل أن الصراعات داخل السلطة هي من صميم وطبيعة أي سلطة، حتى في أعرق الديمقراطيات الغربية، بل هي سنة من سنن الحياة، حتى داخل خلية الأسرة بين الأب والأم، وبينهما وبين الأبناء، وتدخل الأصول والفروع.

  .

“توافق” مع الدولة داخل الدولة

 وفي المقابل، يكون الرد الذي أوحت به أمس الأول “مصادر متطابقة” لـ “الشروق” حول مفردات “التوافق” و”التنسيق” التي جرت في ظلها التغييرات، هو الرد المعتاد والمرتقب من أي سلطة تعمل بمنطق الإنكار حيال ما يروج عن صراعاتها، ولأن القول كما ذكرت “المصادر المتطابقة” للزميل جمال لعلامي: أن التغيير “جاء عبر تنسيق بين رئيس الجمهورية، وزير الدفاع الوطني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبين الفريق أحمد قايد صالح، نائب وزير الدفاع، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، وكذا الفريق محمد مدين (توفيق) قائد جهاز المخابرات، وأنه لم ينتج عن أي صراع”.

وحتى مع استبعاد حالة “الصراع”، فإن القرار قد غير من معادلة ظلت قائمة منذ التسعينيات تحكم موازين القوة مع القوة التي اكتسبها جهاز المخابرات في الأزمنة المضطربة التي أعقبت أحداث أكتوبر، ثم توقيف المسار الانتخابي، ودخول البلد في دوامة العنف قرابة العقد من الزمن، توسع خلالها نفوذ الجهاز خارج مؤسسة الجيش، ليشمل جميع مؤسسات الدولة على المستويين: المركزي والمحلي، وكان له الدور الحاسم في إدارة المسارات الانتخابية، والتعيينات في أسلاك الدولة، وحياة ونشاط الأحزاب، والنقابات، وتنظيمات المجتمع المدني، والإعلام، ليصبح بمثابة “دولة داخل الدولة” إن لم يكن هو الدولة.

لا مراء أنه، وحتى مع قبول مفردة “التنسيق” مع الفريق مدين، فإن التغيير قد فكك جزئيا هذه “العلبة السوداء” على الأقل في مرحلة أولى، بإلحاق مديرية “أمن الجيش” بهيئة الأركان مباشرة، بعد أن كانت تابعة لمديرية الـ “دي آر آس” وتعيين الجنرال لخضر خلفا للجنرال جبار.

  .

 إعادة التأهيل العضوي للـ “DRS  

التغيير لم يكتف بفصل مديرية “أمن الجيش” عن المديرية التي يترأسها الفريق مدين، بل يحضر لفصل نهائي، مؤملا إن لم يكن مرتقيا، بين وظيفتين أمنيتين كان الخلط بينهما قد ألحق أضرارا كثيرة بالوظيفة الأمنية الأصيلة، سواء العسكرية أو التي لها علاقة ببقية مؤسسات الدولة والأمن الداخلي والخارجي، وهي مقدمة لإعادة صياغة ـ قادمة لا محالة ـ لوظيفة وصلاحيات جهاز الاستخبارات، وإعادة توجيه تدخله في الحياة المدنية العامة، وفي الشأن السياسي، بما يحفظ أساسيات الأمن من جهة، ولا يعوق الحريات الفردية والعامة، ومنها تحرير المشهد السياسي مستقبلا من تبعات التدخل الفج للمؤسسات الأمنية في نشاط الأحزاب.

أغلب الظن أن المشهد السياسي الموروث عن دستور 89 سوف يجد صعوبة كبيرة في التأقلم مع هذا الواقع الجديد، إذا ما وفق الرئيس في إعادة صياغة وظيفة ومهام جهاز الاستخبارات، لأن كثيرا منهم قد تعود على “المساومة” مع الدولة عبر ضمان رضا “الجهاز” لا يستثنى أحد من مكونات المشهد السياسي والجمعوي والنقابي والإعلامي، وقد يجد من يريد أن يذهب نحو هذا الإصلاح كثيرا من المعارضة عند أفرقاء المشهد، أكثر مما يتوقعه من عراقيل من جهة “الجهاز” نفسه، الذي يكون قد فقد من سلطانه الكثير بربط مديرية “أمن الجيش” بهيئة الأركان، وانضوائه مجددا تحت القيادة المباشرة لرئيس الأركان، نائب وزير الدفاع.

“التغيير الوزاري يكون قد أبعد من الوزارة “مراكز نفوذ” أكثر مما أبعد وزراء بعينهم، وأعاد “رجال الرئيس” وأنهى علاقة الوزارة بالأحزاب، ليسد أبوابها أمام تدخل “مراكز النفوذ” حتى لا تشوش على الترتيبات القادمة بشأن الرئاسيات”

ثمة إشارة لافتة إلى الخلفية التي قادت إلى التسريع بتغيير، كان دائم الحضور في أجندة الرئيس، نلمسها في ما أوحت به “الحنجرة العميقة” ليومية “الشروق” في عدد أول أمس حيث نقرأ: “إن التغيير الذي ألحق »أمن الجيش« بقيادة الأركان.. فرضته متغيرات إستراتيجية، ومؤشرات مرتبطة بالمخاطر التي تهدد الجزائر على حدودها، وبخاصة العدوان الإرهابي الذي استهدف قاعدة تيغنتورين، وكذا الأمن الإقليمي، والوضع في دول الجوار، خاصة في مالي ليبيا وتونس،، ما يعني أنه يتعين على قيادة الأركان أن تكون ملمة أيضا بوضعية ضباطها وجنودها لمواجهة هذه المخاطر، ولم يكن ذلك من السهل في ظل بعض التداخل في الصلاحيات سابقا”.

  .

خطيئة “تغنتورين” تلاحق آل مدين

فمن الواضح أن ما نفته الـ “مصادر مرتبطة” للشروق حيال براءة التغيير من تهمة “الصراع” قد أقرته في النهاية بعبارات منتقاة بعناية، تحمل  مديرية الاستخبارات المسؤولية عن “الاختراق الأمني” الخطير في قاعدة تيغنتورين، وقدرا من التقصير في رصد وإدارة التهديدات الناشئة في دول الجوار، ومنها تحديدا مالي، كما تلمح إلى حاجة قيادة الأركان إلى “الإلمام بوضعية ضباطها وجنودها لمواجهة هذه المخاطر” وأن ذلك “لم يكن ممكنا في ظل بعض التداخل في الصلاحيات” في إشارة غير مشفرة إلى مديرية الـ “دي آر آس” بهيكلتها السابقة، بما يوحي أيضا أن التغيير يكون قد استجاب لمطلب قديمة لهيئة الأركان، قد توفرت له الأسباب والدوافع في السنتين المنصرمتين.

ولأجل ذلك، لا أعتقد أن التغيير داخل مؤسسة الجيش له علاقة مباشرة بتفعيل أحد السيناريوهات الثلاث المطروحة بشأن الرئاسيات القادمة، كما شاع بين شخوص المشهد السياسي، على خلاف التغيير الوزاري الأخير الذي يكون قد أبعد من الوزارة “مراكز نفوذ” أكثر مما أبعد وزراء بعينهم، وأعاد إلى الوزارات السيادية من يوصفهم الإعلان  بـ “رجال الرئيس” وإنهاء أية صلة بين الوزارة وأحزاب ما كان يسمى بـ “الإئتلاف الرئاسي”، ليس بهدف إقفال لعبة الرئاسيات القادمة، كما تقول المعارضة، ولكن لسد أبواب الوزارة أمام تدخل “مراكز النفوذ” وهي حالة من “التأمين المؤقت” للوزارة، على الأقل في الوزارات السيادية، حتى لا تشوش على الترتيبات القادمة بشأن الرئاسيات، والتي لن تحسم إلا بعد أن يحسم الموقف من تعديل الدستور من عدمه.

  .

والقول ما تقول “الصح ـ آفة”

بلغة “الصح ـ آفة” الساخرة كنت سأجمل القول في فقرة واحدة تجمع بين الاستهلال والمتن والخاتمة، قد تكون هذه إحدى صيغها: “قبل أن يستعيد صحته وعافيته، إن كان قد اعتل أصلا، رئيس الجمهورية يخضع جهاز الاستخبارات لـ “إعادة التأهيل العضوي” المؤجل منذ عهدتين، ويطهر مرفق الحكومة بسائل “الديتول” المعقم، ويريح رهط المضاربين من مئونة الدخول في مناقصة خاسرة، تراهن على قرب شغور قصر المرادية، وأن يصوموا عن الخوض في تجديد العهد من تمديدها، حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من صحيفة الدستور المعدل جينيا”.

مقالات ذات صلة