إعدام الموتى!
الحديث عن محاربة الفساد يستدعي الحديث عن محاسبة المفسدين ومعاقبتهم.. لكن، ألا يجب القول بأن شكيب خليل، المتهم بكلّ فضائح سوناطراك، لا معنى لإعدامه اليوم، وقد تولـّى بنفسه، إعدام ضميره، فالذي يملك ضميرا حيّا لا يقبل أبدا رشوة بمبلغ 256 مليون دولار!
ربّما، أنه لا فائدة من “إعدام ميّت”، لأن مصيبة المصائب هي أن الذي مات ضميره وماتت أخلاقه وماتت روح المسؤولية فيه، يتحوّل إلى “ميّت” لن يشعر بحبل المشنقة يلتف حول رقبته، طالما أنه أعدم نفسه بنفسه قبل أن يصدر في حقه حكم الإعدام بتهمة التورط في جرائم فساد!
وزير الطاقة السابق، يلتزم الصمت، رغم تهاطل التهم فوق رأسه، ورغم كلّ الذي قيل ويُقال على صفحات الجرائد الوطنية والعالمية، فإن شكيب مضرب عن الكلام، وقد دخل الجزائر وغادرها من وهران دون أن يُدلي بأيّ تصريح أو تلميح. وكلّ ما تسرّب، أن “المتهم” بمحاولة إفلاس وبيع “البقرة الحلوب” للجزائريين، باع ممتلكاته أو شرع في بيعها!
التحقيقات متواصلة، لكن “غير الرسمي” في فضائح سوناطراك غلب وتغلّب على “الرسمي”، في انتظار انتهاء التحريات حول المتورطين الحقيقيين في نهب أمّ الشركات الجزائرية والعبث بأملاكها وثرواتها وأموالها!
آخر المعلومات تنقل أن الجهات المخوّلة قانونا، لجأت إلى ما يُمكن تسميته “تأميم” ممتلكات شكيب خليل، وهو إجراء احترازي لتفادي الأسوإ، ومحاولة “استرجاع” قليل القليل من المسروقات التي توجّه فيها التهم بالجملة والتجزئة إلى وزير الطاقة السابق!
نعم، لا فائدة من إعدام ميّت، والطامة الكبرى، أن عدد “الموتى-حيّين” كبير وكثير، وقد تمكّن منهم الفساد والإفساد فانتقلوا إلى مرحلة تفريخ المفسدين و”أفسدة” كلّ شيء جميل في هذا البلد الذي يستحقّ التقدير والعرفان.
الأنفع في الظروف الاستثنائية والحرجة، هو إعدام الأحياء، بدل الأموات، شريطة أن يكون هذا الإعدام عادلا وغير ظالم، وبعيدا عن الأحكام المسبقة والانتقام وتصفية الحسابات، ولا يهمّ إن كان الإعدام شنقا أو خنقا أو حرقا أو سياسيا أو اجتماعيا، المهمّ أن يُنفذ الحكم في المتورطين، وفي حوت القرش والبالين قبل سمك الشبوط والسردين!
نعم، إعدام “الأحياء” أهمّ وأبقى من إعدام “الأموات”، والأهمّ من ذلك تنفيذ أحكام الإعدام، حتى لا تبقى مجرّد تطبيق لشعار “يخلع سعيد من بعيد”، وحتى ينجح بالتالي إعدام الفساد الحيّ بدل الانشغال بالفساد الميّت بما يُعدم الرغبة والإرادة في إعدام الفساد حيثما حلّ وارتحل وعدم التمييز والمفاضلة في إعدام المفسدين!
مصيبة المصائب، أن الفساد تحوّل إلى ممارسة رياضية وهواية ترفع يافطة: في الفساد عاند ولا تحسد ولا ترقد ولا تحقد واسرق وابعد(..)، وأخطر ما في قضايا الفساد، أن المُفسد الصغير يبرّر فساده بفساد المُفسد الكبير، والمُفسد المبتدئ يتغطى بفساد المُفسد المُحترف، وسارق المسمار يشير إلى سارق المليار، وناهب الدجاجة يختفي وراء ناهب البقرة، ولذلك، ضاع منـّا الجمل بما حمل!
الفساد هو فساد، لكن لا يجب انتهاج “الحڤرة” في الحساب والعقاب، مثلما لا ينبغي المساواة بين إيسكوبار ومجرّد “زطايلي”، أو، بين ألكابوني ومن “يضرب الجيوب” في الأسواق الشعبية!