إعلامية تسترزق بلغة القرآن وتحارب أهله!
تشهد الجزائر في التاريخ الراهن، مخاضات فكرية وتربوية بالغة التعقيد، تُتكشف أبعادها بوضوح في حقول الممارسة الثقافية والتربوية والإعلامية. ولعل أصدق ما يعكس أزمة الهوية والانفصام النخبوي المعاصر هي تلك المشاهد المتكررة عبر بعض المنابر الإعلامية، إذ تُستنسخ بانتظام سرديات التبعية الفكرية والانبهار المطلق بالآخر، على حساب ثوابت أمة أورثت مجدها لغةً وكتابا لا يتبدّلان.
وحين يتحول النقاش العمومي حول قضايا المصير الوطني والمنظومة التربوية إلى منبر لتفريغ العُقد الإيديولوجية، ومحاولة نزع اللباس الروحي والحضاري عن لغة الضاد، تبرز الحاجة الملحّة للوقوف، ببرودة دم، وبوعي علمي صارم أمام هذه الأطروحات المأزومة. إنها أطروحات تسعى عبثا إلى اجتثاث الجذور وتشويه الوعي الجمعي تحت يافطة “الحداثة” و”العصرنة”، متجاهلةً أن التحديث الحقيقي لا يُبنى على قطيعة مفتعلة مع الهوية، بل على استيعاب عميق للذات وتفاعل ندّي مع العالم.
مقاربات متهافتة
وتعكس الأطروحات والمقاربات التي تسوقها بعض القنوات والأقلام ورموز الصالونات الفرنكوفيلية من بعض المعرَّبين وبعض المفرنسين -ممّن تضيق صدورهم بالارتباط الوثيق بين اللغة العربية والقرآن الكريم- جهلا مطبقا بجوهر الحضارة وطبيعة اللغات الخالدة.
اللغة في المنظور الأنثروبولوجي والسوسيولوجي، لم تكن قط مجرد أداة تواصل باهتة تُستعمل وفق المقاسات النفعية البحتة، بل هي وعاء الروح، وذاكرة الأمة، والدِّرع الحصن الذي تصدّت به الجزائر لكل محاولات الطمس والاستئصال طيلة عقود طويلة من الاحتلال ومخلّفاته البنيوية والنفسية.
وما يفتأ التاريخ يُثبت، بحقائق إبستمولوجية لا تقبل الشك، أن عمالقة العربية وفحولَها في المشرق والمغرب العربي، بل وحتى المستشرقين المنصفين، قد أدركوا يقينا أن مفتاح التمكن من ناصية البيان لا يمر إلا عبر بوابة المعين الأصفى: كتاب الله عز وجل. لقد صار القرآنُ الحارس الحقيقي لبقاء هذا اللسان حيا متقدا في وجه كل عواصف التغريب ومحاولات الإفقار الدلالي.
إن محاولات الالتفاف على الهوية، وربط التخلّف المزعوم بالتمسك بالقيم الجزائرية الأصيلة واللغة العربية والقرآن الكريم، بينما يُسجَّل الانبطاح الكامل أمام المركزية الغربية وامتيازاتها، تفضح بجلاء أزمة انتماء حقيقية تعاني منها تلك النخب التي طالما ارتبطت مصالحها وأهواؤها بظل الخارج، فبينما تقف الأجيال الصاعدة على عتبات المستقبل بسلاح التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي -الذي ينهل أساسا من ذخائر العربية وقواعدها المحفوظة بالقرآن الكريم- تصرّ تلك الأصوات المنعزلة عن نبض المجتمع والشارع على اجترار أسطوانة التخلف العاطفي والأدلجة المرفوضة.
ومن هنا، يصبح التصدي الفكري لهذه الخطابات المنحرفة واجبا وطنيا مقدَّسا، دفاعا عن سيادة أمة لا تساوَم في مقدساتها، ولا تبيع لغتها وهويتها في سوق التبعية الرخيصة.
محطة باريس وكشف زيف الاستلاب
ومن قلب باريس الصاخب، وبين أزقة حي “باربيس” الذي يعجُّ بضجيج الحكايات وتقاطعات الثقافات. في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حدثت لي واقعةٌ مفصليةٌ لم تكن مجرد لقاء عابر، بل كانت محطةً إدراكية كشفت لي جانبا عميقا من زيف النخب عندنا التي تحاول استلاب لغتنا وهويتنا. بينما كنت أحتسي قهوتي، لفت انتباهي في كشك الجرائد الموجود على بُعد أمتار من المقهى، أسبوعية “المستقبل” الباريسية. وبدافع الفضول الثقافي، سارعت إلى اقتنائها، وقادني ذلك الفضول إلى إجراء اتصال هاتفي بمقر الأسبوعية، حيث كان على الطرف الآخر مديرُها، الأستاذ نبيل الخوري، الذي استقبلني لاحقا في مكتبه بحفاوة بالغة.
لم يكن اللقاء عاديا، فقد وجدت نفسي في مواجهة رجلٍ في العقد السادس من عمره، يمثل بجذوره اللبنانية وعراقة عائلته “البستاني” امتدادا لجيلٍ حمل همَّ العربية وحماها. وحين دار الحوار بيننا، فوجِئ الأستاذ البستاني بفصاحة لساني، معتقدا أنني سوريٌّ أو لبناني أو أردني أو فلسطيني، مع أن لغتي العربية ليست سوى اللهجة الدارجة التي لا تخرج عن حدود الشارع والمنزل عندنا في سوق أهراس. لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في قدرتي على التحدث، بل في تلك التجربة الاختبارية التي وضعني فيها حين طلب مني أن أقرأ ما تيسَّر من سورة البقرة.
وفي تلك اللحظة، تجلى التناقض الصارخ بين واقعٍ نعيشه اليوم وبين حقيقةٍ لا يدركها المتنطعون؛ إذ كشف لي الأستاذ البستاني أنه ليس إماما ولا أستاذا في كلية الشريعة، بل هو مسيحي يدرك أن القرآن هو قمة هرم اللغة العربية وعمودها الفقري، وأن سرَّ تمكنهم من اللغة العربية في مشرقنا لم يأتِ من فراغ، بل من الانغماس في هذا النبع الخالد.
لقد طار عقلي في تلك اللحظة من قلب باريس إلى مسقط رأسي في سوق أهراس، مستحضرًا أصداء الكتاتيب القرآنية التي كانت تحثّنا على حفظ الذكر الحكيم كدرعٍ يحمي اللسان ويصقل البيان، حتى في ظل نظام تعليمي عمومي كان يرى في القرآن الكريم بلسما للتمكن من اللغة العربية.
ومن هذا اللقاء تبين لي بوضوح ذلك الشرخ الكبير في رؤيتنا: فبينما يدرك العالم، من المشرق إلى المستشرقين في الغرب، أن القرآن الكريم هو المختبرُ اللغوي الذي يمنح العربية حياتها وبقاءها، تخرج علينا نخبٌ إعلاميةٌ في يومياتنا الوطنية وقنواتها الرقمية التي تدعي التحرر وتلهث خلف امتيازات “الفيزا” الفرنسية، لتنصِّب نفسها وصيّة على “الحداثة”، محارِبةً كلَّ ارتباطٍ أصيلٍ بديننا ولغتنا.
إن هذه الشهادة ليست مجرد سردٍ لقصة شخصية، بل هي صرخة لبيان الحقيقة التي يحاول البعض طمسها: إن الفصاحة ليست ترفا غربيا، واللغة العربية ليست عقبةً في طريق العلم والتكنولوجيا، بل هي هويةٌ بقاؤها مرهونٌ ببقائنا على العهد مع منبعها الأصيل.
منابرُ التبعية وانفصام الأقلام
وتتجلّى أزمة الانفصام المعرفي بأوضح صورها حين نتحول إلى رصد الممارسات الإعلامية لبعض رموز المشهد الصِّحافي المحلي؛ وخذ على سبيل المثال إعلاميةً لا تدرك أن هذا اللسان العربي الذي تتخذه عُدةً لرزقها، وتسترزق به في مهنتها، وتسطّر به مقالاتها وأعمدتها، لم يأتِها من صالونات باريس ولا من ترف الفرانكوفيلية، بل هو هبة الله الممتدة من ينابيع القرآن الكريم الذي حفظ العربية على مر العصور.
عجبا لمن تستمدُّ رزقها وهويتها من لغة الضاد، ثم لا تتوانى عن شن الحملات للطعن في ثوابت الأمة ومحاربة كل ارتباط أصيل بهذا الدين وقيمه. إنَّ تلك الشطحات الإعلامية والرقصات الفكرية على أباليس التغريب والتبعية الثقافية لا تسمن ولا تغني من جوع، بل تكشف عن مأزق هوية حقيقي يعانيه من يحاول استرضاء الخارج على حساب هويته. ستذكرين أصل الحرف الذي يعيلك أيها الإعلامية، قبل أن تضيعي في سراب الانبهار الغربي، وهو أولى خطوات العودة إلى الرشد، فالتاريخ لا يرحم من يتنكر لمنابعه الأولى من أجل “فيزا” زائلة أو أهواء عابرة.
وفي عالم تتساقط فيه الأصنام الإيديولوجية وتتهاوى خرافات التفوُّق المطلق على صخرة الحقائق التاريخية والعلمية، تقف النخب الفرنكوفيلية في بلادنا مشدودةً بأعنّتها نحو سراب التبعية المطلقة للثقافة الفرنسية، ناظرةً إلى لغة موليير باعتبارها نافذة الحداثة الوحيدة ورمز التنوير الأوحد. غير أن الغارقين في بحر الانبهار الأعمى يغفلون، جهلا أو تعمُّدا، عن حقيقة لسانية ودلالية تفضح هشاشة هذا التعلق الاستعماري؛ وهي أن اللغة الفرنسية نفسها، التي تُتَّخذ وثنا مقدَّسا للتعالي الفكري، ليست سوى بناءٍ هشّ؛ فلو جرَّدنا اللغة الفرنسية من أصولها العربية ومفرداتها المشرقية والمغربية التي تسرّبت إليها عبر التاريخ والتجارة والعلوم والأندلس والجزائر، لفقدت الكثير من مرونتها وعصبها التعبيري في مجالات العلوم والفلسفة والفلك والرياضيات وحتى الحياة اليومية.
حين يستجير الخصومُ بلغة الضاد
ومن المفارقات التاريخية الساخرة، أن تقف هذه النخب الفرنكوفيلية المتغرّبة في بلادنا لتتنكر للغة الضاد وتحقّر من شأنها، متّبعةً سراب التبعية المطلقة لعادات فرنسا ولغتها. والأدهى والأمرّ في هذا التيه الأيديولوجي، أن هؤلاء المتطاولين يجهلون -أو يتجاهلون عن تعمد- حقيقة ساطعة يدركها حتى أعداء الأمة وخصومها في المشرق والمغرب العربيين.
فالكيان الصهيوني الغاصب، وهو يبني كيانه المصطنع ويسعى جاهدًا بكل ما أوتي من خبث استعماري إلى تطوير “اللغة العبرية المعاصرة” وإحيائها من حطام التاريخ، اصطدم مرارا بعجز لغته المستحدَثة عن استيعاب المفاهيم، والدلالات، والعمق التعبيري. وحين يعجز هؤلاء القوم عن فك طلاسم نصوصهم الدينية والتوراتية وموروثهم العبري، لا تجد معاهدُهم الاستخباراتية واللسانية مناصا من الرجوع صاغرةً إلى اللغة العربية وقواميسها ومعاجمها؛ إقرارا ضمنيا بأن العربية هي سيدةُ اللغات السامية وأصلها، وأنها المفتاح الوحيد لفهم جذور المعاني التي عزّت عليهم.
نحو وعي وطني سيادي
وتأسيا على ما سبق، يتبين بوضوح أن معركة الهوية واللغة العربية والأمازيغية في الجزائر المعاصرة ليست معركة عاطفية عابرة، بل هي صراعٌ وجودي حول السيادة الثقافية والقرار الوطني المستقل. إن استمرار النخب في تكرار أسطوانة التبعية واسترضاء الدوائر الغربية على حساب الجذور التاريخية والروحيّة يمثل مأزقا هيكليا ينبغي تجاوزه.
لقد حان الوقت للمراجعة النقدية الشاملة، ولترسيخ وعي وطني جديد يعيد الاعتبار للسان العربي والأمازيغي بوصفهما عماد الشخصية الوطنية ورافعا النهضة المستقبلية.
من هذا اللقاء مع الأستاذ نبيل الخوري تبين لي بوضوح ذلك الشرخ الكبير في رؤيتنا: فبينما يدرك العالم، من المشرق إلى المستشرقين في الغرب، أن القرآن الكريم هو المختبرُ اللغوي الذي يمنح العربية حياتها وبقاءها، تخرج علينا نخبٌ إعلاميةٌ في يومياتنا الوطنية وقنواتها الرقمية التي تدعي التحرر وتلهث خلف امتيازات “الفيزا” الفرنسية، لتنصِّب نفسها وصيّة على “الحداثة”، محارِبةً كلَّ ارتباطٍ أصيلٍ بديننا ولغتنا.