إعمار الرئاسة بخراب البرلمان
كما كان متوقعا، أفتى المجلس الدستوري بجواز الاكتفاء برأي البرلمان لتبني التعديل الدستوري، فرأى في بيانه المنشور يوم الخميس 28 يناير 2016: “أنه وطبقا لأحكام الدستور لاسيما المادة 176 منه، فإن مشروع القانون المتضمّن تعديل الدستور… لا يمسّ البتة المبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري، وحقوق الإنسان والمواطن وحرياتهما، ولا يمس بأي كيفية التوازنات الأساسية للسلطات والمؤسسات الدستورية”.
الخبر السار في هذه الفتوى أن المجلس الدستوري يكون قد أعفى البلد من تنظيم استفتاء شعبي كان سيكلفنا المليارات في زمن البقرات العجاف، وما كان ليغيِّر من النص لا حرفاً ولا حتى فاصلة، وربما يكون قد أعفانا من تبعات الظاهرة الصوتية المعتادة عند الطبقة السياسية وهي تحاكي طواحين الهواء بجعجعة ليس لها طحين.
الخبر الفاجع أن المجلس الدستوري يكون قد استلم نسخة غير التي نُشرت على الملأ، وإلا ما كان أفتى بخلوِّها على الأقل من “الإخلال بالتوازنات الأساسية للسلطات والمؤسسات الدستورية” الموجِبة لعرضه على الاستفتاء، مع ما جاء في النسخة من نقل واسع نحو مؤسسة الرئاسة لسلطات هي في النظم شبه الرئاسية من اختصاص البرلمان، وأخرى تنفيذية من اختصاص رئيس الوزراء.
وكيفما كان توصيفُ فقهاء القانون الدستوري لنظام الحكم بعد تمرير التعديل، فإنه قد خرج حتما عن صفة “النظام شبه الرئاسي” على الأقل كما هو موجود في النظام الفرنسي الذي استوحاه محرر دستور 89، ولو لم يكن كذلك، لما اضطر من اضطر سنة 1992 إلى تعطيل المسار الانتخابي خوفا من وصول أغلبية لها الحق في تشكيل حكومة، كانت الرئاسة وقتها ستضطر للتعايش معها.
أغلب الظن أن المجلس الدستوري يكون قد وقع ضحية خدعة بصرية بإسقاط ما عهده من سلوكٍ في ممارسة الحكم في عهد الرئيس بوتفليقة على ما جاء في النسخة، فلم ير تغييرا يذكر في توزيع السلطات بين المؤسسات الدستورية، وهو حينها يكون صادقا، لأن الممارسة قد سبقت التعديل إلى تجريد البرلمان من أهم صلاحياته، كما حولت الجهاز التنفيذي إلى ملحقة للرئاسة، ليس للبرلمان من سلطان عليه، لا من جهة التشكيل أو العزل، ولا حتى من جهة الرقابة، ويأتي التعديل ليمنح الغطاء الشرعي الدستوري لممارسات كانت تجري حكما خارج أحكام الدستور قبل تعديله.
والحال، فإن التعديل سوف يُمرَّر كما هو، على يد برلمانٍ ليس فيه صوت نشاز واحد داخل الحزبين أصحاب الأغلبية المرجحة، ولن يلتفت إلى ما سيصدر عن المعارضة من انتقادات للنسخة ستُعرض حتما في الوقت بدل الضائع، لتكتشف المعارضة أنها في الصيف قد ضيّعت اللبن، وأنه حين كانت عالقة في وحل مسار ترحيل الرئيس بالمادة 88 من الدستور، كان الرئيس يُعِدّ لترحيلها من المشاركة في الحكم حتى لو امتنع عن حرمانها من الوصول إلى قبة البرلمان، أو كتب لها أن تحوز على الأغلبية في برلمان قادم قد جرّده التعديل من أهم صلاحياته، حتى أني لا أرى في المستقبل القريب ما قد يغري على التنافس على “وظيفة” النائب سوى الطمع في أجرةٍ سخية بإحكام وبعض المتشابه من مسوح الوجاهة الاجتماعية.