-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الحَرْبُ عَلَى إِيرَان وَهُرُوبُ تْرَامب وَنِتِنْيَاهُو مِنَ الفَضَائِح

الحَرْبُ عَلَى إِيرَان وَهُرُوبُ تْرَامب وَنِتِنْيَاهُو مِنَ الفَضَائِح

تَقِفُ مَنْطِقَةُ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ اليَوْمَ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ، إذ تَتَصَاعَدُ أَلْسِنَةُ اللَّهَبِ فِي خَلِيجٍ لَمْ يَهْدَأْ صَخَبُهُ مُنْذُ عُقُودٍ، لَكِنَّ هَذِهِ المَرَّةَ لَيْسَتْ كَسَابِقَاتِهَا؛ فَالطُّبُولُ الَّتِي تُقْرَعُ فِي وَاشِنْطُن وتَلِّ أَبِيب لَا تَبْحَثُ عَنْ نَصْرٍ اسْتْرَاتِيجيٍّ بِقَدْرِ مَا تَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ شَخْصِيٍّ لِرَئِيسِ الوِلَايَاتِ المُتَّحِدَةِ ورئيس حكومة الكِيَانِ الصِّهْيُونِيِّ. إِنَّهَا حَرْبُ “الهُرُوبِ إِلَى الأَمَامِ”، إذ يَتَقَاطَعُ مَصِيرُ الرَّئِيسِ الأَمْرِيكِيِّ “دُونَالد تْرَامب” وَحَلِيفِهِ الصِّهْيُونِيِّ “بِنْيَامِين نِتِنْيَاهُو” عِنْدَ نُقْطَةٍ وَاحِدَةٍ: البَقَاءُ فِي السُّلطَةِ هُوَ السَّبِيلُ الوَحِيدُ لِلنَّجَاةِ مِنَ السِّجْنِ وَمُلاحَقَةِ الفَضَائِحِ.
بَيْنَمَا تَتَسَاقَطُ الطَّائِرَاتُ الأَمْرِيكِيَّةُ فِي سَمَاءِ الكُوَيْتِ بِفِعْلِ الفَوْضَى العَسْكَرِيَّةِ وَانْعِدَامِ التَّنْسِيقِ، وَتَتَعَطَّلُ الرَّادَارَاتُ الضَّخْمَةُ، وَتَنْزِفُ قِيَادَةُ الأُسْطُولِ الخَامِسِ، يَبْدُو أَنَّ “العَمَى الاستْرَاتِيجيَّ” قَدْ أَصَابَ صُنَّاعَ القَرَارِ المَطْلُوبِينَ لِلْعَدَالَةِ فِي بِلَادِهِمْ، فَلَمْ تَعُدِ الحَرْبُ عَلَى إِيرَان ضَرُورَةً لِلأَمْنِ القَوْمِيِّ، بَلْ صَارَتْ سِتَاراً دُخَانِيّاً كَثِيفاً يُرَادُ بِهِ التَّعْمِيَةُ عَلَى مِلَفَّاتٍ جِنَائِيَّةٍ مُخْزِيَةٍ، تَبْدَأُ مِنْ دَهَالِيزِ “إِيبْسْتِين” المُظْلِمَةِ فِي أَمْرِيكَا، وَلَا تَنْتَهِي عِنْدَ قَضَايَا الرَّشْوَةِ وَالاحْتِيَالِ فِي أَرْوِقَةِ المَحَاكِمِ الصِّهْيُونِيَّةِ.
إِنَّهُ “الجُنُونُ الكَالِيجُولِيُّ” (نِسْبَةً لِلإِمْبِرَاطُورِ الرُّومَانِيِّ كَالِيجُولَا الَّذِي أَرْسَلَ حِصَانَهُ لِيُمَثّلَهُ فِي مَجْلِسِ الشُّيُوخِ) فِي أَبْهَى صُوَرِهِ؛ إذ تُسَخَّرُ مِقْدَرَاتُ الدُّوَلِ العُظْمَى وَدِمَاءُ الجُنُودِ لِحِمَايَةِ طُمُوحَاتِ عَائِلَةٍ أَوْ بَقَاءِ حَاكِمٍ مَأْزُومٍ. وَفِي خِضَمِّ هَذَا العَبَثِ، تَبْرُزُ إِيرَانُ كَدَوْلَةٍ تَمَكَّنَتْ بِبَسَاطَةِ تَخْطِيطِهَا وَصُمُودِهَا مِنْ تَقْوِيضِ هَيْبَةِ التَّكْنُولُوجْيَا المَغْرُورَةِ، لِتَكْشِفَ لِلْعَالَمِ أَنَّ الإِمْبِرَاطُورِيَّةَ الَّتِي تَقُودُهَا المَصَالِحُ الشَّخْصِيَّةُ وَيُدِيرُ شُؤُونَهَا “الأَقْرِبَاءُ وَالمُوَالُونَ”، هِيَ إِمْبِرَاطُورِيَّةٌ بَدَأَتْ بِتَفْكِيكِ نَفْسِهَا بِنَفْسِهَا، قَبْلَ أَنْ تَنَالَ مِنْهَا صَوَارِيخُ الخُصُومِ.

بَيْنَمَا تَتَسَاقَطُ الطَّائِرَاتُ الأَمْرِيكِيَّةُ فِي سَمَاءِ الكُوَيْتِ بِفِعْلِ الفَوْضَى العَسْكَرِيَّةِ وَانْعِدَامِ التَّنْسِيقِ، وَتَتَعَطَّلُ الرَّادَارَاتُ الضَّخْمَةُ، وَتَنْزِفُ قِيَادَةُ الأُسْطُولِ الخَامِسِ، يَبْدُو أَنَّ “العَمَى الاستْرَاتِيجيَّ” قَدْ أَصَابَ صُنَّاعَ القَرَارِ المَطْلُوبِينَ لِلْعَدَالَةِ فِي بِلَادِهِمْ، فَلَمْ تَعُدِ الحَرْبُ عَلَى إِيرَان ضَرُورَةً لِلأَمْنِ القَوْمِيِّ، بَلْ صَارَتْ سِتَاراً دُخَانِيّاً كَثِيفاً يُرَادُ بِهِ التَّعْمِيَةُ عَلَى مِلَفَّاتٍ جِنَائِيَّةٍ مُخْزِيَةٍ، تَبْدَأُ مِنْ دَهَالِيزِ “إِيبْسْتِين” المُظْلِمَةِ فِي أَمْرِيكَا، وَلَا تَنْتَهِي عِنْدَ قَضَايَا الرَّشْوَةِ وَالاحْتِيَالِ فِي أَرْوِقَةِ المَحَاكِمِ الصِّهْيُونِيَّةِ.

لَمْ تَعُدِ الوِلَايَاتُ المُتَّحِدَةُ الأَمْرِيكِيَّةُ اليَوْمَ تِلْكَ القَلْعَةَ الحَصِينَةَ الَّتِي تُدِيرُ أَزَمَاتِ العَالَمِ بِرَزَانَةٍ وَهُدُوءٍ، بَلِ اسْتَحَالَتْ إِلَى سَاحَةٍ لِلتَّخَبُّطِ السِّيَاسِيِّ وَالاِنْقِسَامِ المُجْتَمَعِيِّ غَيْرِ المَسْبُوقِ. فَفي حين تَنْشَغِلُ آلَةُ الحَرْبِ فِي مِيَاهِ الخَلِيجِ، يَعِيشُ الدَّاخلُ الأَمْرِيكِيُّ حَالَةً مِنَ “الفَوْضَى المُمَنْهَجَةِ” الَّتِي أَرْسَى دَعَائِمَهَا الرَّئِيسُ تْرَامب مُنْذُ لَحْظَةِ عَوْدَتِهِ إِلَى البَيْتِ الأَبْيَضِ؛ إذ اخْتَلَطَتْ مَصَالِحُ الدَّوْلَةِ بِأَهْوَاءِ العَائِلَةِ، وَتَوَارَتِ المُنْجَزَاتُ المُؤَسَّسَاتِيَّةُ خَلْفَ سِتَارِ الدِّيكْتَاتُورِيَّةِ العَائِلِيَّةِ النَّاشِئَةِ.
إِنَّ مَا تَشْهَدُهُ وَاشِنْطُن السَّاعَةَ لَيْسَ مُجَرَّدَ خِلَافٍ حِزْبِيٍّ تَقْلِيدِيٍّ، بَلْ هُوَ تَقْوِيضٌ جِذْرِيٌّ لِأَرْكَانِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ الَّتِي طَالَمَا تَبَاهَتْ بِهَا أَمْرِيكَا، فَبِتَحْقِيرِهِ لِـ”الدَّوْلَةِ العَمِيقَةِ” وَتَهْمِيشِ الخُبَرَاءِ وَالعَسْكَرِيِّينَ المُحْتَرِفِينَ، وَاسْتِبْدَالِهِمْ بِمَجْمُوعَةٍ مِنَ المُوَالِينَ وَأَفْرَادِ العَائِلَةِ، يَضَعُ تْرَامب بِلَادَهُ عَلَى مَسَارِ التَّفْكِيكِ الذَّاتِيِّ. وَمَا مَشْهَدُ تَصَدُّرِ زَوْجَتِهِ لِلْمَحَافِلِ الدَّوْلِيَّةِ الكُبْرَى، وَتَغَلْغُلِ أَبْنَائِهِ فِي مَفَاصِلِ القَرَارِ المَالِيِّ وَالدِّبْلُومَاسِيِّ، إِلَّا تَرْجَمَةٌ لِحَالَةِ “العَجْزِ الكَادِرِيِّ” وَالخَوَاءِ الفِكْرِيِّ الَّذِي وَصَلَتْ إِلَيْهِ الإِدَارَةُ.
وَسَطَ هَذَا الإِعْصَارِ مِنَ الفَضَائِحِ الجِنَائِيَّةِ وَالمُلاحَقَاتِ القَضَائِيَّةِ، يَبْدُو أَنَّ تْرَامب قَدْ قَرَّرَ إِحْرَاقَ آخِرِ جُسُورِ الثِّقَةِ مَعَ مُؤَسَّسَاتِ بِلَادِهِ، لِيُثْبِتَ صِحَّةَ نُبُوءَاتِ النُّقَّادِ الَّذِينَ رَأَوْا فِيهِ “غُورْبَاتْشُوف أَمْرِيكَا”. إِنَّهُ التَّخَبُّطُ الَّذِي يَقُودُ إِلَى الِانْتِحَارِ الاستْرَاتِيجيِّ؛ إذ تُصْبِحُ الدَّوْلَةُ العُظْمَى عُرْضَةً لِلِارْتِجَالِ المَرِيضِ، وَتُتْرَكُ مَصَائِرُ الشُّعُوبِ بِيَدِ مَنْ لَا يَرَى فِي الرِّئَاسَةِ إِلَّا “حِصْنًا لِلْهُرُوبِ” مِنَ العَدَالَةِ، وَمَزْرَعَةً خَاصَّةً لِتَأْمِينِ مَسْتَقْبَلِ العَائِلَةِ.
يَتَجَلَّى فِي المَشْهَدِ السِّيَاسِيِّ الرَّاهِنِ وَاحِدَةٌ مِنْ أَكْبَرِ المَفَارَقَاتِ التَّارِيخِيَّةِ فِي العَصْرِ الحَدِيثِ؛ إذ يَقِفُ العَالَمُ مَذْهُولاً أَمَامَ التَّنَاقُضِ الصَّارِخِ لِلرَّئِيسِ تْرَامب، فَالرَّجُلُ الَّذِي مَلأَ الدُّنْيَا ضَجِيجاً بِأَنَّهُ “صَانِعُ السَّلامِ العَظِيمِ”، وَالَّذِي لَمْ يُخْفِ يَوْماً نَهَمَهُ الشَّدِيدَ لِانْتِزَاعِ جَائِزَةِ نُوبِل لِلسَّلامِ لِيُدَوِّنَ اسْمَهُ فِي سِجِلِّ الخَالِدِينَ، هُوَ ذَاتُهُ مَنْ يَقُودُ اليَوْمَ أَكْثَرَ المَغَامَرَاتِ العَسْكَرِيَّةِ تَهَوُّراً وَدَمَوِيَّةً ضِدَّ إِيرَانَ. إِنَّهُ التَّحَوُّلُ الدَّرَامَاتِيُّ مِنْ “دِبْلُومَاسِيَّةِ الصَّفَقَاتِ” إِلَى “لُغَةِ المَحَارِقِ”، مِمَّا كَشَفَ أَنَّ شِعَارَاتِ السَّلامِ لَمْ تَكُنْ سِوَى أَدَاةٍ لِلتَّسْوِيقِ المَسْرَحِيِّ وَالخِدَاعِ الاستْرَاتِيجيِّ.
لَمْ يَتَوَقَّفْ طُمُوحُ تْرَامب عِنْدَ اسْتِعْرَاضَاتِ القُوَّةِ، بَلْ عَمِدَ إِلَى الاِسْتِيلَاءِ الرَّمْزِيِّ عَلَى مَنَصَّاتِ السَّلامِ الدَّوْلِيَّةِ، إذ حَوَّلَ مَجْلِسَ الأَمْنِ التَّابِعَ لِلأُمَمِ المُتَّحِدَةِ إِلَى مِلْكِيَّةٍ عَائِلِيَّةٍ تُدِيرُهَا زَوْجَتُهُ، فِي مُحَاوَلَةٍ بَائِسَةٍ لِصَبْغِ آلَةِ الحَرْبِ بِلَوْنِ السَّلامِ الهَشِّ. هَذَا الاِسْتِحْوَاذُ عَلَى مَنَابِرِ الحِوَارِ لَمْ يَكُنْ لِتَعْزِيزِ الِاسْتِقْرَارِ، بَلْ لِتَحْصِينِ نَفْسِهِ مِنَ النَّقْدِ الدَّوْلِيِّ وَالتَّغْطِيَةِ عَلَى فَضَائِحِهِ الدَّاخِلِيَّةِ الَّتِي تلاحِقُهُ. وَفِي لَحْظَةِ الحَقِيقَةِ، سَقَطَ قِنَاعُ “حَمَامَةِ السَّلامِ” لِيَظْهَرَ مَكَانَهُ وَجْهُ “أَمِيرِ الحَرْبِ” الَّذِي لَا يَتَرَدَّدُ فِي إِشْعَالِ المَنْطِقَةِ بِأَكْمَلِهَا لِتَأْمِينِ بَقَائِهِ السِّيَاسِيِّ.
إِنَّ هَذَا التَّخَبُّطَ بَيْنَ ادِّعَاءِ الحِكْمَةِ وَمُمَارَسَةِ العُنْفِ، جَعَلَ أَمْرِيكَا دَوْلَةً مَارِقَةً عَلَى مَبَادِئِهَا الَّتِي نَادَتْ بِهَا، فَبَدَلاً مِنْ أَنْ يَكُونَ تْرَامب الرَّئِيسَ الَّذِي أَنْهَى الحُرُوبَ العَبَثِيَّةَ، أَصْبَحَ هُوَ مَنْ يُغَذّيهَا، لِيُثْبِتَ لِلْعَالَمِ أَنَّ مَنْ كَانَ يَلْهَثُ خَلْفَ نُوبِل لَمْ يَكُنْ يَبْحَثُ عَنِ السَّلامِ لِلْبَشَرِيَّةِ، بَلْ كَانَ يَبْحَثُ عَنْ مَجْدٍ زَائِفٍ يَسْتُرُ بِهِ انْهِيَارَهُ الأَخْلَاقِيَّ وَالمُؤَسَّسَاتِيَّ، حَتَّى اسْتَحَالَتْ فِي عَهْدِهِ قِيَادَةُ العَالَمِ إِلَى “سِيرْكٍ عَسْكَرِيٍّ” يَقُودُ الجَمِيعَ نَحْوَ هَاوِيَةِ الضَّيَاعِ.
لَا يُمْكِنُ قِرَاءَةُ فُصُولِ “السِّيرْكِ العَسْكَرِيِّ” الَّذِي يَعْصِفُ بِالمَنْطِقَةِ اليَوْمَ دُونَ التَّوَقُّفِ عِنْدَ الدَّوْرِ المِحْوَرِيِّ لِنتِنْيَاهُو؛ ذَلِكَ السَّاحِرُ السِّيَاسِيُّ الَّذِي أَتْقَنَ فَنَّ الرَّقْصِ عَلَى حَافَّةِ الهَاوِيَةِ، فَبَيْنَمَا يَبْدُو تْرَامب كَمَنْ يَقُودُ المَعْرَكَةَ، يَبْرُزُ نِتِنْيَاهُو كَالمُرَوِّضِ الخَفِيِّ الَّذِي اسْتَطَاعَ بِمَكْرِهِ المَعْهُودِ أَنْ يَجُرَّ صَدِيقَهُ القَابِعَ فِي البَيْتِ الأَبْيَضِ إِلَى مُغَامَرَةٍ انْتِحَارِيَّةٍ ضِدَّ إِيرَانَ. لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الحَرْبُ خِيَارا اِسْتْرَاتِيجيّا لِأَمْنِ الشُّعُوبِ، بَلْ كَانَتْ “طَوْقَ نَجَاةٍ” صَاغَهُ نِتِنْيَاهُو بِعِنَايَةٍ لِيَحْمِيَ نَفْسَهُ مِنْ قُضْبَانِ السِّجْنِ الَّتِي تَنْتَظِرُهُ خَلْفَ مِلَفَّاتِ الفَسَادِ وَالرَّشْوَةِ.
لَقَدْ اِسْتَغَلَّ نِتِنْيَاهُو نَرْجِسِيَّةَ تْرَامب وَرَغْبَتَهُ المُسْتَعِرَةَ فِي تَصَدُّرِ العَنَاوِينِ، لِيُقْنِعَهُ بِأَنَّ تَقْوِيضَ طِهْرَانَ هُوَ بَوَّابَتُهُ لِلْخُلُودِ التَّارِيخِيِّ، بَيْنَمَا الحَقِيقَةُ تَقُولُ إِنَّ نِتِنْيَاهُو كَانَ يَبْحَثُ عَنْ مِظَلَّةِ دُخَانٍ إِقْلِيمِيَّةٍ تُغَيِّبُ أَخْبَارَ مُحَاكَمَتِهِ وَتَشُلُّ حَرَكَةَ المُعَارِضَةِ لَدَيْهِ. وَفِي هَذَا السِّيرْكِ، بَدَا الرَّئِيسُ الأَمْرِيكِيُّ مِثْلَ البَهْلَوَانِ الَّذِي يُؤَدِّي حَرَكَاتٍ خَطِيرَةً لِصَالِحِ المُدِيرِ القَابِعِ فِي تَلِّ أَبِيبَ؛ فَبَيْنَمَا تَنْزِفُ هَيْبَةُ الأُسْطُولِ الخَامِسِ وَتَتَسَاقُطُ الطَّائِرَاتُ، يَجْلِسُ نِتِنْيَاهُو مُطْمَئِنّا إِلَى أَنَّ دِمَاءَ الجُنُودِ الأَمْرِيكِيِّينَ وَمِلَفَّاتِ “إِيبْسْتِين” قَدْ صَارَتْ كَفِيلَةً بِتَأْجِيلِ مَصِيرِهِ القَانُونِيِّ المَحْتُومِ.
إِنَّهُ “الاِبْتِزَازُ الاستْرَاتِيجيُّ” فِي أَقْبَحِ صُوَرِهِ؛ إذ تَمَكَّنَ نِتِنْيَاهُو مِنْ تَرْوِيضِ سِيَاسَةِ أَعْظَمِ دَوْلَةٍ فِي العَالَمِ لِتَخْدِمَ مَصَالِحَهُ الفَرْدِيَّةَ الضَّيِّقَةَ. وَبِهَذَا، حَوَّلَ نِتِنْيَاهُو الحَلِيفَ الأَمْرِيكِيَّ إِلَى مُجَرَّدِ أَدَاةٍ فِي مَعْرَكَةِ بَقَائِهِ، لِيُثْبِتَ لِلْعَالَمِ أَنَّ العَمَى الَّذِي أَصَابَ رَادَارَاتِ الخَلِيجِ قَدْ سَبَقَهُ عَمًى بَصِيرِيٌّ فِي وَاشِنْطُن، جَعَلَ مِنْ سَيِّدِ البَيْتِ الأَبْيَضِ مُجَرَّدَ تَابِعٍ فِي جِنَازَةِ السَّلامِ الَّتِي شَيَّعَهَا نِتِنْيَاهُو لِيَحْيَا هُوَ فَوْقَ كُرْسِيِّ الحُكْمِ المُلَطَّخِ بِالدِّمَاء.
فِي خِتَامِ هَذَا المَشْهدِ العَبَثِيِّ الَّذِي يُطْبِقُ عَلَى أَنْفَاسِ المَنْطِقَة، يَتَجَلَّى لَنَا أَنَّ مَا بَدَأَ كَمُغَامَرَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ لِتَقْوِيضِ إِيرَان، قَدِ اسْتَحَالَ إِلَى جِنَازَةٍ مَهِيبَةٍ لِهَيْبَةِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الأَمْرِيكِيَّةِ وَحَلِيفِهَا الصِّهْيُونِيِّ. وَهُنَا تَصْدُقُ رُؤْيَتِي حِينَمَا كَتَبْتُ فِي مَقَالَاتٍ سَابِقَةٍ نُشِرَتْ فِي “الشُّرُوقِ” أَنَّ تْرَامب هُوَ بَذْرَةُ التَّفْكِيكِ لِلْوِلَايَاتِ المُتَّحِدَةِ؛ فَمَا نَرَاهُ اليَوْمَ مِنْ عَمًى رَادَارِيٍّ فِي الخَلِيجِ، وَفَوْضَى فِي صُفُوفِ القِيَادَة، لَيْسَ إِلَّا الانْعِكَاسَ المَيْدَانِيَّ لِانْهِيَارِ المَنْظُومَةِ الأَخْلَاقِيَّةِ وَالمُؤَسَّسَاتِيَّةِ فِي وَاشِنْطُن وتَلِّ أَبِيب.
لَقَدْ ظَنَّ تْرَامب وَنِتِنْيَاهُو أَنَّ الهُرُوبَ مِنْ مِلَفَّاتِ “إِيبْسْتِين” وَقَضَايَا الفَسَادِ سَيَكُونُ عَبْرَ إِحْرَاقِ سَمَاءِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ، لَكِنَّهُمَا اصْطَدَمَا بِحَقِيقَةٍ صَلْبَةٍ جَسَّدَتْهَا إِيرَانُ؛ تِلْكَ الدَّوْلَةُ الَّتِي تَعَامَلَتْ بِعَقْلِ الدَّوْلَةِ فِي مُوَاجَهَةِ عَقْلِيَّةِ العِصَابَةِ العَائِلِيَّةِ، فَبَيْنَمَا كَانَ نِتِنْيَاهُو يُرَوِّضُ نَرْجِسِيَّةَ صَدِيقِهِ، وَبَيْنَمَا كَانَ تْرَامب يَعْرِضُ زَوْجَتَهُ فِي أَرْوِقَةِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ كَـ”حِصَانِ كَالِيجُولَا” العَصْرِيِّ، كَانَتْ طِهْرَانُ تُرَمِّمُ دِفَاعَاتِهَا وَتَكْشِفُ لِلْعَالَمِ هَشَاشَةَ التَّكْنُولُوجْيَا حِينَمَا تَقُودُهَا أَهْوَاءُ المَرْضَى وَالمُلاحَقِينَ جِنَائِيّا.
إِنَّ الرِّهَانَ عَلَى تَقْوِيضِ الإِرَادَةِ قَدْ سَقَطَ، وَحَلَّ مَحَلَّهُ تَفْكِيكُ الذَّاتِ؛ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ رَجُلَ السَّلامِ الزَّائِف لِيَحْصُلَ عَلَى نُوبِل، يَنْزِعُ اليَوْمَ آخِرَ وَرَقَةِ تَوْتٍ عَنْ عَوْرَةِ نِظَامِهِ المُتَهَالِكِ. لَمْ تَعُدِ المَسْأَلَةُ هِيَ مَنْ سَيَنْتَصِرُ فِي هَذِهِ الحَرْبِ، بَلْ مَنْ سَيَبْقَى صَامِدا حِينَمَا يَنْفَجِرُ الغَضَبُ الشَّعْبِيُّ فِي بِلَادِ الغَرْبِ.
لَقَدْ كَتَبَ تْرَامب بِيَدِهِ المُرْتَجِفَةِ الفَصْلَ الأَخِيرَ مِنْ كِتَابِ “العَظَمَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ”، لِيُثْبِتَ أَنَّ مَنْ يَهْرُبُ مِنَ العَدَالَةِ بِإِشْعَالِ الحُرُوبِ، لَا يَحْصُدُ فِي النِّهَايَةِ إِلَّا رَمَادَ تَارِيخِهِ، بَيْنَمَا تَبْقَى الشُّعُوبُ القَادِرَةُ هِيَ مَنْ تَرْسُمُ مَعَالِمَ الفَجْرِ الجَدِيدِ بَعْدَ انْقِشَاعِ دُخَانِ السِّيرْكِ المَشْؤُوم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!