إقبالٌ مكثف للشباب ومفعول المخدرات يُزال في 21 يوماً
كشف دكتور في الأمراض العقلية بالمركز أن أغلب المترددين على المركز تتراوح أعمارهم بين 16 سنة و50 سنة، بمعنى أن تلك السموم مست كل الفئات، ومعظمهم يتعاطون الكيف المعالج والحبوب المخدرة والخمور وهناك استثناءات فبعض الشباب يتناولون الكوكايين والهيروين فقط.
ذريعة المشاكل الاجتماعية
ويشكو هؤلاء المرضى من مشاكل اجتماعية، الأمر الذي جعلهم يصابون باضطرابات نفسية، وأرجع الدكتور سبب إدمانهم على الحبوب المخدرة إلى توجههم إلى طبيب عام، هذا الأخير يصف لهم مهدئات للتخفيف من قلقهم الزائد مثل “تميستا” وغيرها… هذه الحبوب إذا زاد المريض جرعة إضافية منها فإنه سيصبح بالتأكيد مدمنا عليه. ومن جهته علق دكتور آخر بنفس المركز أن بعض الشباب بدأ يتعاطى المخدرات بدافع الفضول، ويكون ذلك في فترة المراهقة في غالب الأحيان، وقال إن المسؤولية يجب أن لا نحمِّلها للأولياء فقط، لأن الشارع أيضا يعلم الطفل سلوكات سيئة تدفعه إلى تجربة عالم التبغ الذي يسوقه بعد ذلك إلى المخدرات بكل أنواعها.
علاج المدمن
وشرح لنا نفس المتحدِّث مراحل معالجة المدمن في المركز، موضحا أنه على المريض احترام قوانين المركز. ومن شروط نجاح علاجه، تمسكه بالإرادة وحب التخلص من تلك السموم التي ما فتئت تفتك بجسده، ويمكث طالب العلاج 21 يوماً وهي مدة كافية لإزالة مفعول المخدرات ويوصف لهذا الأخير أدوية للتخفيف من أعراض الحرمان التي تتملك المريض وتدعى “مرحلة الانفطام” أي التوقف عن تناول السموم، لتأتي المرحلة الثانية المتعلقة بالعلاج الإسنادي الذي تقوم به مختصّة نفسية بالمركز، ويكون ذلك مرة في الأسبوع لمدة 48 دقيقة.
ويضم مركز الوقاية ومعالجة المدمنين أربعة مختصين في الأمراض العقلية وأربعة مختصين نفسانيين ومختصين اجتماعيين وطبيبا عاما واحدا، حيث يُعقد يوميا اجتماعٌ بين المرضى والمختصّة الاجتماعية، يتم من خلاله اعتراف كل مدمن بتجربته مع المخدرات، قصد تخفيف كل واحد منهم عن الآخر، ويسعى الاجتماع إلى معرفة مدى استجابة المرضى للعلاج، إلى جانب إلقاء المختصّة الاجتماعية محاضرات تحسيسية ووقائية في نفس الوقت. ولإنجاح علاجهم وفَّر المركز قاعة رياضية وقاعة ألعاب وملعباً ومكتبة لممارسة نشاطاتهم الترفيهية. هذا وبعد 21 يوماً من العلاج يتمُّ تسريح المريض إلى المنزل مع متابعته للعلاج ومراقبة ذلك مراقبة نصف شهرية ثم شهرية.
قصص مدمنين
ومن بين الحالات التي عالجتها المختصة النفسانية، حالة القاصر (مراد.ح) البالغ 17 سنة، الذي بدأ التدخين في سن التاسعة، لينتقل بعدها إلى تعاطي الكيف المعالج، وبعد حصص العلاج، اكتشفت المختصّة أن الفترة التي بدأ فيها المراهق تناول المخدرات كانت في السنة التي مرضت فيها والدته بالسرطان، فأحس بالإهمال الضياع لأنه كان مقربا منها أكثر من شقيقيه. وعندما كان عمره 15 سنة توفيت الوالدة فانتقل إلى تناول الحبوب المخدرة بذريعة التخفيف من آلام فراقها. ولأن والده طبيب فقد تفطن لأمر ابنه، وعندما قرر أخذه إلى مركز معالجة المدمنين رفض، وعبّر عن ذلك بالفرار من المنزل، ومخالطة رفقاء السوء، حيث بعد هروبه ببضعة أيام خطط هو وصديقه لتنفيذ عملية سطو على جارهما ليبيعا عائدات المسروقات لشراء المخدرات، وبعد اكتشاف أمره، أجبره والده على معالجة نفسه بنفسه لأنه سيدمر مستقبله، وحسب المختصّة التي تابعت حالة مراد فإنه رغم استجابته للعلاج، إلا أنه يرفض التحدث عن والدته ولا حتى زيارة قبرها.
أما المراهقة (جميلة. ب)، 16 سنة، فقد انجرفت نحو عالم المخدرات، بسبب صحبتها السيئة في المتوسطة، إذ صادقت زميلا يتعاطى الكيف المعالج والحبوب المهلوسة، ولأنها تعيش في قرية بالبليدة تُعرف بفقرها المدقع، أشار عليها صديقها بتناول تلك السموم وأوهمها بأنها ستنسى معاناتها، وبدأت بالفعل في تعاطي الكيف وتناول الحبوب المخدرة “ديازيبام، فاليوم وريفوتريل” وهي في السنة الثالثة من التعليم المتوسط، وبعد اكتشاف أمرها من طرف الوالدين، أحضراها إلى المركز، حيث بقيت سنة كاملة تخضع للعلاج، ولأنها ذات سلوك منحرف، أخذتها والدتها إلى منزل جديها قصد إبعادها عن الحي الذي تعلمت فيه الإدمان.
أطفال يتعاطون السموم
وقصد التعرف عن قرب على معاناة المدمنين، التقت “الشروق اليومي” بعض الحالات، فكان أول من تحدثنا معه القاصر (سمير. م)، 17 سنة، يعيش في كنف عائلة متكونة من 7 أطفال، يقطن بالبليدة ولديه مستوى الثالثة متوسط، بدأ العمل منذ سنتين في إحدى المقاهي المجاورة لمنزله، واعترف لنا أنه بدأ تناول الكيف المعالج عندما كان عمره لا يتجاوز 14 عاماً، وبرّر انحرافه بـ”المعاملة السيئة التي كان يتلقاها من والده”، حيث كان يضربه باستمرار لكونه مدمناً على الخمر، وأشار لنا سمير أن انسياقه نحو المخدرات، كان في بادئ الأمر فُضولا منه، موضحا أنه لا يوجد في حيه طفل أو شاب لم يجرب تلك السموم. للإشارة جاء سمير إلى المركز للمعالجة بمحض إرادته، حيث طلب من عمه وعماته مساعدته في ذلك ليتخطى هذه التجربة التي اعتبرها وسيلة لتدمير مستقبله، وفي ختام حديثنا معه تمنى سمير أن ينجح في التخلص من إدمانه ليفتح صفحة جديدة، من خلال لجوئه إلى التسجيل في مركز للتكوين المهني تخصُّص تقني في الكهرباء. معترفا أن الإدمان جعله لصا يسرق الجيران لشراء تلك السموم إلى درجة أنه في أحد الأيام ساقته الحاجة إلى بيع ملابسه، لهذا قرر التوقف عن تعاطي الكيف المعالج.
أما الشاب (فؤاد. ج)، 19 سنة، يقطن بمدينة المدية، فبدأ التدخين عندما كان عمره لا يتجاوز 10 عاماً، وفي سن الـ 12، تعاطى الكيف والحبوب المهلوسة، مستواه الدراسي الثالثة متوسط، متحصل على شهادة في الخزف صادرة عن مركز للتكوين المهني، ولأنه لم يتحمل الإدمان، طلب من شقيقته الكبرى المساعدة، فوجهته إلى مستشفى فرانس فانون للتخلص من الإدمان.
أما الشاب (محمد. م)، 35 سنة، فهو يقطن بباب الوادي، وقد دخل للمرة الثالثة إلى المركز، ودخوله لم يكن بمحض إرادته، لأن الشرطة قادته وأجبرته على الخضوع للعلاج، بعد إلقاء القبض عليه في المطار عندما كان عائدا من إسبانيا، حيث لاحظت مصالح الأمن أنه ليس طبيعياً، ليؤكد لهم أنه مدمن على المخدرات الصلبة “الهيروين” منذ 11 سنة. ويعيش محمد كنف عائلة غنية، والده يملك فندقا بإسبانيا بالإضافة إلى أنه متحصل على شهادة في الميكانيك كما يعمل في سوق السيارات.
دخل الشاب (حسين. د) 33 سنة، مركز معالجة الإدمان سنة 1997، عاش حياة قاسية حيث كان والده متسلطا، يربطه بسلسلة حديدية ويشرع في ضربه، فلم يتحمل ذلك العذاب ليهرب من المنزل وعمره لا يتجاوز 10 سنوات، عندها انحرف نحو رفقاء السوء وتعلم منهم تناول الخمر والكيف والحبوب المخدرة، وقبل أن يصبح راشدا بسنتين ارتكب جريمة قتل عاقبه القضاء عليها بـ 10 سنوات حبسا، وقضى فترة منها في مركز إعادة التربية. وعندما خرج من السجن، لم يستطع الاندماج في المجتمع، وتعبيرا منه على الهروب من الواقع ومن الألم، بدأ يتعاطى الهيروين عن طريق الحُقن والاستنشاق، فعاش في عزلة تامة اختار من خلالها صحبة الكلاب ليصبح لا يتحدث إلا معها لثقته بها وعدم ثقته بالآخرين، وكشفت لنا المختصّة التي تابعت حالته أنها وجدته يمتلك إرادة قوية ورغبة في التخلص من تلك السموم التي كادت تقضي على مستقبله.
شابات يتناولن المخدرات
عاشت (آمال. ج)، 23 سنة، في كنف عائلة مفككة، فقد توفيت والدتها وهي رضيعة فأعاد والدُها الزواج لتقوم بتربيتها زوجة الأب التي كانت تحس باستمرار أنها غريبة عنها ولا تعرها أي اهتمام، ولأن والدها يسافر باستمرار إلى فرنسا، فقد وجدت نفسها في فراغ إلى جانب غياب المراقبة من طرف المحيط الأسري، فصاحبت المنحرفين من زملائها في الجامعة والذين احتكوا بها لاستغلالها لمعرفتهم بأنها غنية، فأقنعوها بتناول الكيف وشرب الخمر حتى تنسى معاناتها ووحدتها فانساقت وراءهم، لتقع في فخ نصبه لها رفقاء السوء، ولحسن حظها، تفطن والدها لأمرها، وأحضرها إلى المركز للمعالجة وبعد نجاحها في التخلص من حالة الإدمان، غيَّرت نظرتها إلى زوجة أبيها ولوالدها بعد أن كانت تظن أنهما لا يهتمان لأمرها ولا يحبانها، ولم تتوقف آمال عن زيارة المركز في المناسبات بغية تقديم امتنانها للأطباء الذين ساعدوها على التخلص من الشبح الذي كاد أن يقضي على حياتها. والملفت للانتباه أن آمال أصبحت من حين إلى آخر تُحضر إلى لمركز صديقاتٍ لها مدمنات على المخدرات لمساعدتهن على تخطي أزمتهن مع السموم البيضاء.
أما حالة (رتيبة. ك)، فلا أمل لشفائها حسبما كشفته لنا المختصّة التي تعالجها، تبلغ رتيبة 26 سنة من العمر، تعيش في كنف عائلتها، والمشكل الوحيد في حياتها هو أخواتها من أبيها حيث أنها ابنة الزوجة الثانية، ويكمن ذلك في أنهن ينصحنها بطريقة استفزازية ويحرضون والدها عليها، وحسبها فوالدها يهتم لأمرهن لأنهن متحصلات على شهادات عليا، أما هي فتوقفت عن الدراسة في السنة السادسة أساسي. وانتقاما من والدها وأخواتها قررت الانحراف فبدأت بالتردد على الحانات وتعاطي المخدرات وأصبحت لا تحترم والدها، حيث تسبُّه وتشتمه إلى أن قرر إجبارها على دخول مركز معالجة الإدمان للعلاج، غير أن تجربتها لم تنجح حسب شهادة الأطباء كونها فاسدة منحلّة لا تملك الإرادة لإصلاح نفسها، وعندما خرجت منه تأكد للجميع أنها وصلت إلى باب مسدود لا سبيل للخروج منه لأنها لا تريد ذلك.
أما حالة (ياسمين. ب)، 20 سنة، فأكد الأطباء أنها ضحية الضغوط النفسية والحزن الشديد لفقدان والدها، حيث كان يدللها كثيرا بحكم أنها الابنة الصغرى إلى درجة أنها كانت تسافر معه إلى دول كثيرة بحكم مهنته، وعندما توفي لم تتقبَّل الأمر فاقترح عليها صديقها تجريب تناول الكيف الذي “سيساعدها على تخطي أزمتها؟” على حدّ زعمه، فوقعت في الفخ إلى أن أصبحت مدمنة عليه، وفي تلك اللحظة تفطنت إلى ما آلت إليه فاعترفت لوالدتها بحالتها، ولحسن حظها تفهمت الأم وضعية ابنتها وأخذتها إلى مركز معالجة الإدمان بالبليدة للمعالجة. ولفتح صفحة جديدة مع والدتها، قدمت لها حبا مضاعفا حتى تغطي حنان الأب المتوفي.
الاجتماعيون: انعدام الاتصال بين الأولياء وأبنائهم وراء انحرافهم
يرى الأخصائيون الاجتماعيون أن انسياق الأطفال والشباب نحو عالم المخدرات يرجع إلى انعدام الاتصال بين الأولياء والأبناء، التفكك الأسري من طلاق أو موت أحد الوالدين والمعاملة السيئة لزوجة الأب، أيضا التسرب المدرسي والبطالة إلى جانب الحرمان العاطفي والمتغيرات الاجتماعية، حيث تلاشت القيم والمتغيرات الاجتماعية، مضيفة أن خروج المرأة للعمل يلعب أيضا دورا في انحراف الأطفال.
السند العائلي والوظيفة … لإدماج المدمن من جديد في المجتمع
علقت الأخصائية النفسانية عن الحالات التي عالجتها أن السند العائلي والوظيفة ضرورية لأنهما إن غابا فهناك احتمال عودة الشاب إلى تناول المخدرات، وعدم اندماجه في المجتمع من جديد، وأضافت أن بعض الحالات من المدمنين يتعاط آباؤهم الكحول أو أحد أقاربهم يتناول المخدرات.
متفرقات
* أغلب المترددين على المركز تتراوح أعمارهم بين 16 سنة و50 سنة، بمعنى أن تلك السموم مست كل الفئات، ومعظمهم يتعاطون الكيف المعالج والحبوب المخدرة والخمور وهناك استثناءات، فبعض الشباب يتناولون الكوكايين والهيروين فقط.
* يمكث طالب العلاج 21 يوماً وهي مدة كافية لإزالة مفعول المخدرات ويوصف لهذا الأخير أدوية للتخفيف من أعراض الحرمان التي تتملك المريض وتدعى “مرحلة الانفطام” أي التوقف عن تناول السموم، لتأتي المرحلة الثانية المتعلقة بالعلاج الإسنادي الذي تقوم به مختصّة نفسية بالمركز، ويكون ذلك مرة في الأسبوع لمدة 48 دقيقة.
* إنجاح علاجهم وفَّر المركز قاعة رياضية وقاعة ألعاب وملعباً ومكتبة لممارسة نشاطاتهم الترفيهية. هذا وبعد 21 يوماً من العلاج يتمُّ تسريح المريض إلى المنزل مع متابعته للعلاج ومراقبة ذلك مراقبة نصف شهرية ثم شهرية.
*عرف مركز الوقاية ومعالجة المدمنين، الكائن مقره بمستشفى فرانس فانون بالبليدة، إقبالا كبيرا لمتعاطي المخدرات وضحايا شبكات “الموت البطيء” الذين عملوا على ترويج كميات كبيرة من الكيف المعالج والأقراص المهلوسة، على غرار الكوكايين والهيروين و”الكراك” في البلاد، حيث أصبحت الهمَّ الوحيد لمراهقين وشبان أدمنوا على السموم بذريعة أنهم يعيشون “ظروفا معيشية قاسية”، ويعتبر المركز الأمل الوحيد بالنسبة للفارين من عالم الشبح الأبيض.