إقبال “متوسط” على التوظيف بالتعاقد بسبب شرط الماجستير
المسابقة لا تلغي التعاقد.. ولا خوف على الأساتذة المقبولين
تتجه أنظار آلاف المترشحين الراغبين في الالتحاق بقطاع التربية الوطنية، نحو صيغة التوظيف بالتعاقد، التي اعتمدتها الوزارة مجددا مع انطلاق الموسم الدراسي الجاري، غير أن فتح مسابقة توظيف على أساس الاختبار الكتابي المقرر شهر ديسمبر المقبل، خلق لبسا لدى الكثيرين حول مدة صلاحية العقد، ومدى استمرارية المتعاقدين في مناصبهم بعد هذا التاريخ، بحيث عبّر مترشحون عن تخوفهم من انتهاء عقد العمل بعد ثلاثة أشهر من التعيين فقط، غير أن الأحكام القانونية المعمول بها، تنص صراحة على أن العقود سنوية تبدأ شهر سبتمبر وتنقضي وجوبا شهر جوان، وذلك لأجل تحقيق الهدف المبتغى وهو ضمان استمرارية العملية التعليمية التعلمية وتجنّب ترك الأقسام من دون أساتذة.
وإلى ذلك، وبخصوص التسجيلات الرقمية للالتحاق برتبة أستاذ متعاقد، والتي انطلقت رسميا الاثنين 25 أوت الجاري ولا تزال جارية، فقد أظهرت المعطيات الأولية إقبال “متوسط” على العملية، بسبب فرض شهادتي الماجيستر والماستر، الأمر الذي دفع بمترشحين إلى المطالبة بمراجعة المعادلة، وذلك عن طريق إما بالترخيص لحاملي الليسانس بالمشاركة مع فرض تكوين معمّق بعد القبول، أو اعتماد التدرج ومتابعة دراسات ماستر أثناء الخدمة.
عقود التعاقد سنوية.. تمتد إلى نهاية الموسم
وفي هذا الصدد، أكدت مصادر “الشروق”، أن عقود التوظيف بالتعاقد تُبرم عادة على مناصب مالية شاغرة، وذلك ابتداء من شهر سبتمبر، وتمتد بصفة طبيعية إلى غاية نهاية شهر جوان، أي نهاية الموسم الدراسي، حتى تضمن المؤسسة التربوية استقرار التأطير البيداغوجي وعدم حرمان التلاميذ من أساتذتهم.
ويسجّل أن هذه الصيغة لم تأت لأول مرة، إذ سبق للوزارة أن اعتمدتها في دورات سابقة لتدارك العجز المسجل في الأطوار التعليمية الثلاثة، خصوصا في المواد العلمية كالرياضيات والفيزياء واللغات الأجنبية.
وفي ردّ على التساؤلات المطروحة من طرف مترشحين، بخصوص ما إذا كانت مسابقة التوظيف المقررة في ديسمبر المقبل، ستضع حدا لعقد عمل المتعاقدين، أوضحت مصادر متابعة للملف أن المسابقة لا تلغي العقد.
وعليه، فالمتعاقد يواصل عمله البيداغوجي التربوي بشكل عادي إلى غاية نهاية جوان القادم، إلا في حال شارك في مسابقة التوظيف الخارجية ونجح فيها عقب اجتيازه لكافة المراحل، حيث يتحوّل وضعه المهني من تعيين مؤقت إلى توظيف دائم في المنصب المالي نفسه الذي يشغله، وهو ما يمنحه راحة أكبر واستقرارا مهنيا، وأما إذا لم يوفَّق، فإن العقد ينتهي بانتهاء الموسم الدراسي، ويفقد حينها المنصب الذي يشغله الناجحون في المسابقة.
وبالتالي، فإن المتعاقد الذي يلتحق بمنصب عمل ابتداء من سبتمبر، عليه أن يدرك أن عقده يمتد بصفة آلية إلى غاية نهاية السنة الدراسية، غير أن مستقبله المهني يظل رهينا بنتائج مسابقة ديسمبر، فإذا نجح، ضمن الاستقرار، وإذا لم ينجح، فقد المنصب لفائدة الناجحين.
وهو ما يجعل من ديسمبر شهرا حاسما للكثير من الأساتذة المتعاقدين، حيث يجتمع فيه الرهان البيداغوجي المرتبط باستمرار العملية التعليمية، مع الرهان المهني المتعلق بضمان المنصب بشكل دائم، تؤكد مصادرنا.
التوظيف بالتعاقد.. الضامن للمصلحة البيداغوجية
وفي هذا السياق، يؤكد خبراء التربية، على أن هذا الترتيب يحقق نوعا من التوازن، فمن جهة، يضمن تغطية شغور المناصب المالية خلال الموسم الدراسي عبر صيغة التعاقد، ومن جهة أخرى، يمنح الوزارة فرصة تثبيت الكفاءات عبر المسابقة التي تعد الطريق القانوني الوحيد للتوظيف الدائم.
كما شدّدوا على أن المصلحة البيداغوجية للتلاميذ، تبقى أولوية قصوى، حيث لا يمكن ترك أقسام من دون أستاذ طيلة سنة كاملة في انتظار تنظيم المسابقات.
ومن جهة ثانية، أبرزت مصادرنا أن عملية التسجيلات الأولية الخاصة بالالتحاق برتبة أستاذ متعاقد برسم الموسم الدراسي الجديد 2025/2026، تشهد “فتورا” نوعا ما في عديد ولايات الوطن، بعدما أدرجت وزارة التربية الوطنية تعديلا في شروط التوظيف يقتصر على حاملي شهادات الماستر والماجستير دون غيرهما، الأمر الذي انعكس سلبا على حجم الإقبال وأثار نقاشا واسعا في الأوساط التربوية والأكاديمية وحتى داخل العائلات.
وعليه، ورغم الإعلان الرسمي عن فتح آلاف المناصب لفائدة الأساتذة المتعاقدين، رصدت مديريات التربية، في بعض الولايات، نسبة مشاركة “متوسطة” مقارنة بالسنوات الماضية، حيث لم تتعد بعض الشعب 10 بالمائة من العدد المنتظر، وهو ما يعكس ـ حسب متابعين ـ عدم التوافق بين الشروط الجديدة وسوق العمل من جهة، وبين العرض التكويني الجامعي من جهة أخرى.
ومن ثمّ، وفي الوقت الذي ينتظر فيه القطاع سد العجز الكبير في المواد الأساسية على غرار الرياضيات والفيزياء والإعلام الآلي، فإن فرض شرط الماستر جعل شريحة واسعة من حاملي شهادات الليسانس (المؤهلين سابقا) خارج المنافسة، وهو ما تسبّب في “عزوف” وصعوبة في تغطية المناصب.
الرياضيات أكبر المتضررين
وفي هذا الإطار، يقر خبراء أن تخصص الرياضيات كان دائما الحلقة الأضعف في عمليات التوظيف، بالنظر إلى قلة المترشحين وتوجه أغلب خريجي هذا الفرع نحو مجالات أخرى كالقطاع البنكي أو المؤسسات الاقتصادية، ومع حصر المشاركة لحاملي الماستر، تضاعفت الأزمة، إذ تشير التقديرات إلى أن عددا معتبرا من المناصب بقي شاغرا في ولايات كبرى، بينما عجزت مديريات التربية عن إيجاد البدائل.
ويؤكد أساتذة جامعيون، أن “الرياضيات مادة إستراتيجية، تساهم في بناء جيل متمكّن، وأن ترك الأقسام من دون أساتذة متخصصين قد ينذر بضرب جودة التعليم”.
فجوة بين الجامعة.. وسوق الشغل
وفيما يتعلق بشرط الماستر، أكدت مصادرنا على أنه قد يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بمدى توافق مخرجات الجامعة مع حاجيات المدرسة الجزائرية، فعدد خريجي الماستر في بعض التخصصات يبقى محدودا جدا، في حين أن المدارس والمتوسطات والثانويات بحاجة إلى عشرات الآلاف من المدرسين كل سنة.
وفي هذا الصدد، يقول أحد المديرين: “لا يمكن أن نطلب من الجامعة إنتاج أفواج ضخمة من الماستر في ظرف قياسي، بينما هناك آلاف من حاملي الليسانس ينتظرون فرصة عمل، هذا الشرط زاد من تعقيد الأمور بدل أن يحلها”.
وفي مقابل ذلك، فقد عبّر أولياء تلاميذ عن قلقهم من انعكاس هذا الشرط على تغطية المناهج الدراسية في بداية السنة الدراسية، خصوصا أن بعض المواد لا تتحمّل أي فراغ، على غرار الرياضيات والعلوم الطبيعية واللغات.
وأمام هذا الواقع، يرى متتبعون للشأن التربوي، أن التوجه نحو الماستر والماجيستير، كان بدافع رفع المستوى العلمي للمدرسين، لكن التنفيذ أفرز عجزا في الميدان، لاعتبار أن المعيار الجديد لم يدرس بشكل كاف، ولم يأخذ بعين الاعتبار الوضعية الميدانية.
مطالب بفتح نقاش وطني حول شروط الالتحاق بالأستاذية
وبالاستناد إلى ما سبق، يطالب خبراء بضرورة فتح نقاش وطني موسّع حول شروط الالتحاق بمهنة الأستاذية، يوازن بين الكفاءة العلمية والاستجابة الفعلية لاحتياجات القطاع، وذلك على اعتبار أن البلدان التي نجحت في إصلاح تعليمها، اعتمدت سياسات “التحفيز والانتقاء المرن”، مع ربط التكوين بالاحتياجات الميدانية.
وفي هذا السياق، يحذر تربويون، من أن استمرار ضعف الإقبال على التوظيف بالتعاقد، قد يدفع المديريات إلى حلول ظرفية كتوزيع الأساتذة على أكثر من مؤسسة تربوية أو اللجوء إلى الساعات الإضافية، وهو ما سيؤثر على مردودهم وجودة التعليم، كما أن التلاميذ في المناطق النائية سيكونون أول المتضررين، حيث العجز في التأطير أشد.
خاصة وأن تقريرا تربويا صدر حديثا، يشير إلى أن “التلاميذ الذين يفتقدون إلى أساتذة متخصصين في السنوات الأولى من التعليم المتوسط، يعانون لاحقا من فجوات معرفية كبيرة، خصوصا في المواد العلمية”.
اعتماد التدرج ومتابعة دراسات ماستر.. لتجاوز الشغور
وقصد مواجهة العزوف المسجل، اقترح مختصون عددا من البدائل، ويتعلق الأمر بالإبقاء مؤقتا على شرط الليسانس مع إخضاع الناجحين لتكوين بيداغوجي معمّق، إلى جانب اعتماد التدرج، أي فتح الباب أمام حملة الليسانس مع إلزامية متابعة دراسات ماستر موازية أثناء الخدمة.
بالإضافة إلى توسيع قاعدة الاستقطاب نحو خريجي مدارس التكوين العليا وتفعيل الاتفاقيات مع الجامعات، فضلا عن تقديم تحفيزات لجذب الكفاءات نحو التخصصات العلمية النادرة.
توقّع قبول الماستر للتدريس بالثانوي
وفي الموضوع، أبرز الخبير التربوي، عومر بن عودة في تصريح لـ”الشروق”، أن فتح منصة التوظيف على أساس التعاقد هذا الموسم 2025/2026، سيمكّن العديد من خريجي الجامعات من الاستفادة من هذه الصيغة خاصة وأنه يبعدهم عن شبح البطالة.
وفي هذا الشأن، أشار محدثنا إلى أنه وفقا للبلاغ الوزاري الصادر يوم 19 أوت الجاري، فإن توظيف الأساتذة على أساس التعاقد هذه السنة سيكون استثنائيا، وبصفة مؤقتة، أي إلى غاية تاريخ إجراء مسابقة التوظيف الوطنية الخارجية، والمقرر تنظيمها شهر ديسمبر القادم.
وأما بخصوص الإقبال على التسجيل في منصة التعاقد، أوضح الخبير التربوي، أن النسبة تختلف حسب المراحل التعليمية الثلاثة، بحيث نجد إقبالا واسعا بالنسبة للمرحلة الابتدائية والمتوسط، وبالنسبة للمرحلتين المتوسطة والثانوية، وهذه أرقام قابلة للارتفاع في الأيام القادمة بالنظر إلى فترة التسجيل التي تستمر إلى غاية تاريخ 31 أوت الحالي.
ومن هذا المنطلق، لفت عومر بن عودة، إلى أن التسجيل في منصة التعاقد للتدريس في التعليم الثانوي يشترط شهادة ماجستير أو ماستر في الدرجة الثانية، وبما أن نسبة المسجلين بشهادة الماجستير لحد الآن ضعيفة جدا مقارنة مع أصحاب شهادات الماستر، فإن الوصاية قد تلجأ الى اعتماد شهادة الماستر في قبول المسجلين للتدريس في المرحلة سالفة الذكر.
كما توقع محدثنا أن يتم الاعتماد على شهادة “الماستر”، كشرط أساسي للمشاركة في مسابقة التوظيف الوطنية الخارجية للالتحاق برتبة أستاذ في أحد الأطوار التعليمية الثلاثة، والمزمع تنظيمها نهاية السنة الجارية.
وأما بالنسبة للانشغالات المرفوعة من قبل مترشحين عن مدة العقد، خاصة وأن الوصاية أعلنت عن برمجة مسابقة بعد ثلاثة أشهر من الدخول المدرسي الجديد، أوضح عومر بن عودة، أن مدة العمل تحدّد بسنة دراسية كاملة، أي تبدأ شهر سبتمبر وتنقضي وجوبا شهر جوان، من جهة، ومن جهة ثانية، فإن أي مسابقة توظيف تمر بمجموعة ترتيبات ومراحل من تصحيح وإعلان النتائج، وفي هذا الإطار، لا يمكن ترك التلميذ من دون دراسة.
واستخلاصا لما سبق، فإن مسألة سد العجز في التأطير التربوي، مع بداية الدخول المدرسي 2025/2026، تبدو مرهونة بقدرة وزارة التربية الوطنية على مراجعة شرط الماستر أو على الأقل التخفيف من حدّته، فالتجربة أثبتت أن القرارات التقنية إذا لم تُرفق بقراءة واقعية للميدان، تتحوّل إلى عوائق بدل أن تكون حلولا.
وبالتالي، فالمطلوب ليس فقط وضع شروط أكاديمية، بل بناء مسار مهني متدرج يضمن تكوينا مستمرا للأساتذة، ويراعي خصوصيات كل مادة وكل مرحلة تعليمية.