-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
ذكرى القمع الذي استحال خلودا

جسر حنوز بخراطة… حين صار الحجر شاهدا والوادي مقبرة

ع. تڤمونت
  • 139
  • 0
جسر حنوز بخراطة… حين صار الحجر شاهدا والوادي مقبرة
ح.م

في عمق الفجاج الوعرة بـ”شعبة الآخرة”، حيث تعانق صخور وادي “أڤريون” كبرياء جبال خراطة الشامخة، يقف جسر حجري مهيب شُيد عام 1868 ليكون في الظاهر شريان حياة يربط بجاية بسطيف، لكنه في الحادي عشر من ماي 1945، تحول بأمر من وحشية الاستعمار الفرنسي وساديته إلى منصة للموت الممنهج ومسلخا بشريا جماعيا، لم تكن حكاية الشهيد “محند أعراب حنوز” وأبنائه الثلاثة “حنفي، الطيب، ومجيد” مجرد مأساة عائلية في سجلات المجازر، بل كانت ملحمة تراجيدية هزت وجدان التاريخ بأسره وجسدت أبشع صور الإبادة.
وبدأت فصول هذه المجزرة الوحشية، حين أقدمت قوات اللفيف الأجنبي على اعتقال الأب، المساعد الطبي وأحد الرؤوس البارزة في الحركة الوطنية بالمنطقة، من مقر عمله بالملحق الاستشفائي، ولم يتوقف التنكيل الاستعماري عند هذا الحد، بل طال أبناءه الذين أُسروا وهم يقتفون أثر والدهم بشجاعة نادرة، حيث قُبض على حنفي والطيب داخل البيت العائلي، بينما تم أسر مجيد داخل ثكنة الدرك التي توجه إليها بقلب جسور للاستفسار عن مصير عائلته.

لقد وثق التاريخ تلك الجريمة النكراء التي جرت وقائعها أمام “قصر زعيم المعمرين” بخراطة، حيث نُكل بالأب وأبنائه لساعات طوال في “حفل” تعذيب وحشي، شارك فيه المستوطنون الأوروبيون نساء وأطفالا بتشجيع هستيري، في مشهد يندى له جبين الإنسانية، وفي المساء، وتحت وطأة الترهيب، أجبر الجنود سكان المنطقة على مشاهدة الأجساد الأربعة وهي ملقاة على وجوهها فوق الأرض تنبض بآخر الأنفاس، قبل أن يتم نقلهم إلى جسر “شعبة الآخرة” الذي يبلغ طوله 100 متر والمبني من الحجر المنحوت بأقواسه السبعة، وهناك، في مشهد يفوق قدرة العقل على التصديق، تعمد العساكر رمي الأبناء الواحد تلو الآخر من أعلى الجسر إلى أسفل الجرف العميق من علو 50 مترا أمام ناظري والدهم، مطالبين إياه في لحظة النزع الأخير بالهتاف بحياة فرنسا، فما كان من الأب الصامد إلا أن رفض بيع كرامته، ليرد الجلادون بقطع يديه ورجليه ثم رميه هو الآخر ليرتطم بصخور وادي “أڤريون” وتُجهز عليه رصاصات الغدر.

اليوم، لا يزال الجسر يحمل اسم “جسر حنوز” تخليدا لأولئك الذين كانوا أول من عُمدت بدمائهم تلك الهاوية، ليبقى هذا المعلم التاريخي شاهدا أبديا على جريمة تفريغ شاحنات الأبرياء العزل، أحياء وجرحى، في قعر الوادي السحيق، ومقبرة مفتوحة لأجدادنا الذين فضلوا الموت ارتطاما بالصخر على العيش تحت وطأة الهوان.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!