إلا فرنسا
أحتفظ ببعض ما تنشره الصحفُ والمجلات من أحاديث وحوارات أجرتها مع أشخاص ذوي قيمة علمية أو مكانة اجتماعية، دينيا، أو ثقافيا، أو سياسيا.. ومما أحتفظ به في أرشيفي حديثا أجرته الأستاذة وردة بوجملين من جريدة “الشروق” مع الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، رحمه الله، ونُشر في الجريدة المذكورة بتاريخ 2/1/ 2014 ص17.
ومما استوقفني في هذا الحوار حديث الدكتور عن مرض الرئيس هواري بومدين، رحمه الله وغفر له، فقد خلط عملا صالحا وآخر سيئا كسائر البشر، و”إنَّما الأعمال بالنيات”، فالمخطئون، وكل بني آدم خطاءون، ولكنهم ليسوا سواء في خطئهم، فمنهم من يخطئ اجتهادا ونيته سليمة، ومنهم من يتعمّد الخطأ…
عندما ابتُلي الرئيس بومدين بمرضه الذي مات فيه، عرض عليه الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي وبوتفليقة أن يسافر إلى خارج الوطن للعلاج، ولكن بومدين قاطعهما بسرعة، وقبل أن ينهيا كلامهما قائلا: “إلا فرنسا، لن أذهب للعلاج فيها”، بينما كاد غيرُه أن يدفن في أحد مستشفياتها.
عندما تكون الأمور جليّة في ذهن أي شخص، خاصة إذا كان مسئولا كبيرا، أو ذا مكانة، وهو محل قدوة لدى شريحة هامة من الناس، عندما يكون الشخص كذلك، لا يستعمل الكلمات حمّالة الأوجه، ويعبّر بأسلوب لا يحتمل إلا معنى واحدا، وهو المعنى المنغرس في أعماق نفسه وقلبه وعقله.
إنّ أهمّ فكرة مسيطرة على عقول الوطنيين الجزائريين وقلوبهم هي “كراهية فرنسا” لما ارتكبته من جرائم في حقّ الجزائريين، هذه الأفعال التي لا مثيل لها جعلت الإمام الإبراهيمي يقول عن فرنسا بأنها “منبع شقائنا، والصفحة العابسة في وجوهنا… وهيهات أن نصفح عن باريس أو نصافحها بعد أن جنينا المرّ من ثمراتها” (آثار الإمام الإبراهيمي ج2 ص466).
وكرّم اللهُ وجهك أيها الإمام إذ لم يطل عمرُك حتى لا ترى المسئول “الأول” في الجزائر يقبّل المجرمين الفرنسيين مثنى وثلاث ورباع، ويهين الجزائر، ويُغضب الشهداء والمجاهدين باستقبال أصغر مسئول فرنسي…
والحقيقة هي أنّ الفرنسيين يحملون لنا ما نحمله لهم في أنفسنا؛ فعندما زار رئيسهم جيسكار ديستان -الذي سمّى كلبه يوغرطة- الجزائر، سُئل عن هذه الزيارة فقال: “إن التيار لم يمر بيني وبين بومدين لأنه خريجُ الأزهر”، (جريدة الخبر 9/1/2012. ص15).
وجاء في مذكرات وزير خارجية فرنسا الأسبق رولان دوما التي عنوانها(coups et blessures) ، ص 82، أنه عندما عيّنه رئيسُهم المجرم فرانسوا ميتران أخبره -وكان منزعجا من تعيين الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي وزيرا للخارجية- بأنه anti français.
لهذا ولغيره كثير، يغمرني فرح كبير حتى أكاد أطير عندما أسمع أو أقرأ أو أرى أنّ فرنسا غضبت من سياسة الجزائر، وارتفع ضغطُها، فأتمنى أن تصاب بشلل؛ فقد نزعت من قلوبنا ونفوسنا الرحمة التي ربّانا عليها دينُنا الحنيف، مما جعل الإمام الشهيد العربي التبسي -مجهول القبر- يقول: “من يعِش فليعِش بكُره فرنسا، ومن يمُت فليحمل إلى قبره هذه الكراهة” أو كما قال رحمه الله ورضي عنه.