الجزائر
لعدم قدرة التلاميذ على استيعاب لغتين في سن صغيرة

إلغاء الفرنسية في الثالثة ابتدائي والإبقاء على الإنجليزية

نشيدة قوادري
  • 4482
  • 0
ح.م
تعبيرية

لم تعد النقاشات الدائرة حول مراجعة مناهج الطور الابتدائي مجرد توصيات بيداغوجية مؤجلة، بل أخذت طابعاً رسمياً وجاداً يعكس رغبة حقيقية في إحداث “ثورة بيداغوجية” تتماشى مع مصلحة التلميذ.
وفي هذا الصدد، تقرر اعتماد تدريس لغة أجنبية واحدة فقط في السنة الثالثة من التعليم الابتدائي وهي الإنجليزية، مقابل الاستغناء عن مادة اللغة الفرنسية، وذلك بعدما تبين في الميدان أن المتمدرس في هذه السن الصغيرة لا يمكنه استيعاب لغتين أجنبيتين في نفس المستوى.
وفي التفاصيل، أبرزت مصادر “الشروق” أن هذا التوجه المدعوم بمؤشرات رسمية متداولة مؤخراً، لا ينطلق من اعتبارات اعتباطية غير مدروسة، بل يستند بالدرجة الأولى إلى تقارير مستمدة من الندوة الوطنية وحجج علمية رصينة ترتكز على دراسة قدرات الطفل الاستيعابية والنفسية في المراحل الأولى من عمره الدراسي.
ومن ثمّ، فإن الحجة المركزية، التي بنيت عليها هذه المقاربة الجديدة هي “القدرة الاستيعابية للطفل” في سن الثامنة “السنة الثالثة ابتدائي”، حيث تؤكد التقارير أن إجبار التلميذ في هذه المرحلة العمرية المبكرة على استيعاب لغتين أجنبيتين دفعة واحدة (الفرنسية والإنجليزية)، بالتوازي مع لغته الأم (العربية) التي لم يرسّخ فيها ملكاته الكتابية والنحوية بعد، يؤدي في الكثير من الأحيان إلى نتائج عكسية تماماً تحدّ من قدراته الإبداعية والتحصيلية في السنوات الدراسية المقبلة، مثلما تشرح مصادرنا.

صدمة اللغتين في سن مبكرة
وعلى هذا الأساس، لفتت مصادرنا إلى أنه قد اتضح ميدانيا، ومن خلال تجارب الأساتذة المتعددة والميدانية واحتكاكهم الدائم والمستمر بالتلاميذ، أن التلميذ ومع مرور الوقت، قد يحدث له ما يعرف اصطلاحا بـ”التداخل اللغوي” السلبي، ما قد يتسبب في إصابته بتفكك ذهني، أين يصبح أكثر عرضة للوقوع في مشاكل لغوية عديدة على غرار “التخمة اللغوية”، حيث يجد نفسه لا يفرق بين قواعد ونطق لغتين تشتركان في نفس الحروف اللاتينية ويخلط بينهما، مما ينعكس سلباً على استيعابه للمواد العلمية الأساسية كالرياضيات والعلوم، ويفقده بالتالي الشغف الطبيعي بالعملية التعليمية.

الرهان على لغة واحدة لاستيعاب التعدد اللغوي
ومن هذا المنطلق، أبرزت ذات المصادر أن التلميذ بحاجة ماسة إلى التركيز وبناء “قاعدة صلبة” ومستقرة في لغة أجنبية واحدة أولا “الافتراض الأقوى يتجه للإنجليزية”، قبل الانفتاح على لغات أجنبية أخرى في أطوار تعليمية لاحقة (المتوسط والثانوي)، حيث تكون بنيته الذهنية قد نضجت بالشكل الكافي واستعدت لاستيعاب التعدد اللغوي من دون “تداخل مشوش”، وهي الإستراتيجية البيداغوجية المتوقع اعتمادها من قبل الوصاية في المستقبل.
وفي نفس السياق، أكدت المصادر نفسها على أن هذا التوجه نحو حصر الطور الابتدائي في لغة أجنبية واحدة وهي الإنجليزية، باعتبارها لغة عالمية أساسية وحية، في مقابل إزاحة اللغة الفرنسية، يمليه واقع علمي متكامل تفرضه متطلبات العصر الحديث، ويمكن تلخيص هذه الرؤية في نقطتين جوهريتين.
ويتعلق الأمر، أولا، بمرونة البناء اللغوي، إذ تُجمع الدراسات اللغوية الحديثة على أن قواعد اللغة الإنجليزية في مراحلها الأولى أكثر مرونة وسلاسة للاستيعاب مقارنة بالتعقيدات النحوية والصرفية العميقة للغة الفرنسية، مما يسهّل على الطفل التقاطها من دون إجهاد ذهني مفرط.

الإنجليزية خيار أساسي للانفتاح على التكنولوجيات الحديثة
وإلى ذلك، شددت ذات المصادر على أن هذا الخيار يتماشى أيضا، وبوضوح، مع التوجه الإستراتيجي الرامي إلى تعميم مادة اللغة الإنجليزية كقاعدة أساسية للانفتاح على باقي العلوم، التكنولوجيات الدقيقة، والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات تسيطر عليها لغة “شكسبير” بشكل مطلق على الصعيد العالمي.

“الجرأة البيداغوجية” خارطة طريق الجيل القادم
وختاما، يبدو أن المدرسة قادمة على مرحلة من “الجرأة البيداغوجية”، حيث مصلحة التلميذ المعرفية والنفسية هي المعيار الوحيد والفيصل في رسم “خارطة الطريق” للجيل القادم. وبمجرد تجسيد هذا التوجه رسمياً على أرض الواقع، فإن المنظومة التربوية ستشهد تغييرا جذريا يعيد ترتيب الأولويات لصالح جودة التعليم وعصرنته بعيداً عن التشتيت المعرفي.
وتجدر الإشارة، إلى أن وزير التربية الوطنية، محمد صغير سعداوي، كان قد تطرق، مطلع شهر أفريل الفائت، إلى مسألة تدريس اللغات الأجنبية بمرحلة التعليم الابتدائي باعتبارها قاعدية للطورين المتوسط والثانوي، حيث أكد في رده على أسئلة نواب المجلس الشعبي الوطني، على أن تلقي تلاميذ أقسام الثالثة ابتدائي للغتين أجنبيتين في آن واحد، يمثل تحدّيا بسبب التشابه في الحروف ومخارج الكلمات.
وأشار الوزير حينها إلى أن الدراسات المتخصصة توصي بالبدء بلغة واحدة فقط، ثم إدراج اللغة الثانية في السنة الرابعة أو الخامسة بعد اكتساب المتمدرسين الأساسيات، خاصة وأن البرنامج الدراسي الحالي، بعد الإصلاحات الأخيرة المبنية على توجيهات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، يحترم المعايير الدولية ويتيح مساحة للأنشطة الثقافية والرياضية بجانب المواد الدراسية.
ويذكر، أنه لأول مرة في تاريخ التربية والتعليم، تقرر إدراج مادة اللغة الإنجليزية بأقسام الثالثة ابتدائي بعنوان السنة الدراسية 2022/2023، والتي جرى ترسيمها فيما بعد بقرار رئاسي برسم الموسم الدراسي الموالي 2023/2024، مع دعم القرار بفتح تخصص أستاذ تعليم ابتدائي للغة الإنجليزية بالمدارس العليا، وذلك لأجل إنهاء “أزمة التوظيف” على المدى المتوسط والبعيد.
وخلال تلك الفترة الزمنية، تعالت الأصوات المطالبة بإلغاء مادة اللغة الفرنسية، والاحتفاظ بمادة واحدة وهي اللغة الإنجليزية، لتفادي التشويش على عقول التلاميذ، وبالتالي، رفع نسبة الاستيعاب لديهم من جهة، ومن جهة ثانية، لتجسيد سياسة سيادية وهي التخلص من الإرث الاستعماري.
وتسعى السلطات العمومية لتقليص اللغة الفرنسية في المشهد التعليمي، لصالح تقوية ودعم مادة اللغة العربية، واعتماد اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية أولى في مراحل التعليم الأساسي والجامعي، خاصة بعدما تم اتخاذ قرار يقضي بحظر تدريس المناهج الفرنسية في مؤسسات التربية والتعليم الخاصة، فضلا عن إدراج الإنجليزية بمستوى الثالثة ابتدائي.

مقالات ذات صلة