إنقاذ الإسلام من الإسلاموية
لماذا لم تحدث مجازر مروعة في تونس زمن بن علي، بينما تعددت حتى أصبحت شبه مألوفة منذ اليوم الذي غادر فيه السلطة؟ الجواب، الكل يعتقد أنه يعرفه: لقد كان يمسك تونس بيد من حديد … ولكن حسب علمنا، بن علي عندما غادر تونس مع زوجته وأولاده لم يأخذ إلى منفاه السعودي اليد الحديدية، لقد بقيت مكانها. مما يستدعي سؤالا آخر: لماذا فقدت هذه اليد الحديدية السيطرة على الأمن في البلاد؟
مما عرف عن الرئيس قايد السبسي كونه لا يتسامح مع الإسلاموية، فلا يمكن اتهامه بالحسابات السياسوية كالتي اتهم بها الأشخاص الذين رافقوا مسيرة المصالحة الوطنية في الجزائر. وكدليل على ذلك الحزم، أعلن الآمر والناهي لليد الحديدية الحرب الشاملة على الإرهاب ونادى إلى إستراتيجية جديدة تتطلب إمكانيات هامة لا تمتلكها الدولة التونسية بمفردها. إذا كان يقصد الرئيس التونسي بهذه الإستراتيجية إجراءات أمنية جديدة، فهو بذلك لم يأت بالشيء الجديد نسبة إلى من سبقوه، والذين واجهوا نفس المشكلة قبله. وسوف لن يزول بذلك الإرهاب من بلاده.
بطبيعة الحال، يجب أن تجند كل الإمكانيات الأمنية والعسكرية التي بحوزة العالم بأسره ضد الإرهاب، ولكن كل ذلك لن يكون كافيا. ليس لأن الإرهاب أقوى من كل العالم، ولكن بالنظر إلى طبيعته الخبيثة والمراوغة وقدرته على التوالد إلى ما لا نهاية سوف يتمكن من البقاء على قيد الحياة مادام لم يفصل عن مصدر الطاقة الذي يغذيه ويساعده على ذلك التوالد المستمر، الإسلاموية بكل صورها: التكفيرية، الجهادية، السلفية، الأصولية …
في زمن بن علي، كانت الديمقراطية والإسلاموية غير شرعيتين. فالتونسيون يعلمون إذن من أين جاء الإرهاب وهو ما تثبته التجربة الجزائرية المجاورة. هل يجب مع ذلك إلقاء اللوم على أكتوبر 88 وثورة الياسمين؟ هل يجب حظر الديمقراطية في الدول الإسلامية وهل علينا التخلي عنها فقط للمحافظة على الهدوء؟. سيكون الأمر كمن يعترف أن المستبدين والممالك كانت على صواب.
الإسلاموية نبتت في أرض المسلمين وفي كل مكان وجدت فيه طينة بشرية مسلمة. الديمقراطية لم تعطها إلا دفعة إضافية لم تعطها إياها الأنظمة العربية. لكن الأنترنت والوسائط الاجتماعية منحتها إياها وبالمجان: الانخراط بالمراسلة، التجنيد عن بعد، العمل في المنزل… “داعش” علامة مسجلة” (franchise) لا تحتاج لأن ترسل وحدات إلى بلد بعينه. المقاتلون المتطوعون موجودون في عين المكان ينتظرون اللحظة المناسبة والسلاح والتعليمات من أجل البدء في العمل. القمصان السوداء موجودة في الأسواق كما يوجد القماش الأسود الذي تقطع منه الأعلام والعصابات. بضعة آلاف فقط من الدنانير ومظاهر الرعب كلها متوفرة.
كان التونسيون ينظرون إلينا بنظرة استغراب حتى لا نقول نظرة سخرية إبان سنوات التسعينيات دون أن يترددوا في السؤال خفية أو بصوت عال: لماذا يتقاتل هؤلاء الجزائريون فيما بينهم؟ أتذكر جيدا أسئلة زملائي الوزراء التونسيين والسوريين والليبيين والمصريين وجنسيات عربية أخرى عندما كانوا يبدون لي تلك الملاحظات بذلك النوع من الكلمات وبشيء من التحسر (ولكن ليس كثيرا) أثناء الاجتماعات النصف سنوية التي تنظمها الجامعة العربية في القاهرة، ملاحظات كانت تولد في نفسي بغض تلك اللقاءات والنفور من حضورها.
الإرهاب الإسلاموي لم يتراجع منذ ظهوره، لكنه انتقل من مكان إلى آخر وازدادت حدته، وانتهى بأن غطى عدة بلدان في آن واحد، وعلى الأقل، انتشر على مستوى قارتين. وهاهي “داعش” تطفئ شمعتها الأولى، بينما نحن يبدو لنا وبالنظر إلى منجزاتها أنها كانت موجودة منذ عهد تيمورلينك أو حتى عصر القرامطة. لا يوجد سوى شيء واحد يمكن فعله إذا أردنا أن نجتث هذا الطاعون الأسود: الذهاب مباشرة إلى المصدر وقطع التيار من العداد وفصل الإسلام عن الإسلاموية بل وإنقاذه منها، يتعلق الأمر هنا بإطلاق عملية تجديد مفهوم الإسلام للعالم كما كان يتمناه الرسول وكما عبر عنه في حديثه الشهير: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”. هذا الأمل الذي حمله المفكرون ولم يتوصلوا لكيفية تجسيده أو وجدوا أنفسهم في مواجهة “العلم القديم”. وحده التجديد العميق للعلوم الإسلامية والفقه هو الذي بإمكانه أن يعطي النفس الجديد.
كل شعوب العالم تتساءل في ذهول، لماذا يتقاتل المسلمون ويدمرون أوطانهم. الإرهابي التونسي الذي ارتكب مجزرة سوسة كان طالبا في هندسة الكمبيوتر يبلغ من العمر 23 سنة قدم من القيروان، لكن الحافز الذي دفعه لارتكاب جريمته لم يكن شخصيا ولم يولد في القيروان. الفكرة التي جندته ولدت قبله، فقد جاءت من الخارج ومن بنات أفكار المصري سيد قطب والباكستاني أبو الأعلى المودودي ومن كل الفضائيات التابعة للعديد من الدول العربية والإسلامية بما فيها البلد الذي ينتمي إليه وكذلك من معسكرات التدريب في أفغانستان، باكستان، سورية، ليبيا…
كل أجهزة الاستخبارات في العالم يسعون وراء منفذي العمليات الإرهابية ولكن ليس وراء الأفكار التي ألهمتهم تلك العمليات. الأمر يشبه مرحلة حضر الكحول في الولايات المتحدة، عندما كان مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI يجري وراء قنينات الخمر ويترك المعصرات تدور بأقصى طاقتها ويدع آل كابون ( Capone Al) ومعاونيه يلهون في الحانات. هل هذه هي طريقة تفكير من قال إننا سنحتاج إلى أجيال عديدة من أجل القضاء على الإرهاب؟ ذلك محتمل… فالإرهاب الماركسي الذي كان يصبو لإقامة مجتمع من دون طبقات، لم يختف من أوروبا إلا بعد سقوط جدار برلين ومعه الأيديولوجية الماركسية. كان يجب أن نتعلم من أجهزة الشرطة العالمية ماهي المبررات التي تدفع هؤلاء الإرهابيين إلى ارتكاب تلك الأعمال عندما يتم القبض عليهم. كنا نتمنى أن تكون هناك دراسات مقارنة انطلاقا من أرشيف الشرطة والمحاكم وأن تنشر تلك الدراسات حول فئات سفاحي الجملة من مجرمي الحق العام من جهة والإرهابيين الإسلاميين من جهة ثانية. هذه الدراسات من شأنها أن تساهم في تنوير الرأي العام والمحللين والمسؤولين السياسيين ومساعدتهم على اتخاذ القرارات الصحيحة إزاء هذه الظاهرة المتصاعدة على مستوى كل العالم.
كل الجرائم لديها دوافع شخصية أو نفسية أو مادية، إلا هذا النوع من الجرائم الذي ليس هو من نوع جرائم الدم ولا جرائم العصابات ولا جرائم الحرب، ولكنها جرائم أيديولوجية وفلسفية ودينية. إنها ليست جرائم فردية بل جرائم غير شخصية، جماعية. لن تتوقف طالما دوافعها تتجول بكل حرية. نظرية المؤامرة لا تفسر لنا لماذا آلاف الجهاديين يموتون في سبيل الخطط الإستراتيجية لإسرائيل والولايات المتحدة والغرب. فكون هؤلاء يجدون مصالحهم في ذلك ويشجعون على استعار الحرب العالمية الإسلامية، فهذا يدخل في نطاق توقعاتنا، وليس لنا إلا أن نلوم أنفسنا ونلوم عجزنا عن الدفاع عن مصالحنا وعدم قدرتنا على إصلاح جوهرنا البالي والذي لم يعد يتماشى مع متطلبات القرن الواحد والعشرين.
الخلاصة التي يجب أن نخرج بها هي أن العدو الحقيقي للإسلام والمسلمين هي الأفكار الإسلاموية بالدرجة الأولى وبدرجة أدنى من يحملون هذه الأفكار سواءً رجالا أو نساءً، كبارا أو صغارا، أغنياء أو فقراء. إنهم يموتون في عمليات انتحارية أو يقتلون من طرف رجال الأمن ومباشرة بعد ذلك يحمل المشعل آخرون في أماكن أخرى، على قارات أخرى، غير معروفين لدى مصالح الأمن والمخابرات ومن دون سوابق عدلية ومن دون لحى مشبوهة أو لباس مميز كما ثبت في العمليات التي استهدفت فرنسا الأسبوع الماضي.
الإرهابيون يسقطون أو أنهم يوضعون في السجون بينما الأفكار التي حولتهم إلى قتلة بالجملة تتجول في كل مكان وفي كل الإتجاهات: مساجد، مواقع التواصل الاجتماعي، قنوات تلفزيونية، كتب … هذه الأفكار تدرس في المؤسسات الإسلامية المختلفة وتلقن على أنها أهدافا سامية يجب بلوغها. وحين يقرر هؤلاء الذين تشبعوا بكل هذه الأفكار أن يطبقوا ما تعلموه على أرض الواقع، يصطدمون بالرفض والمنع من طرف حكوماتهم التي تتهمهم بالانحراف وممارسة السياسة. من هذه التناقضات ولد الإرهاب في كل مكان أطل فيه: في زمن القرامطة، الحشاشين خاصة بزعامة شيخ الجبل أو في عصرنا هذا.
كيف استطاعت هذه البديهية أن تفلت من إدراك السلطات التي تحارب الإسلاموية؟ لماذا لم يتم الربط بين “علم” تجاوزه الزمن وأصبح مقبرة “للأفكار الميتة” (مالك بن نبي) التي تتعارض مع أبسط القيم الإنسانية، والتشدد الذي يعتري النفوس ونهايته الطبيعية، الإرهاب؟ ذلك هو التناقض الكبير الذي تعيشه الدول الإسلامية التي ترفض أن تعالج أصل المشكلة وتواصل فقط في التعامل مع مظاهرها ونتائجها. أيتها الحكومات العمياء، لماذا تمتنعون عن النظر إلى الحقيقة مباشرة؟ سوف تجرفكم كلكم، أنتم وبلدانكم ودينكم!
العوام المسلمون يعرفون جيدا ماذا ينتظرهم في “الدولة الإسلامية” ولكن لا يبدو عليهم القلق. أولا، لأنهم يتصورون أنها الوسيلة الوحيدة التي سوف تلجم الغرب والصهيونية. ثم أنهم بصدد الانتظار حتى يتضح الاتجاه الذي سوف تميل إليه كفة الميزان، ثم أخذ القرار بعدها. لو وجد مسلم واحد من الألف تستهويه الإسلاموية من 400 مليون عربي مسلم، سوف يكون بين يدي الإرهاب خزان من 400 ألف مرشح، بينما تكفي بضعة مئات منهم حتى يشتعل بلد بأسره ويغرق في الدماء. الإسلاموية ليست في تراجع، إنها في انتشار وتوسع. لقد قامت بمجرد انحناءة واختارت التمويه وسبل الدعوة والشحد المدني، باستغلال المشاعر الخيرة للناس حتى تصبح ثقافة اجتماعية مألوفة.
الإسلاموية على مشارف أن تصبح الطريقة الوحيدة للعيش كـ”مسلم”
بثت داعش إعلانا تتبنى من خلاله مسؤوليتها على اعتداءات فرنسا في 13 من نوفمبر الجاري، واستهلته بالآية القرانية 2 من سورة الحشر”…….وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا _ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ _ …. “. ولم ينكر أي عالم أو منظمة إسلامية هذا التوظيف الإجرامي لآيات القرآن الكريم رغم ضرورة ذلك، ليس فقط لكونها تبرر جرائم لا يبررها الاسلام، بل، وبالعودة إلى معنى الآية الموظفة، لنسب هذه الأفعال الشنيعة إلى الله. إذن بهذا الشكل أي شخص يمكنه استخراج أي آية من القرآن ثم يرتكب أي جريمة دون أن يفكر”العلم” الرسمي في طريقة لايقاف الاستغلال الوحشي والمتطرف للقرآن، للحديث وللإسلام إجمالا.
حال الأمة الإسلامية اليوم أسوأ من أي وقت مضى، لا لأنها تعاني من أعدائها كما كان الحال في الماضي، بل لأنها صارت تموت تحت ضربات أبنائها الذين يغتالونها “بالأفكار القاتلة” التي يحملونها (الإسلاموية بأطيافها)، والتي أفرزها تعفن جثة “الأفكار الميتة” التي توارثوها ولا يزالوا يوظفونها، هذا هو الواقع الذي لن يستطيع نفيه لا الإنكار المصطنع، ولا الاحتجاج الشوفيني ولا التفاؤل الوهمي.
و كَثُرَ ويزداد عدد البلدان العربية الإسلامية التي أضحت فريسة للإرهاب والحرب الدينية اللذين يحصدان مئات الآلاف من القتلى منذ نهاية القرن الماضي، ومنذ إعادة اشتعال الصراع الذي بدأه معاوية وعلي قبل 14 قرنا والذي أخذ اليوم ملامح حرب دينية متجذرة بين السنة والشيعة. لابد من حل واق من هذا الانحراف، فما الذي جناه الطرفان من حرب إيران والعراق في ثمانينيات القرن الماضي، التي قتل خلالها مليون ضحية من بينهم وزير خارجيتنا في ذلك الوقت مع وفد يُرافقه؟
تتشكل اليوم في أذهان غير المسلمين رويدا رويدا ملامح حرب أشد ضراوة وأكثر تهديدا لمستقبل المسلمين أينما وجدوا في العالم، كما يتأكدون يوما بعد يوم أن الإسلام ككل هو المسؤول عن التناقض الصارخ بين المسلمين وباقي الأجناس. حتى وإن كانت أقلية منهم فقط هي التي تحمل الأفكار التي توصف بالمتطرفة، فلا يمكن الإنكار أن هذه الأفكار تنبع مباشرة من “العلم” الرسمي والخطاب الديني الذي تزكيه وتتداوله مختلف القنوات التلفزيونية والمساجد يوميا. هذا ويعمل “الجهل المقدس” دون هوادة ليجعل من هذه الأقلية أغلبيةً ساحقةً وسط المسلمين، كما نلاحظ مثلا في بلدنا الذي حقق انتصارات واعدة ومتميزة في هذا الشأن. الغرب يترك الحبل على الغارب إلى حد الآن، لأن الكثير من الدول المصنفة في خانة العداء لإسرائيل قد تم عمليا تحطيمها: سوريا، العراق، اليمن، ليبيا… بينما دول أخرى تم إضعافها لمدة طويلة وربما إلى الأبد: باكستان، أفغانستان، السودان، مصر، نيجيريا…
تحدث حولنا أشياء عظيمة لا نفهمها ولا نعرف مدى أهميتها ولا نعرف نتائجها المباشرة وغير المباشرة الحاضرة أو المستقبلية. لا يوجد أحد يوضح لنا ماذا يجري عدى ما نلتقطه من وسائل الإعلام الأجنبية منها خاصة أو كالتي نتفحصها بفضل بصيرتنا. سوف لن تتوضح الأمور إلا بعدما ينتهي كل شيء وتصبح النتائج المتوقعة علينا جلية واضحة . وعلى العموم، سوف يكون الوقت متأخرا حينها. تماما كالمسافرين الذين يتم إنزالهم من مركبة في مكان خال قبل أن يكتشفوا أن الوجهة قد تم تغييرها لأسباب أخفيت عليهم.
نهاية العالم Apocalypse كما وصفها القديس يوحنا منذ ألفي سنة والتي قال إنها ستكون المعركة الأخيرة بين الخير والشر تحت اسم “أرماجيدون”Armageddon . توقع أن رحاها ستدور على أرض الشرق الأوسط الذين تجذبهم الروايات التنبئية للقديس يوحنا سوف يرون في داعش فرسان نهاية العالم التي ستستعجلها إسرائيل باللجوء إلى السلاح النووي لو أنها شعرت بخطر حقيقي يهدد وجودها.
*ترجمة: هشام باي