إنكار غضب ومساومة… ونور في آخر النفق
لم يذق النوم جفوني ليلتها، ولعلي غفوت من كثرة الصداع الذي أصابني جراء الدموع الباردة، الساخنة المحرقة التي تصببت غزيرة على وجهي.
إلا أنني تهندمت… ههه.. فبحكم عملي كمذيعة، المظهر الخارجي مهم جدا، وحتى وأنا من وراء الميكروفون وبعيدة كل البعد عن الأضواء والنجومية، كنت أحرص على أن أكون في كامل أناقتي. لم أعرف كيف لبست وكيف تمكنت من وضع الماكياج على وجهي، وكيف خرجت من البيت وتركت قاسم نائما وكيف قدت سيارتي، من أين أتيت بكل هذه القوة، وكيف تمكنت من قيادة السيارة على مدى 30 دقيقة من بيتي إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون…
كان صباحي ذاك اليوم كعادته فيروزيا، لم أرد أن أغير روتيني اليومي، حتى وأنا مثقلة منذ الأمس بخبر صاعق… أنا مصابة بسرطان الثدي… نعم أقولها بملء فمي.. أنا مصابة بمرض السرطان.
كنت مشوشة ومضطربة وذهني في عالم آخر بعيدا عن وكالات الأنباء وعن أبرز الملفات والأحداث السياسية وعن الأخبار.. أعددت أول نشرة إخبارية ويداي ترتجفان وكانت دموعي تتهاطل على الكيبورد وكنت أشهق وأتنهد، حتى إن مسؤولي المباشر سمع شهقاتي وسألني إن كنت أعاني من شيء؟
اكتفيت بالقول: لا، أنا على ما يرام، فقط قرأت خبرا مؤثرا، “أتقنت الكذب من يومها”، فأي خبر مؤثر في أخبار السياسة الجامدة التي أعدها يوميا حتى إنه في ذلك اليوم لم يكن هناك لا تفجير ولا كوارث طبيعية ولا هم يحزنون.
دخلت أستوديو البث 10 دقائق قبل أول موعد إخباري على الساعة السابعة صباحا، وبدأت أسبح وأمسكت الميكروفون بيديّ الاثنتين، خلته سيهرب مني إن عرف أنني مريضة بالسرطان، خلته سيخاف، أو سيتركني ولا ولن يوصل صوتي، كنت خائفة من عدم مقدرتي على إلقاء التحية على المستمعين، أو أن أتلعثم وأنا أقرأ أول خبر أو أن أتفوه بكلمة سرطان في أحد من الأخبار، أو أن يخوننني صوتي على الهواء…
أخذت نفسا عميقا وقلت بسم الله الرحمان الرحيم وتفاجأت بأن صوتي كان يومها جهوريا، جميلا مليئا بالإحساس ولم تكن فيه لا رجفة ولا خوف، بل إنني ابتسمت مرات عديدة بين الخبر والآخر وتفاعلت مع جو الأستوديو وما أردده من أنباء، ولمدة 6 دقائق خلتها ستكون طويلة ولكنها كانت عادية جدا.
أنهيت قراءة النشرة ورجعت إلى مكتبي.. ومنذ تلك اللحظة أيقنت أن هناك شيئا بداخلي دفعني إلى الأمام، وساعدني على تخطي الخوف والألم… لعله سحر الميكروفون، علها الأخبار المتسارعة والمختلفة التي أعدها يوميا، التي علمتني مدى استمرارية الحياة رغم كل الظروف وعساها الحياة برمتها… التي تستحق أن أحياها بكل إيمان وحب وصبر.
كان عزائي الوحيد في هذه الفترة هو ما يحلو تسميته “الشيخ جوجل”، كان رفيق الدرب في الليل والنهار، ولساعات طويلة بقيت متسمرة أمام شاشة الكمبيوتر أو أمام هاتفي النقال، صدعت هذا الموقع بأسئلتي الكثيرة وغير المتناهية عن سرطان الثدي، عن الأسباب وطرق العلاج وأنواع السرطان ومراحله وعن تأثير العلاج الكيماوي والإشعاعي حتى إنني تماديت قليلا ورحت أشاهد العمليات الجراحية وسيرها من الألف إلى الياء.. أنا التي تكره غرف العمليات ورائحة الدم ومنظره وتخاف من مسكة السكين ومن كل الأشياء المتعلقة بغرف الإنعاش والمستشفيات بشكل عام.. شاهدت سير الكثير الكثير من عمليات استئصال الثدي والترميم وما سوى ذلك.
تعرفت على العديد من المواقع الطبية وتطلعت على كل بروتوكولات العلاج وعلى المستشفيات وأحسن الجراحين والباحثين والدكاترة، وأحدث ما توصل إليه العلم في العلاج من هذا الصامت القاتل الذي أضحى يصيب واحدة من ثماني نساء في العالم.
وصلت إلى حالة الإشباع بالمعلومات، بل إنني تجاوزت مرحلة التخمة المعلوماتية بكثير.
لكن يجب أن أعترف بأن “الشيخ جوجل” ساعدني كثيرا في هذه المرحلة بطريقة أو بأخرى،كنت وأنا أتصفح المواقع وأشاهد قصص الناجيات من مرض سرطان الثدي أبحث عن السلاح الذي يمكنني من خلاله مواجهة هذا العدو الخبيث المباغت، الذي لا يصدر صوتا ولا ألما.. هذا الصامت القاتل…
وبينما أنا أغوص في فترة بحثي الطويلة عن سرطان الثدي لكي أتعرف عليه أكثر وأعرف كيف يمكنني التصدي له، كنت أعرف أن المعركة صعبة وأن أوراقي مبعثرة وكراتي كلها لعبت في هذه الفترة، لكنني كنت متيقنة من أنني ربما خسرت الحرب، لكن بقيت أمامي المعركة الكبيرة التي تتطلب مني الكثير من الصبر والأمل.
كانت هناك فترات كثيرة من النكران لما يحدث لي ومن حولي، فترات من الحزن، فترات من السواد، كانت كلها فوق إرادتي، لم أقدر أن أتفادى كل هذه الأمور، هي أشياء داخلية لم أجد لها تفسيرا إلى غاية اليوم.
وبين النكران والحزن والكآبة كان لفترة الغضب نصيب كبير، من يومياتي، قبل إجراء العملية الجراحية فقد كنت أغضب لأتفه الأسباب وتساءلت مثل الكثير أسئلة شرعية.
لماذا أنا؟
ولماذا الآن؟
هل هو عقاب؟
وعلامَ؟
كم بقي لي من العمر؟
هل سأستطيع تجاوز كل هذا؟
ماذا سيحدث لحياتي، العملية، المهنية، الزوجية؟ حياتي كأم؟
كم سأعيش؟
أسئلة كثيرة ولا متناهية كنت أكررها يوميا وفي كل ساعة ولم أجد لها أي جواب، لم أستطع أبدا أن أتقبل أنني مريضة وبمرض خطير قاتل، صامت، مميت…
لم أكن أريد أن أرضخ إلى الأمر الواقع وحاولت جاهدة أن أتناسى أو أن أتجاهل الموضوع لكن كان هناك دبور في ذهني ظل يطنّ ويطنّ علي… أزعجني هذا الصوت الذي يدور في رأسي، أرقني، أهوسني، خوفني وجعلني أرتجف، أتوتر أغضب أيأس… أبكي وأضحك في نفس الوقت، كأن مسا من الجنون قد أصابني…
أضحيت أنا ولست أنا، لم أقدر أن أتعرف على دجى الحالية، بالرغم من كل ما عانيت في حياتي وما مررت به من آلام وأحزان وإحباطات وفترات فشل إلا أن هذه المرة الموقف أو الحدث أو المشكلة أو لا أدري ماذا أطلق عليه متجنبة مرادف سرطان أو حتى مرض… أكبر، أعنف، أخطر…
وهنا، يدان صغيرتان تلفان عنقي، وشفتان دافئتان تضعان قبلة بريئة على خدي الذي انهمرت عليه دموعي البائسة… ماما: أنا أحبك…
إنه الأمل، الحب، الأمومة والطفولة البريئة التي أخذت بيدي إلى بر الأمان.