.. إنه القصاص!
انطلقت الاثنين مجريات محاكمة الرباعي السعيد بوتفليقة، والجنرالين توفيق وطرطاق، إلى جانب لويزة حنون، بالمحكمة العسكرية بالبليدة، في غياب الوزير الأسبق للدفاع اللواء خالد نزار ونجله لطفي والمكلف بأعماله بن حمدين الفارين من العدالة، والذين يواجهون نفس التهم “التآمر”، غايتها “المساس بسلطة قائد تشكيلة عسكرية وتغيير النظام”.
وكانت المحكمة العسكرية بالبليدة، قد أصدرت في 6 أوت الماضي مذكرة توقيف دولية ضد اللواء خالد نزار ومن معه وهو القرار الذي أصدره قاضي التحقيق العسكري، بعد سلسلة التحقيقات التي أجراها مع شقيق الرئيس المستقيل، السعيد بوتفليقة أي في الاستماع الأول، ثم الاستماع في الموضوع، أين اعترف بعلاقته ولقاءاته، مع خالد نزار وحتى نجله لطفي والمكلف بأعماله فريد بن حمدين الذي كان وسيطا بين نزار والسعيد باعتباره جار هذا الأخير.
وكان اللواء “المبحوث عنه” خالد نزار قد أدلى بشهادته أمام قاضي التحقيق العسكري في 14 ماي الفارط بخصوص ما دار بينه وبين السعيد بوتفليقة، حين كان يخطط لمحاولة الانقلاب وفرض حالة الطوارئ والزج بالبلاد نحو طريق مجهول من أجل التشبث بالسلطة على جماجم الجزائريين، حيث كشف نهاية أفريل الماضي عن مخطط خفي كان يحضر له سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس المستقيل للتعامل مع الحراك الشعبي ومساعيه للزج بالبلاد في الفوضى.
وقال نزار إن السعيد بوتفليقة كان متمسكا بالسلطة حتى آخر لحظة وكان مستعدا للقيام بأي شيء من أجل ذلك، وأضاف بأن شقيق الرئيس المستقيل كان حتى نهاية شهر مارس الماضي متمسكا بكل الخيارات للبقاء في السلطة بما فيها الإعلان عن “حالة الحصار” أو”حالة الطوارئ”، رغم المظاهرات الشعبية الحاشدة التي هزت كل أرجاء البلاد.
وبخصوص لقاءاته بشقيق الرئيس المستقيل، قال نزار إنه التقى سعيد مرتين منذ بدء الحراك الشعبي، الأولى في 7 مارس والثانية في 30 من نفس الشهر، ووصف السعيد بـ”رجل في حالة من القلق”، مؤكدا إنه نصح شقيق الرئيس السابق، بالاستجابة لمطالب المتظاهرين، وقال بأنه قدم اقتراحات من أجل الخروج من الأزمة منها ندوة وطنية، ورحيل الرئيس، وتغيير الحكومة، واقترح أيضا انسحاب الرئيس إما عن طريق الاستقالة أو عن طريق المجلس الدستوري، ويتم في الوقت نفسه تعيين حكومة تكنوقراطية، مع وضع الآليات اللازمة للذهاب إلى الجمهورية الثانية.
وذكر المتحدث أنه قدم اقتراحين للسعيد، يتمثل الأول في عقد ندوة وطنية، مع تحديد التواريخ، ومنها رحيل الرئيس في أجل 6 إلى 9 أشهر، وتغيير الحكومة الحالية بحكومة تكنوقراطية، فيما يتعلق الاقتراح الثاني، في انسحاب الرئيس إما عن طريق الاستقالة أو عن طريق المجلس الدستوري، ويتم في الوقت نفسه تعيين حكومة تكنوقراطية وإنشاء عدة لجان مستقلة تكون مؤهلة لتنظيم الانتخابات ووضع الأدوات اللازمة للذهاب إلى الجمهورية الثانية، مع اقتراح أن يستقيل رئيس مجلس الأمة، إلا أن السعيد رفض على الفور الاقتراحات باعتباره “خطر عليهم”، بل أنه أكد أنه في حال رفض الشعب للرسالة ستعلن حالة الطوارئ أو حالة الحصار على حد تعبير نزار.
بلعيز أمام القاضي العسكري كشاهد في قضية “التآمر”
مثل امس الطيب بلعيز رئيس المجلس الدستوري سابقا أما قاضي الحكم العسكري لدى المحكمة العسكرية بالبليدة للإدلاء بشهادته، خلال محاكمة أبرز رموز النظام السابق، السعيد بوتفليقة، الجنرالين بشير طرطاق ومحمد مدين، إلى جانب لويزة حنون.
وكشفت مصادر “الشروق”، عن استدعاء مدير التشريفات السابق برئاسة الجمهورية مختار رقيق للمثول أمام القاضي العسكري في نفس القضية.
“الشروق” تنقل أجواء أشهر محاكمة منذ سنوات
.. في الطريق إلى المحكمة العسكرية بالبليدة
– إجراءات أمنية مشددة وانتشار كثيف لعناصر الدرك والـ”BRI”
الاثنين 23 سبتمبر 2019، يوم تاريخي في أجندة القضاء الجزائري وذاكرة الجزائريين، حيث فتحت المحكمة العسكرية بالبليدة ملف أهم قضية متهم فيها شخصيات ثقيلة على شاكلة السعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس السابق، والرئيس الأسبق للمخابرات، اللواء محمد مدين، المدعو “توفيق”، وبشير طرطاق، المنسق السابق لإدارة الاستخبارات والأمن، ولويزة حنون، الأمينة العام لحزب العمال، المتابعين بجناية “التآمر” غايتها المساس بسلطة قائد تشكيلة عسكرية وتغيير النظام”، وهي التهم التي تضعهم تحت طائلة عقوبات شديدة تصل إلى حد الإعدام”.
عقارب الساعة كانت تشير إلى السابعة صباحا من يوم أمس الاثنين، الانطلاقة كانت من الجزائر العاصمة نحو ولاية البليدة، وفي الطريق المؤدي من بن عكنون إلى البليدة عبر بئر خادم، لا حظنا انتشارا غير مسبوق عبر مداخل الطريق السريع من بني مراد إلى بوفاريك والدويرة لقوات الدرك بمختلف تشكيلاتها، وفي حدود الساعة السابعة و45 دقيقة وصلنا إلى ولاية “الحدث التاريخي” التي عرفت هي الأخرى تعزيزات أمنية مشددة، إذ سجلنا انتشارا كثيفا لعناصر الشرطة وخاصة فرقة البحث والتحري “BRI “، بمدخل المنطقة العسكرية التي تقع على مرمى حجر من المحكمة العسكرية، فيما انتشرت عناصر الدرك الوطني عبر جميع المداخل المؤدية للمحكمة، سواء عبر الطريق السيار شرق ـ غرب أو عبر مدينة البليدة.
وفي حدود الساعة الثامنة، وصلنا إلى الحاجز الأول للشرطة الذي تم نصبه عند مدخل المنطقة العسكرية، إذ تم غلق الطريق تماما مع تفتيش السيارات والمركبات وإعادة إرجاع بعضها، تقدم إلينا أحد أعوان الشرطة المرفوق بعناصر الـ”BRI”، وسألنا عن وجهتنا قبل أن يطلب منا استظهار “الأمر بمهمة”، ويسمح لنا بالمرور.
ووفقا لما لاحظته “الشروق”، فقد ظهر عدد من عناصر الدرك مع السيارات المركونة قرب المداخل، وفي هذه الأثناء أوقفنا أحد أعوان الدرك الذي طلب منا العودة، إلا أن فضولنا جعلنا نمكث في عين المكان، حيث لاحظنا تردد العديد من الوجوه المعروفة لحزب العمال وكذا عدد من أفراد عائلات المتهمين على محيط المنطقة العسكرية، إلا أن مصالح الأمن منعتهم من الدخول، لعدم حيازتهم تراخيص.
كما شهدنا دخول عدد من المحامين الذين يشكلون هيئة دفاع المتهمين الأربعة السعيد، توفيق، طرطاق وحنون، على غرار بوجمعة غشير، ميلود براهيمي، مقران ايت العربي وغيرهم، فيما أكد لنا محامي دفاع الجنرال توفيق الأستاذ فاروق قسنطيني، الذي كان يستعد لدخول المحكمة العسكرية أن هيئة الدفاع حضرت جيدا للمحاكمة، وأن موكله الفريق المتقاعد محمد مدين مريض، وعليه، فإن هيئة الدفاع ستقدم طلبا بتأجيل محاكمة موكلهم.
المحاكمة العسكرية بعيون قانونيين:
مصطفى الأنور: المحاكمة ستكون عادلة بعيدا عن الانتقامية
– عمار رخيلة: المحاكمة ستؤكد أن لا أحد فوق سلطة القانون
أكد القانوني مصطفى الأنور النقيب الوطني السابق للمحامين” لـ”الشروق”، أنه من المفروض أن المحاكمة ستكون عادلة تتوفر فيها جميع الشروط المطلوبة من نزاهة وحياد بعيدا عن الانتقامية، مثلها مثل القضاء المدني، وأن كل الظروف ستكون متوفرة للمتهمين الذين سيستفيدون من جميع الضمانات القانونية، حيث إنهم سيتمكنون من الدفاع عن أنفسهم بواسطة فريق من المحامين والأكيد برأيه أن هناك تهما كبيرة تتعلق بالمساس بمعنويات الجيش وبقادته والتآمر على النظام في الجزائر.
بدوره، القانوني عمار رخيلة قال لـ”الشروق” إنه “بانطلاق هذه المحاكمة، فإنه يتأكد أن “لا أحد فوق سلطة القانون وأن مجرياتها تتماشى مع إطار استرجاع سيادة الشعب وكذلك في إطار ما يسمى بفرض معالم دولة القانون، وهو المشهد الذي سيكون الغالب في مستقبل الجزائر وأن العدالة ستسير وفق القوانين وما يمليه ضمير القاضي في الأخير”.
مدير المركز الجزائري للدراسات القانونية لحسن تواتي يؤكد:
محاكمة رؤوس الفساد ومحاسبتهم خطوة إيجابية نحو جزائر أفضل
ثمن مدير المركز الجزائري للدراسات القانونية المحامي لحسن تواتي محاكمة ومحاسبة رموز الفساد في الجزائر، معتبرا أنها خطوة إيجابية نحو جزائر أفضل لا أحد يعلو فيها فوق القانون.
وقال المحامي تواتي إن ضرب رؤوس العصابة سيؤدي إلى نوع من الردع العام، مشيرا إلى أنها المرة الأولى في تاريخ الجزائر والتي نرى فيما محاسبة مثل هذه الأسماء التي كانت تأمر وتنهى دون رقيب ولم يكن أحد يجرؤ حتى على ذكر أسمائهم ولو سرا، فلذلك-يضيف – هي خطوة إيجابية ومهمة جدا نحو جزائر أفضل لا أحد فيها فوق القانون.
واعتبر تواتي أمس، لدى نزوله ضيفا على القناة الأولى أن هؤلاء الرموز يمثلون سبب الفساد الذي استشرى بالبلاد، وليس فقط رجال الأعمال لأنهم –يضيف- هم من كانوا يوفرون شروط الحماية لرجال الأعمال الذين لم يكونوا سوى بيادق بأيديهم، ولفت المتحدث إلى أن مكافحة الفساد مهمة صعبة بسبب ترسانة القوانين التي قال إنها “مهترئة” والتي أشرف عليها بعض رجال العصابة حسب تعبيره.
وطالب القانوني بمراجعة المنظومة القانونية بالجزائر، قائلا إنها لا تسمح بمحاكمة الفساد بالشكل المطلوب لأن غالبيتها أعدت من قبل أحمد أويحيى منذ كان وزيرا للعدل وظل يتابعها حتى عندما عاد لرئاسة الحكومة لأنه يعلم جيدا هذا الأمر، مشددا على أهمية إعادة النظر في المنظمة القانونية الفرنكفونية التي لا تسمح للقاضي – حسبه – بأن يكون سيدا في قراراته، لأن العصابة-يضيف- لا تزال تحكم عبر أذنابها من خلال التعيينات في كثير من المواقع والمؤسسات والدليل ما نشرته إحدى الموظفات في مطار هواري بومدين عن الفساد في هذه المنشأة.
وقال تواتي إن إصرار العصابة وأذنابها للتشويش على الرأي العام مازال مستمرا من خلال التشكيك في مصداقية الانتخابات، وبث اليأس في نفوس المواطنين من أجل إدخال البلاد في نفق مظلم وتحقيق أجندة خاصة بها، وأردف “رغم أن السلطات استجابت لأغلب مطالب الحراك الشعبي من اعتقال رموز العصابة والفساد ومراجعة قانون الانتخابات وإنشاء سلطة لمراقبتها وتحييد الإدارة، إلا أن ذلك لم يعجبهم “مشيرا إلى أنهم لا يقبلون بأي شيء لا يخدم مصالحهم، ويريدون البقاء على هذا الحال – يقول المحامي – ودخول 2020 دون رئيس جمهورية، وحينها ستدخل الجزائر نفقا آخر لتحقيق أجندتهم الخاصة.