حفيظ دراجي في زمن المونديال… محاكمتان لا واحدة
في كل دورة من دورات كأس العالم تتبدّل المنتخبات والملاعب، ويبقى في الوجدان العربي صوت يُقاس به إيقاع الحدث: حفيظ دراجي. غير أنّ من يظنّه يعلّق على الكرة وحدها لا يقرأه جيداً. في زمن المونديال، لا يبدو دراجي راوياً للمباريات فحسب، بل شاهداً على ميزان أوسع من المستطيل الأخضر.
أكتب عنه لا من مسافة الناقد البارد، بل من معرفة الصديق. والصديق، حين يكتب، لا يحقّ له أن يزيف الصورة بالمبالغة ولا أن يجرّدها من روحها باسم الحياد. حفيظ ليس ملاكاً، ولا يدّعي ذلك. له طبعه، وحدّته، وعيوبه كما لنا جميعاً عيوبنا. لكنه لا يختبئ خلف قناع. هو كما هو: صريح، مباشر، عاطفي، ومتصالح مع صورته العامة حتى حين تكون موضع جدل.
يحب الجزائر كما يحب الإنسان أمه الأولى: بحنان وغضب وخوف وغيرة وألم. الجزائر في وجدانه ليست منتخباً فقط، بل طفولة ومدرسة وشارع وملعب وراية وهتاف. وحبه لقطر لا يناقض هذا الانتماء، بل يكمله. قطر كانت له فضاءً مهنياً وإنسانياً احتضن موهبته ومنح صوته مداه العربي. أحبها بامتنان الرجل الذي لا ينسى من فتح له باباً، وبقي يحب الجزائر بوفاء الابن الذي لا ينسى من أين جاء.
لكن حفيظ الحقيقي لا يظهر كاملاً في الاستوديوهات ولا في المباريات الكبرى. رأيته في لقواط، في زيارة خاصة، بعيداً عن الأضواء والهالة التي تصنعها الشهرة حول أصحابها.
في تاجموت، قرب ملعب صغير كان الأطفال يطاردون فيه الكرة كأنهم يطاردون حلماً صغيراً، توقّف ليسلّم عليهم. لم يصدّقوا أن الرجل الذي يسمعونه في مباريات العالم يقف أمامهم فجأة، بلا شاشة، بلا مسافة، بلا حراس. كانت دهشتهم أصدق من كل تصفيق، وفرحتهم أوسع من الملعب نفسه. هناك فهمت أن الشهرة حين تنحني لطفل تتحول إلى أخلاق، وأن الرجل الكبير لا يكبر بما تقوله عنه الملايين، بل بما يتركه في قلب طفل لم يكن ينتظر شيئاً.
ثم رأيته في مشهد آخر، أعمق وأجمل: لقاؤه بأستاذته القديمة من أيام الثانوية. هناك سقطت الألقاب دفعة واحدة. لم يعد المعلق المعروف ولا الإعلامي الذي يعرفه الملايين؛ عاد تلميذاً أمام من علّمته يوماً. في حضرة الأستاذة لا تنفع الشهرة كثيراً، لأن المعلم يعرف الإنسان قبل أن يعرفه الجمهور، ويرى في الرجل الكبير ذلك الفتى الذي كان يجلس يوماً على مقعد الدراسة.
ولعلّ معدن الرجال لا يظهر في الضوء، بل في الفقد.
حفيظ عرف وجع الفقد حين رحل شقيقه. ومن ذاق فقد الأخ يعرف أن بعض الغيابات لا تُرمّمها الأيام، بل نتعلم فقط كيف نحملها بصمت. لذلك لم يكن غريباً أن أرى حضوره العميق حين فقدنا مؤخراً صديقنا المشترك يوسف زرقاقة. لم تسمح له الظروف بأن يحضر الجنازة بجسده، لكنه كان معنا بقلبه: يسأل، يتابع، يواسي، وينشر ما يدل على أن المسافة لا تلغي العشرة.
هناك أناس يحضرون الجنائز بأجسادهم وتغيب أرواحهم، وآخرون تمنعهم الظروف، لكنهم يكونون أكثر حضوراً من كثيرين. وكان حفيظ من هؤلاء. لم يكن غائباً إلا في الصورة، أما في المعنى فقد كان معنا في كل لحظة.
من هنا أفهمه أكثر مما أفهمه من خلال الضجيج الذي يحيط به: من طفل في ملعب تاجموت، ومن أستاذة قديمة في لقواط، ومن صديق رحل فبقي حاضراً في وداعه رغم المسافة. هذه المشاهد الصغيرة، التي لا تظهر في نشرات الأخبار، ترسم الرجل أكثر من كل المقالات.
أما حفيظ الكاتب والمعلق، فهو امتداد لهذا الإنسان. حين يكتب عن كأس العالم، لا يكتب عن الكرة وحدها، بل عن ميزان العالم: عن ذلك الظلم الرمزي الذي يجعل العرب مطالبين دائماً بإثبات أهليتهم، بينما تُمنح الثقة لغيرهم كأنها حق طبيعي.
وهنا يلزم تمييز دقيق: ما يكتبه دراجي شيء، وما يحمله نصّه شيء آخر. حين يقابل بين مونديال قطر 2022 ومونديال 2026، فهو يضع وقائع أمام وقائع: كيف حوصرت قطر بملفات حقوق العمال والمرأة بل وحتى الحيوان، وكيف انشغلت شاشات كبرى بالتشكيك أكثر من انشغالها باللعبة. تلك وقائعه. أما الأطروحة الأوسع — أن الخطأ حين يقع من الغرب يصبح «تحدياً يُتجاوز»، وحين يقع من العربي والإفريقي يصبح «دليلاً على عدم الجدارة» — فهي أكبر من جمله، وهي تيار عربي كامل يتكلم من خلاله. وأمانة القراءة تقتضي ألا نضع في فمه ما لم يقله، وأن نعترف في الوقت ذاته بأنه صار، شاء أم أبى، لسان هذا التيار.
حين دافع عن مونديال قطر، لم يكن يدافع عن بطولة رياضية فقط، بل عن لحظة عربية كسرت احتكار السردية وأثبتت أن العرب قادرون على تنظيم حدث عالمي لا باعتذار، بل باقتدار. وحين كتب عن مونديال 2026، كان يطرح سؤالاً أعمق: من يملك حق الرواية؟ ومن يملك حق تعريف النجاح والفشل في عالم لا يزال يكيل بمكيالين؟
وفي قلب هذا الميزان تقف الجزائر. الجزائر عند دراجي ليست منتخباً يُشجَّع، بل ذاكرة مجروحة ووعداً لم يكتمل: ملحمة 2010 و2014، وجمهور نادر، وكثافة عاطفية، يقابلها أحياناً سوء تدبير وفرص ضائعة. غير أن الأقدار وضعته هذه المرة داخل المرآة التي يرفعها للآخرين. فقبل لقاء الأرجنتين رفع السقف عالياً، ثم جاءت النتيجة على غير ما اشتهى، وجاءت معها السخرية من كل جهة.
والمأساة الصغيرة هنا ليست في الخطأ، بل في أن من يشخّص داء المبالغة قد يسقط فيه لحظة حب. هذا ليس مأخذاً يُشمَت به؛ هو شهادة على أن المحلل قد يصير فجأة جزءاً من المادة التي يحللها. وفي هذا الاعتراف نبل لا تنال منه السخرية.
ثم هناك ما يُحاك حوله. حين كتب عن حرب إيران والولايات المتحدة، انطلقت حملات رقمية طالبت برحيله، وترددت أنباء عن إيقافه أو التحقيق معه في شبكته. ثم ماذا؟ نفى المقرّبون، ونفى هو، وعاد إلى الميكروفون، حتى افتُتح المونديال وهو في صدارة المعلقين. هنا لا حاجة إلى مرافعة عن الرجل؛ تكفي المسافة بين إشاعة قالت «انتهى»، وحقيقة وضعته على رأس الحدث بعد أشهر.
على أن الإنصاف يقتضي قول ما لا يقال عادة: ازدواجية المعايير التي يرفعها دراجي سيفاً، تُرفع عليه هو أيضاً سيفاً. ففي بعض السجالات الرياضية والإعلامية المغاربية رأى آخرون أن الكيل بمكيالين لا يأتي من الغرب وحده، بل يقع بين العرب أنفسهم أيضاً. والميزان، إن كان ميزاناً، فهو على الجميع. وهذا بالضبط ما يجعل قراءة دراجي أعمق: الازدواجية ليست امتيازاً جزائرياً ولا مظلمة جزائرية، بل نظام في النظر، يطال الراوي كما يطال المروي عنه.
من هنا يكتب دراجي المونديال كمرافعة ضد ازدواجية الغرب في النظر إلى العرب. لكن النص، رغم صاحبه، يفتح مرافعة ثانية أندر: محاكمة العرب لأنفسهم حين يحولون الإنجاز إلى رواية، والرواية إلى وهم، والحب إلى وعد أكبر من الواقع. والأبلغ أن المرافع يجلس، في هذه الثانية، على مقعد المتهمين.
قد يزعج هذا البعض. وقد يرى آخرون أن الصحفي الرياضي يجب أن يبقى داخل حدود التكتيك والخطط والأرقام. لكن حفيظ ينتمي إلى مدرسة تؤمن أن الكرة عند الشعوب ليست تسلية فقط، بل ذاكرة جماعية، ومتنفس اجتماعي، ومرآة كرامة. لذلك ظل قريباً من الناس، حتى حين اختلفوا معه، لأنهم يشعرون أنه لا يعلّق من برج عاجي، بل من قلب المعنى.
حفيظ دراجي ليس مجرد معلق رياضي. هو واحد من تلك الأسماء التي رافقت تحولات الوجدان العربي في العقود الأخيرة. حضر في لحظات الفرح والانكسار، في مباريات لا تُنسى وخيبات لا تُغتفر. صار جزءاً من ذاكرة السمع العربي، وتلك مرتبة لا تمنحها القنوات وحدها، بل يمنحها الناس.
ومع ذلك، يبقى أهم ما فيه أنه لم ينسَ الإنسان داخله. لم تنجح الشهرة في إغلاق قلبه، ولم تحوله الأضواء إلى تمثال بارد. بقي قادراً على أن يتوقف لطفل، وأن ينحني لأستاذة، وأن يحزن لصديق، وأن يكتب لوطن، وأن يعترف بالجميل لبلد احتضنه.
لهذا، حين أكتب عن حفيظ، لا أبحث عن صورة مثالية. الصور المثالية مملة وكاذبة. أبحث عن الصورة الحقيقية: رجل له قوة الحضور وضعف القلب، له حدة الموقف ودفء الصداقة، له أخطاء البشر ونبل الرجال.
ذلك هو حفيظ كما أعرفه: لا يُفهم من مقطع مجتزأ، ولا من خصومة عابرة، ولا من تصفيق عابر. يُفهم من خط طويل من الصدق؛ من الجزائر التي تسكن وجدانه، ومن قطر التي تسكن امتنانه، ومن الأصدقاء الذين لا يتركهم يسقطون من الذاكرة.
ولعل هذا أصدق ما يقال في رجل من لحم وانفعال: أنه يحب بصوت عال، ويخطئ بصوت عال، ولا يعتذر عن صدقه في الحالتين. وتلك، في زمن الأقنعة، ليست تهمة.
إنها شرف.