الرأي

“إنه لَمِنَ العلماء الأفذاذ”

ech
صورة تعبيرية

هذا وصفٌ أطلقه عالمٌ على عالمٍ، لا مدحًا له بما لم يفعل، ولا بخسًا له أفعالَه، فمن هو الواصفُ والموصوف؟

فأمّا الواصفُ، فهو أحدُ علماء الجزائر العاملين، وقد قال لي أحدُ شانئيه (ع. ش): “لو كان عندي علمُ الشيخ أحمد حمّاني لخرقتُ الأرض”. وقد أزعج بعضَ المستشرقين بردّه المفحِم عليهم حتى شكوه إلى الأستاذ مولود قاسم، فكان ردُّه على شكواهم: “دونكم المنبر فدافعوا بالحجّة والبرهان عن أفكاركم وآرائكم”. فبُهتوا، وبلعوا ألسنتهم.

وأما الموصوف، فهو عالمٌ فلا يعرفه إلا من درس عنه أو خالطه؛ إنّه الشيخ الجليل محمد الطاهر ساحلي، المعروف باسم “الجيجلي” نِسبة إلى مدينة جيجل.

لم أتشرّف بالدراسة عن هذا العالم، ولكنّني درستُ في مدرسة الحياة للبنات في جيجل التي كان مديرا لها، كما كان بيتُنا قريبا من بيته، وكان والدي من صحبه، فكنتُ أسترق السمع لِما يتحدّثان عنه من دون أن تعي أذني وعقلي شيئا مما يقولان.. خاصّة أن بعضه كان أقرب إلى الألغاز، لأنّ أقلّ شبهة من قول أو فعل نهايته الموت الزُّؤام على أيدي الفرنسيين اللئام.

ذكّرني بهذا العالم الجليل -وإن لم أنْسَه- ما قرأتُه منذ فترة قصيرة ما كتبه عنه الشيخ أحمد حمّاني من كلام قليل المبنى جليل المعنى وهو: “الشيخ الطاهر ساحلي، وإنه لَمِنَ العلماء الأفذاذ”. (يُنظر: محاضراتُ الشيخ العلامة أحمد حماني ومقالاتُه. عالمُ المعرفة. ج 3. ص 424).

وُلد الشيخ محمد الطاهر في منطقة “بني خطاب”، جنوب شرق مدينة جيجل في عام 1904. بعدما حفظ القرآن الكريم درس عن عالم منطقته وهو الشيخ بلقاسم منيع، وفي زاوية الشيخ الحسين في سيدي خليفة قرب مدينة ميلة، ثم “تزيْتَن” ليتخرّج في عام 1931، فانتسب إلى جمعية العلماء، وبدأ الجهاد العلمي من الدعوة إلى الله، وتنقية الدين مما ألحقه به “سماسرةُ الدين”، ثم أمره قائدُه الإمام ابن باديس أن يذهب إلى مدينة سيق قرب معسكر، لينشر الإصلاح، ويهتك أستار الدجّالين، المسترْهِبين للعوامّ بالبدع.. وبعد مدّةٍ عاد إلى جيجل، وأسّس مدرسة الحياة التي وضع أساسَها ودشّنها الإمامُ ابن باديس في عام 1934.

وقد انتُخب عضوًا في المكتب الإداري للجمعية في آخر حياة الإمام ابن باديس الذي كتب قائلا: “الشيخ محمد الطاهر الجيجلي، المعلّم بمدرسة الحياة بجيجل، والمدرِّس بجامعها، وعميدُ الإصلاح فيها وفي ضواحيها، وفيما إليها من تلك الجبال الملآى بالرجال وأيّ رجال، وقد انتُخب هذا العام لعضوية المجلس الإداري، فلم يرجع إلى جيجل من العاصمة حتى وقف موقفا جليلا، لا أعلنه اليوم، وقد أعلنُه في وقتٍ آخر دلّ على يقينه وشجاعته وثباته، فصدَق ظنُّ إخوانه، وخيَّب ظنَّ قوم آخرين”. (يُنظر: البصائر في 28- 10- 1938. ص 2). ومما فهمتُه من الشيخ حمزة بكوشة أنّ موقف الشيخ الطاهر كان متعلّقا بـ”البرقية” التي أراد أحدُ أعضاء المكتب الإداري أن توجِّهها الجمعية تأييدا لفرنسا قبيل إعلان الحرب العالمية الثانية، والفكرة فرنسية بدءًا وختامًا.

بعد تطهير الجزائر من رجس فرنسا، عُيِّن الشيخ محمد الطاهر في ثانوية “ابن باديس” بقسنطينة، وإمامَ الجمعة في مسجد “حسن باي” الذي حوّلته فرنسا المجرمة إلى كنيسة. ولمّا تقاعد عاد لأول منزلٍ وهو جيجل، فعُيِّن إمامًا في مسجدها الجامع الذي يحمل الآن اسمه حتى جاءه اليقينُ في 1990 بعدما أرضى ربَّه، وخدم دينه، وعلّم شعبه. لم يترك الشيخ إنتاجًا علميًّا وله خطبٌ جميلة الأسلوب، غزيرة الأفكار، جليلة المعاني، ويا حبّذا لو تُطبع.

مقالات ذات صلة