الرأي

إنّهم ثابتون رغم الجراح.. فماذا عنّا؟!

سلطان بركاني
  • 811
  • 0

المرابطون في أرض الجهاد لا يزالون يسطرون البطولات، وما زالت كلماتهم تبثّ الرعب في قلوب اليهود، كيف بأفعالهم.. الصهاينة الجبناء ما عاد في مقدورهم غيرُ أن ينتقموا من العزّل، من الأطفال والنّساء.. وهذا ليس بغريب ولا جديد على قوم أراذل مسكونين بالرّعب لا يقاتلون إلا من الجوّ ومن وراء الجدر والحواجز، يحسبون كلّ صيحة عليهم، ويسعون في الأرض فسادا، ولا يخوضون الحروب إلا بأيدي عملائهم: ((وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)) (المائدة: 64).
رغم البلاء الذي نزل بأرض الإباء، ورغم فظاعة الصّور التي تأتينا من قطاع العزّة، صور الدّماء والجثث والأشلاء، إلا أنّ هناك أملا لا يجوز أن يضعف أبدا، لأنّ الذي وعد هو الله القويّ المتين، وعد بنصر عباده المؤمنين ((وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)).. ووعد بأنّ الأرض يرثها عباده الصّالحون: ((وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)).. وقضى في الكتاب أنّ أمر بني إسرائيل إلى خسران وذلّ وهوان: ((فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا)).. والأخصّ من هذا أنّه سبحانه وعد بأنّ الطائفة المرابطة في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس لن يستطيع أحد القضاء عليها، بل تبقى ظاهرة إلى أن يأتي أمر الله وهي ظاهرة.. لا يجوز أبدا أن ننسى حديث الصّادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى: “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ” قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ؟ قَال: “بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِس”.
لا يجوز أبدا أن نيأس.. فالله -تبارك وتعالى- قال كما في الحديث القدسيّ: “وعزتي وجلالي لأُدبرنَّ الأمر لمن لا حيلة له، حتى يتعجب أصحاب الحيَل”.. أهل غزّة الآن يظهر للعالم أنّهم لا حيلة لهم.. الكلّ قد خذلهم ومن حولهم تآمروا عليهم.. لكنّ الله سيدبّر لهم الأمر حتى يعجب النّاس جميعا.
لا ينبغي أن نيأس؛ فإنّ هناك رجالا في غزّة يعملون ليلا ونهارا حتّى لا تسقط راية الأمّة.. هل ندري لماذا جنّ جنون الصّهاينة؟ ولماذا يعاقبون المدنيين في غزّة بكلّ هذه الوحشية؟ ولماذا تحرّك أمريكا حاملة طائراتها وترسل بجنودها؟ ولماذا تتحرّك بريطانيا وإيطاليا وألمانيا وفرنسا؟ الخطب جلل والضربة كانت موجعة.
ضربة القسّام هذه المرّة كانت ضربة معلّم ما كان الصّهاينة ولا أمريكا يتوقّعانها.. هجوم كتائب القسّام كان هجوما تاريخيا، فضح هشاشة الاستخبارات الصهيونية التي فشلت فشلا ذريعا في التوقّع والمواجهة.. كتائب القسام دخلت الباب على رابع أقوى جيش في العالم.. اقتحمت ما يزيد على 15 مستوطنة.. لا ليس هذا فحسب، بل اقتحمت 8 قواعد استخباراتية عسكرية.. بينها قاعدة سرية تقع داخل غابة..
استطاعت كتائب القسام أن تشوش على الرادارات، واستخدمت طائرات مسيّرة لتدمير أبراج المراقبة والاتصالات الرئيسة على طول الحدود مع غزة، وعرفت أماكن خوادم الاتصالات ودمّرتها.. كانت لديها إحاطة مذهلة بكيفية عمل الجيش الصهيونيّ وتمركز وحداته، بل كانت تملك تقديرا دقيقا للوقت الذي يستغرقه وصول التعزيزات.. وما أذهل استخبارات العدوّ المحتلّ أكثر أنّ جند كتائب القسّام كانوا يملكون خرائط بالألوان للقواعد العسكرية.
والأخطر في الموضوع هو ما كشفته صحيفة الإندبندنت البريطانية أنّ جهاز الاستخبارات التابع لحركة “حماس” قد حصل على كنز أمني استراتيجي خلال اقتحام مقاتليه للمواقع الصهيونية على حدود قطاع غزة. وهو ما جعل الصهاينة يجنّ جنونهم وجعل أمريكا تستنفر مالها وسلاحها للقضاء على حماس.. ولكن أنّى لهم ذلك.
هذه هي الحقيقة وهذا هو الواقع.. عندما كنّا نحن المخلفين نستمتع بصور السيلفي على الشواطئ وفي المنتزهات، وكنّا مشغولين بدنيانا، بالرواتب والزيادات، وبالأسعار والترندات، وبمباريات كأس أفريقيا وكأس العالم ومباريات الدوري الإنجليزيّ والإيطاليّ؛ كان أبناء أحمد ياسين تحت الأنفاق يعدّون العدّة ويطوّرون الأسلحة ويضعون الخطط. وأبناء غزّة عامّة كانوا يتربّون في حلقات القرآن، وشبابها كانوا يتعلّمون في الجامعة الإسلاميّة الدّين الصّحيح الذين يرغبهم في الجهاد ويعلي هممهم.. تلاميذ أحمد ياسين -رحمه الله- لا يهابون الموت الذي أصبح أكثر شيء نخافه نحن.. الموت في سبيل الله أصبح أغلى أمانيهم، في الوقت الذي أصبح أكثر شيء نخافه ونفرّ منه.
جنود القسّام ينادون في الأمّة جميعا: أن كفى والله نوما وشهوات. كفى والله تنافسا في حطام الدّنيا الزّائل. كفى والله خوفا من الأعداء، فهم والله يخافون منّا أكثر من خوف بعضنا منهم.. قوتهم قوة مادية عمياء تقودها قلوب مرعوبة جوفاء.. فكفى لهثا وراء الدّنيا كفى.
مطلوب منّا أن نخرج في مسيرات دعم لغزّة.. لكن ليس يصحّ أن نعود بعدها إلى بيوتنا ونبيت على منشورات ومقاطع الضحك على مواقع التواصل ونصبح نائمين عن صلاة الفجر صبيحة الجمعة.. ننادي بفتح الحدود للجهاد في غزة، ونحن الذين غلبتنا الوسائد وما عدنا قادرين على مفارقتها للوقوف بين يدي الله.. ندعو لتحرير أرض فلسطين ونحن الذين نتقاتل على الأراضي والبيوت، ونأكل حقّ الأخوات في الميراث…
الصور المروّعة التي تحملها إلينا عدسات الكاميرات من غزة، سنكون مسؤولين عنها بين يدي الله: ماذا فعلنا لتتوقّف؟ من استطاع أن يحمل السّلاح ليجاهد مع إخوانه في فلسطين فواجبه أن يجاهد معهم، ومن لم يستطع فليس حقّه أن يخلد إلى الرّاحة والنّوم، ويكتفي ببضع منشورات على مواقع التواصل.. إنّما واجبه أن يراجع نفسه وحاله، ويتوب إلى الله من تقصيره وسوء فعاله، ويضجّ إلى الله بالدّعاء قبل الفجر وعند الفجر وفي كلّ وقت أن ينصر إخوانه المرابطين… من لم يتب إلى الله في مثل هذه الأحداث المؤلمة فمتى يتوب؟ من لم يتب إلى الله وهو يرى أطفال غزّة يصرخون ممّا رأوا من أهوال، ويرى نساء غزّة يحتضنّ جثث أبنائهنّ الشهداء وقد تقطّعت أشلاء، من لم يتب وهو يرى كلّ هذا فمتى يتوب؟!

مقالات ذات صلة