الرأي

إن تمسسْكم حسنة تسؤهم!

سلطان بركاني
  • 1115
  • 0

ليس مستغربا أن يفرح المنافقون الذين يضمرون الكفر الصّريح ويظهرون الإيمان الخادع بكلّ مصيبة تحلّ بالمسلمين، ويستاؤوا من كلّ خير يصيبهم؛ فهؤلاء قد أظهر الله حقيقة ما يكنّون: ((إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)) (آل عمران: 120).. لكنّ المستغرب أن تكون هذه حال من يجزم بأنّه مؤمن بالله ورسوله ولا يتركُ مناسبة إلا ويعلن فيها أنّ “الإيمان في القلب” وأنّ إيمانه أقوى من إيمان “المتمظهرين” الذين يتعاملون مع الإسلام على أنّه منهج حياة، ويتشبّثون بشعائره الظّاهرة ويدافعون عن قضاياه في العالم.. والأكثر غرابة من هذا أن يظهر بعض المنتسبين إلى التديّن الاستياء من بعض ما يُفرح المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ويسيء أعداء الأمّة والمتربّصين بها!

لا يفتأ العلمانيون المتمكّنون من ناصية الإعلام والثقافة وحتى بعض دواليب السياسة في كثير من بلدان الوطن العربي، يهاجمون بشراسة كلّ من يريد لواقع الأمّة أن يخضع للإسلام، ويتّهمون الساعين لذلك بأنّهم يتاجرون بالدّين ويريدون إقحامه في غير مجاله واختصاصه! وقد بلغ بهم الشّطط في فهم العلمانية إلى حدّ الحرص على مخالفة من يصفونهم بـ”الإسلاميين” في كلّ مواقفهم، حتى تلك التي تتعلّق بقضايا الأمّة العادلة، وعلى رأسها قضية فلسطين، حيث لا ينفكّ العلمانيون يتّهمون “الإسلاميين” بأنّهم يتاجرون بالقضية، ويدعمون “المقاومة” التي تصرّ على خوض معارك خاسرة! وموقف العلمانيين العرب من طوفان السّابع من أكتوبر خير مثال يضرب في هذا الصّدد؛ فقد دأبوا منذ صولته الأولى على اتّهام المقاومة بالمغامرة والمقامرة، وزادت حدّة خطابهم ولهجة طعنهم في المقاومة مع ارتفاع عدد ضحايا العدوان الصهيونيّ على قطاع غزّة.. وعندما أعلن عن وقف إطلاق النّار، وظهر كيف أنّ العدوّ لم يحقّق شيئا من أهدافه، وخرج رجال المقاومة ليحتفلوا مع رجال غزّة ونسائها وأطفالها باندحار العدوّ، انطلق العلمانيّون يسلقون المقاومة بألسنة حداد، ويشكّكون في ظَفر أقرّ به الإعلام العبريّ وتحدّث عنه المحلّلون الإسرائيليون أنفسهم!

ومع شناعة الموقف العلمانيّ العامّ ممّا حققته المقاومة الباسلة في أرض العزّة، فإنّه ربّما يهون مقارنة بموقف طائفة من هذه الأمّة تُحسب على “الإسلاميين”، وتتحدّث باسم الدّين، بل يدّعي رموزها أنّهم وحدهم المخوّلون بأن يتحدّثوا باسم الإسلام، هذه الطّائفة هي ما يعرف في الأوساط الدعوية بـ”المدخلية” التي خرج منظّروها وأتباعها بعد إعلان وقف إطلاق النّار ليحمّلوا حماس فاتورة الحرب الباهظة، ويذكّروا بعشرات الآلاف من الضحايا وبالخراب الذي خلّفته الحرب! متناسين بأنّ هذه الفاتورة ليس سببها أُسد المقاومة الذين قاموا في الأمّة منذرين بأنّ أقصاها يهوّد وأرض إسرائها في خطر، إنّما سببها المتخاذلون الذين جبنوا عن تلبية النّداء، بل ووقفوا في صفّ المحتلّ وأغروه بخوض هذه الحرب وعدم إيقافها حتى القضاء على حماس!

كما يتناسى هؤلاء المرجفون المتمسّحون بالسنّة والسّلف الفاتورة الباهظة التي دفعها الصهاينة في هذه الحرب، من عشرات الملايير التي أنفقت، إلى مئات الجنود والضباط الذين نفقوا، إلى الفشل العسكريّ العامّ الذي مني به الجيش الصهيونيّ، إلى الخيبة السياسيّة المريعة الذي منيت بها حكومة نتنياهو التي عجزت عن تحقيق شيء من أهدافها المسطرة في أكتوبر 2023م.

إنّه لأمر مخز حقيقة أن يجلد المحلّلون العسكريون والإعلاميون في الكيان الصهيونيّ نتنياهو وجيشه بكلّ قوة ويحمّلوهما مسؤولية هذا الفشل المدوّي وتتحدّث وسائل الإعلام في الكيان المحتل عن استقالة رئيس هيئة الأركان في الجيش الصهيونيّ “هيرتسي هاليفي” من منصبه تحملا لمسؤوليته في فشل جيشه خلال هجوم السابع من أكتوبر، ويتوقّع المحلّلون تتابع الاستقالات داخل الجيش المأزوم، من رئيس المخابرات العسكرية اللواء أهارون حليفا، وقائد الوحدة 8200 العميد يوسي ساريل، وقائد فرقة غزة العميد آفي روزنفيلد، وقائد اللواء الشمالي في فرقة غزة العقيد حاييم كوهين، وقائد القيادة الجنوبية، اللواء يارون فينكلمان… في الوقت الذي بصرّ فيه مخاذلة الأمّة على التشكيك في الملحمة التي سطرتها كتائب العزّ في قطاع غزّة خلال 15 شهرا!

إذا كان دافع العلمانيين لتبنّي موقف سلبيّ تجاه المقاومة هو عداؤهم المتجذّر للإسلاميين، فإنّ دافع المداخلة هو التعصّب الطائفيّ البغيض الذي يدفعهم إلى التشبّث بمواقف رؤوسهم حتّى ولو خالفت المنقول والمعقول والواقع؛ فما دام رؤوسهم يصرّون على نصب العداء للمقاومة في غزّة على اعتبار أنّها محسوبة على “الإخوان المسلمين”، فإنّ الأتباع لن تفتر لهم همّة في الدّفاع عن هذا التوجّه الذي يراد به إرضاء جهات سيادية لها مآرب أخرى وحسابات تصفّيها!

مقالات ذات صلة