الرأي

إيران والخليج: تفادي السيناريو الخفي قبل فوات الأوان…

محمد سليم قلالة
  • 260
  • 0

بمرور الأيام تتحول الأزمة في الشرق الأوسط من حالة مُعقَّدة قائمة على علاقات بين متغيرات يمكن تتبعها وفهمها وإِنْ بشكل صعب، إلى حالة مُركَّبة متعددة الطبقات تتطور بطريقة غير خطية من خلال التفاعل المتسمر وأحيانا من ساعة إلى ساعة يصعب معرفة مسارها المستقبلي وتُتذر بمخاطر جمة! ويأتي خطاب التصعيد الإعلامي بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي في مثل هذا الظرف الحسّاس كإشارة حاملة للمستقبل باتجاه الوقوع ضمن شراك سيناريو خفي أُعد بإحكام لتقع فيه كافة دول المنطقة…
لذلك نقول أن أية جهة ترفع صوت التصعيد في هذا المجال، إما أنها لا تفهم طبيعة الصراع اليوم، أو هي غير قادرة على إدراك شبكة التفاعلات الكثيرة التي تصنع الأزمة الحالية، أو هي تُدرك وتفهم ولكنها تُزايد على الجميع ليتفاقم الوضع وتُحقِّق بعضا من مصالحها الدنيئة وغير الأخلاقية في نطاق هذا السيناريو…
لذا ينبغي علينا اليوم جميعا تشجيع أي صوت هادئ يُعيد العقول إلى رشدها ويمنع تنامي اتجاهٍ بدأ يَصعد في الساعات الأخيرة، يسعى من جهة، إلى تأجيج الصراع بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، ويدفع من جهة أخرى باتجاه اعتبار الكيان الصهيوني “صديقا” (بريئا من كل تهمة) ينبغي دعمه ضد إيران “العدو” الذي لا تعايش معه!
صحيح لا يمكننا إقناع الخليجي بأن إيران لم تؤذه بهجماتها وأن الولايات المتحدة لم تُمكِّنه من الأسلحة لصد هذه الهجمات، إلا أن تحليل الأمر من منظور العلاقات غير المباشرة وديناميكية التأثير والتأثر المتبادل بين الفواعل والمتغيرات (باعتبار الأزمة ظاهرة مركبة)، سيكشف لنا أن تبسيط الصورة بهذا الشكل والانطلاق من أثر الفعل المباشر فقط، سيوصلنا إلى مغالطات يمكنها الدَّفع بسياسات حكومات كاملة نحو الاتجاه الخاطئ، تجعلها لا تكتشف الآثار السلبية لخيارها إلا بعد فوات الأوان…
ولا نشك أن الأطراف العربية والإيرانية، تدرك درجة التحول في طبيعة الأزمة اليوم، وهي الآن تسعى للتصرف ضمنها بعيدا عن أي تبسيط للصورة أو استبعاد للمتغيرات الخفية التي تُحرِّكها، إلا أن هذا الوضع غير المسبوق تماما في العلاقات الدولية، بات يحتاج مقاربات غير تقليدية للتعامل معه خاصة في المجال الإعلامي، ذلك أن أي خلل في الإدراك قد يدفع بأي طرف للوقوع في شراك سيناريو خفي مُعَد له مسبقا لكي يقع فيه، وعندها تحل الكارثة، ولا يستطيع الإفلات منه حتي وإن أراد.
وبهذا الصدد ينبغي لنا ألا نشك لحظة أن الولايات المتحدة بقدرات التفكير الاستشرافي والاستراتيجي التي تملك إنما تهيئ المنطقة إلى سيناريو مُحدَّد سلفا لخدمة مصالحها البترولية وغير البترولية المتعلقة باستبعاد الصين وروسيا، كما ينبغي لنا أن لا ننساق وراء تلك السردية المضللة التي تقول أن الرئيس الأمريكي يتصرف بمفرده أو “ببلاهة” كما تُصوِّر بعض وسائل الإعلام، أو تلك التي تُصوِّر لنا مراكز القرار الخليجية والإيرانية كونها عاجزة على إدراك طبيعة الأزمة الحاصلة اليوم في المنطقة وغير قادرة على فهم الحدود الفاصلة الرفيعة جدا بين متغيراتها حتي لا تقع في فخ السيناريو الخفي الذي سيحكمها لعقود قادمة… وإلى جانب ذلك علينا أن لا نتوقف عن التنبيه حتى تتصرف بلدان المنطقة، خاصة على الصعيد الإعلامي وفق استراتيجيات وطنية وإقليمية مدروسة تمنع الوقوع في المحظور بحيث تستوعب التجليات العاطفية لدى الجمهور من دون إحباطه، وتَستبق السيناريو الخفي الذي يتم الإعداد له الآن لإيقاع الجميع فيه. هذا السيناريو الذي عرفنا لحد الآن عنوانه الذي يقول: مزيدا من العداء بين إيران وجيرانها حتى تبقى إيران معزولة في محيطها الطبيعي! ومزيدا من التقارب بين دول مجلس التعاون الخليجي و”إسرائيل” حتى تصبح هذه الأخيرة طبيعية في محيطها غير الطبيعي! يبقى علينا البحث في تفاصيل ما بعد العنوان، وهي أعمق بكثير مما نتصور!

مقالات ذات صلة