إيوو الصينيّة “سوبرماركت العالم”… من هناك يستورد الجزائريون السلع والألعاب!
تبدو مدينة إيوو في مقاطعة تشجيانغ، للوهلة الأولى، مدينة صينية مثل غيرها، غير أن التجول في شوارعها يكشف سريعا أنها تحولت إلى واحدة من أهم عواصم التجارة العالمية للسلع الصغيرة، حتى باتت تعرف باسم “سوبرماركت العالم”، حيث يجد التجار من مختلف القارات كل ما يحتاجونه تقريبا، من الألعاب والهدايا والملابس والإكسسوارات إلى الأدوات المنزلية والمنتجات الموسمية، هناك كما يقول الجزائريون تجد كل شيء إلا أباك وأمك.
وتقع إيوو على بعد نحو 280 كيلومتر جنوب غرب شنغهاي، وتحتضن قلب هذه الحركة التجارية، سوق إيوو الدولي للتجارة، الذي يضم قرابة 80 ألف محل تجاري، وأكثر من 2.1 مليون نوع من السلع، ويوجه تجارته إلى أكثر من 230 دولة ومنطقة في العالم، بحسب معطيات تلقيناها خلال زيارتنا. ولا تتوقف حركة المدينة عند السوق، فالفنادق والمخازن ومكاتب الشحن والخدمات المالية واللوجستية والمطاعم والمتاجر المتخصصة تنتشر حوله، فيما يتوافد التجار الأجانب على مدار العام لعقد الصفقات واختيار السلع وتجميع الطلبات وإرسالها إلى بلدانهم، وهناك يتهافت التجار الجزائريون قادمين من العلمة وتاجنانت ومدن أخرى ويعودون محملين بالسلع.
بيع الكثير بسعر تنافسيّ
بدأت قصة سوق إيوو الحديث سنة 1982، قبل أن يتوسع تدريجيا مع انفتاح الاقتصاد الصيني، ويتحول من سوق محلي إلى منظومة تجارية ضخمة تجمع في مكان واحد المصنع والمورد والمشتري وخدمات التخزين والشحن والتصدير، ومن يدخل السوق اليوم يحتاج إلى وقت طويل حتى يستوعب حجمه، مبان ضخمة، طوابق متتالية، ممرات طويلة، ومحلات تمتد على مسافات تبدو بلا نهاية، ففي المنطقة الأولى أ الدور الأول تنتشر الألعاب والزهور الاصطناعية والهدايا والحرف والإكسسوارات، فيما تضم المنطقة الثانية الحقائب والمظلات ومواد التغليف والأدوات الكهربائية والأقفال وبعض الأجهزة الصغيرة والساعات، أما المنطقة الثالثة فتجمع مستلزمات الرياضة ومستحضرات التجميل والنظارات والسحابات والأزرار ولوازم الملابس، وتعد المنطقة الرابعة من أكبر أقسام السوق، بمساحة تتجاوز مليون متر مربع وأكثر من 16 ألف محل، وتنتشر فيها الجوارب والملابس الداخلية والأحذية والأقمشة والأشرطة والدانتيل والمناشف وغيرها من المنتجات التي تدخل في تفاصيل الحياة اليومية، أما المنطقة الخامسة فتخصص للتجارة الدولية والسلع المستوردة وعدد من الخدمات المرتبطة بالنشاط التجاري، وفي كل بضعة أمتار يتغير المشهد، منتج جديد، لون آخر، تصميم مختلف، وأسعار تنتظر التفاوض، هنا لا يحتاج التاجر إلى التنقل بين عشرات المدن للبحث عن الموردين، فآلاف المنتجات والموردين والخدمات التجارية موجودة في مكان واحد، وهو ما يفسر جاذبية إيوو بالنسبة للتجار القادمين من مختلف الدول.
وخلال الجولة داخل السوق، أكد لنا عدد من العاملين أن التجار الجزائريين حاضرون بشكل متكرر، وخاصة القادمين من العلمة وسطيف وتاجنانت ومناطق أخرى من شرق الجزائر، وهو حضور ارتبط تاريخيا بتجارة السلع الصغيرة وإعادة بيعها في السوق الجزائرية.
ولا يقتصر الأمر على المحلات التي تعرض البضاعة فقط، فخلف الواجهات توجد حركة أخرى لا تقل أهمية، عينات يجري اختيارها، أسعار تناقش، طلبيات تجمع، وبضائع تنتقل من محل إلى آخر قبل أن تجد طريقها إلى المخازن ثم إلى الحاويات. وفي بعض الأجنحة، كان واضحا أن التاجر لا يأتي لشراء منتج واحد، وإنما يتنقل بين عشرات المحلات، يقارن الألوان والأحجام والأسعار، ثم يعود إلى المورد الذي يناسبه.
وبينما كنا نعبر أحد الممرات، كانت الألعاب تملأ الواجهات بألوانها وأشكالها، وبعد أمتار قليلة تتغير الصورة تماما لنجد حقائب وأحذية وإكسسوارات ومواد منزلية، ثم ننتقل إلى مستلزمات المناسبات، هذا التنوع هو الذي يجعل جولة واحدة داخل السوق كافية لفهم سبب تعلق التجار به، فكلما ظننت أنك وصلت إلى نهاية نوع معين من السلع، ظهر أمامك محل آخر يحمل منتجات لم ترها قبل دقائق.
من المنتج إلى البث المباشر
لكن سوق إيوو لم يبق كما كان قبل عقود، فالتجارة داخله تتجه بسرعة نحو الرقمنة، من تصميم المنتج إلى التسويق والبيع والتواصل مع الزبون، وخلال الجولة، لفت انتباهنا عدد من فضاءات العرض والتصميم، بينها تصميم لمنتج على شكل حصان، قيل لنا إنه حاز جائزة في مسابقة للتصميم والابتكار كما أوضح لنا القائمون أن السوق يتعاون مع مئات الجامعات الصينية لتطوير المنتجات وربط التعليم بحاجات الشركات والسوق، وتدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي بدورها في أجزاء متزايدة من هذه العملية، من تصميم المنتجات والترجمة متعددة اللغات إلى إعداد مقاطع الفيديو والتسويق الرقمي، وبحسب معطيات رسمية، تحولت عشرات الآلاف من المحلات في السوق إلى فضاءات للبث المباشر على مدار الساعة، بما يسمح للتجار بعرض المنتجات والوصول إلى المشترين دون انتظار حضورهم إلى إيوو، وبذلك أصبح بإمكان التاجر أن يبدأ من فكرة أو تصميم، ثم ينتقل إلى التصنيع والبيع بالجملة أو التجزئة، وصولا إلى البث المباشر والتسويق الرقمي، فيما تتكفل منظومة الخدمات المحيطة بالسوق بالتخزين والشحن والتصدير.
الجزائريون… قصة بدأت منذ التسعينيات
الحضور الجزائري في إيوو ليس وليد السنوات الأخيرة، إذ يكشف أحد الجزائريين الذين التقيناهم أن التجار الجزائريين اكتشفوا إيوو منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، وكان رواد هذه الحركة مرتبطين بشكل خاص بمدينة العلمة وولاية سطيف وحتى تاجنانت والشرق الجزائري، في البداية، كان التاجر الجزائري يحتاج إلى وسطاء يساعدونه في الترجمة والتفاوض وفهم إجراءات الشراء والشحن وإعداد الوثائق، لكن مع مرور الوقت أصبحت إيوو وجهة معروفة لدى المستوردين الجزائريين، خاصة بسبب التنوع الكبير للسلع والأسعار التنافسية وإمكانية العثور على عدد كبير من الموردين في سوق واحد.
وهذا ما يفسر العلاقة التي نشأت بين إيوو ومدن تجارية جزائرية مثل العلمة وتاجنانت، حيث تحولت السلع الصغيرة القادمة من الصين إلى جزء من النشاط التجاري الذي تعرف به هذه المدن ولا تعني هذه العلاقة أن كل السلع المتداولة في الجزائر مصدرها إيوو، لكنها تكشف عن مسار تجاري طويل جعل المدينة الصينية محطة معروفة لدى عدد من المستوردين الجزائريين.
واللافت، أن أسماء المدن الجزائرية تتكرر في الحديث مع التجار والعاملين في السوق، العلمة، سطيف، تاجنانت ومدن الشرق كلها تقريبا، وكأن لهذه المدن طريقا خاصا إلى إيوو، فالتاجر الذي يعرف السوق جيدا لا يأتي عشوائيا، وإنما يدخل وهو يعرف نوع البضاعة التي يبحث عنها، ويتنقل بين الأجنحة التي اعتاد التعامل معها، ثم يبدأ رحلة أخرى لا تقل أهمية عن الشراء، وهي تجميع السلع وترتيبها وشحنها نحو الجزائر.
ومع اتساع السوق، تغيرت طريقة التعامل أيضا، فالتاجر لم يعد مضطرا إلى حمل كميات كبيرة في كل زيارة، إذ أصبح بإمكانه التواصل مع الموردين، طلب العينات، متابعة الإنتاج والتنسيق بشأن الشحن، وهو ما جعل العلاقة بين الطرفين تمتد إلى ما بعد مغادرة إيوو.
“شعبان موبايل”… العربية في قلب إيوو
ومن أكثر ما يلفت الزائر العربي في إيوو، أنه لا يشعر بأنه غريب تماما، فالعربية حاضرة في عدد من الشوارع والمتاجر والمطاعم والخدمات التي تستهدف التجار القادمين من الدول العربية، وخلال جولتنا، سجلنا وجود أسماء عربية مكتوبة على واجهات المحلات، من بينها “شعبان موبايل”، كما لفتتنا أسماء مثل “المطعم العربي” و”فتيحة”، في مشهد يعكس وجود مجتمع تجاري عربي استقر في المدينة منذ سنوات.
ويتركز جزء من هذا النشاط في محيط شارع تشوتشو الشمالي، حيث توجد مطاعم ومتاجر ومكاتب شحن وخدمات موجهة للتجار القادمين من الدول العربية، كما لاحظنا ونحن في حافلة الوفد الصحفي العربي الذي يزور المدينة وجود اللافتات العربية في المنطقة، فيما تشير دراسات سابقة إلى أن هذا الحي أصبح مع مرور الوقت نقطة تجمع للتجار العرب، مع المطاعم والفنادق والخدمات التي يحتاجونها.
وفي هذا الفضاء التجاري، تختلط العربية بالصينية وبعدد من اللغات الأخرى، لتصبح اللغة نفسها جزءا من البنية التجارية للمدينة، فالتاجر لا يبحث فقط عن السلعة، وإنما عن وسيط يتحدث لغته، ومطعم يناسب عاداته، وشركة شحن تعرف وجهة بضاعته، وخدمات تساعده على إتمام الصفقة.
من زينة المناسبات إلى ألعاب الأطفال
وتتنوع السلع المعروضة في إيوو إلى درجة تجعل من الصعب تحديد حدود واضحة للسوق، فهناك الهدايا والديكور ولوازم المناسبات والألعاب والأدوات المنزلية والملابس والإكسسوارات، إضافة إلى منتجات موسمية تتغير بحسب المناسبات والأسواق المستهدفة.
وخلال الجولة، حدثنا أحد المرافقين عن حجم الطلب العالمي على منتجات المناسبات والألعاب القادمة من إيوو، مشيرا إلى أن أسواقا مختلفة تعتمد على المدينة للحصول على كميات كبيرة من هذه السلع.
أما في المنتجات المرتبطة بالمناسبات رمضان وعيدي الفطر والأضحى والمولد النبوي، فأشار أحد المرافقين للوفد الصحفي إلى أن إيوو توفر أكثر من 90 بالمائة من السوق العالمية لصور وملصقات وعبارات الأعياد.
وحتى ألعاب الأطفال مصدرها سوق إيوو، وهو ما يعكس قدرة المدينة على الاستجابة للطلب الموسمي بسرعة كبيرة، وابتسم قائلا: “حين أغلقت السوق عام كورونا، أمضى العالم عيدا دون زينة”، وتكشف هذه التفاصيل عن واحدة من أهم نقاط قوة إيوو، وهي القدرة على الانتقال من منتج إلى آخر ومن موسم إلى آخر، بحسب حاجات الأسواق العالمية.
جامعة إيوو… حين تصبح التجارة مادة دراسية

ولا تنتهي قصة إيوو عند السوق، فالتجارة هنا تحولت أيضا إلى مادة تدرس داخل الجامعة، وخلال زيارة جامعة إيوو للصناعة والتجارة، لمسنا طبيعة مختلفة للعلاقة بين التعليم وسوق العمل، إذ لا تكتفي المؤسسة بالتكوين النظري، وإنما تربط الطلبة بشكل مباشر بالشركات والمنتجات وآليات البيع والتفاوض ويتعلم الطلبة كيفية تقديم المنتجات للزبائن، التفاوض حول الأسعار، التحضير للمعارض، وفهم طريقة عمل الشركات، كما توجد فضاءات مخصصة لعرض المنتجات والتدرب على التعامل مع الزبون، بما يجعل الطالب أقرب إلى أجواء المؤسسة التجارية الحقيقية. وأوضح القائمون على الجامعة أن التعاون مع الشركات يشكل جزءا أساسيا من التكوين، مع وجود تعاون قوي مع شركة علي بابا في مجال التجارة الرقمية، إضافة إلى برامج لتكوين الطلبة والأجانب في اللغة الصينية والتجارة الدولية والتجارة الإلكترونية والبيانات.
وتعمل الجامعة كذلك على تكوين أشخاص من خارج الصين، فيما استقبلت برامجها طلبة أجانب من دول مختلفة، كما أنشأت في السنوات الأخيرة مسارات مرتبطة بالتجارة الرقمية والبث المباشر، بما يتماشى مع التحول الذي تشهده إيوو نفسها.
وفي فضاء ريادة الأعمال، يتعلم الطلبة كيفية إنشاء الشركات وإدارتها، بينما يشارك آخرون في مسابقات وطنية للابتكار وريادة الأعمال، في محاولة لتحويل المعرفة التي يحصلون عليها داخل القاعات إلى مشاريع قابلة للتطبيق.
وخلال الزيارة، بدا واضحا أن الجامعة تريد أن تجعل الطالب يعيش التجربة التجارية قبل أن يدخل سوق العمل، ففي فضاءات مخصصة لذلك، يتدرب الطلبة على عرض المنتجات أمام الزبائن، تقديم خصائصها، مناقشة السعر والدخول في عملية تفاوض حقيقية، كما يتعلمون كيف يستعدون للمشاركة في المعارض، وهي مهارات يصعب اكتسابها من الدروس النظرية وحدها، وتتجاوز علاقة الجامعة بالشركات مجرد التعاون الأكاديمي، إذ تستفيد من خبرة المؤسسات التجارية وتفتح المجال أمام الطلبة للتعرف على طريقة اشتغالها، كما تقدم تكوينا للشركات ولأشخاص من خارج الصين، وشرح لنا القائمون أن الجامعة تعمل أيضا على دعم الابتكار ونمو المشاريع، فيما يشارك طلبتها سنويا في مسابقات على المستوى الوطني.
ومن بين التجارب التي أثارت اهتمامنا وجود فضاءات تسمح للطالب بأن ينتقل من مرحلة التعلم إلى تجربة إنشاء مشروعه، فيتعرف على كيفية تأسيس الشركة وإدارتها، وكيفية التعامل مع المنتج والزبون والسوق، وهو ما يفسر ارتباط الجامعة الوثيق بمدينة تعيش أساسا على التجارة. ومع مغادرتنا إيوو، بقيت في أعيننا صورة آلاف السلع وهي تنتظر طريقها إلى العالم، وفي الأذن أصوات الباعة والمترجمين والمشترين وهم يتفاوضون على آخر قطعة وآخر سعر، وبين هذا الزحام كان حضور الجزائريين واضحا في ذهننا باعتبار الصين أول مورد للسلع إلى الجزائر، فالمسافة بين إيوو والجزائر أقل بكثير مما تقولها الخريطة، فهنا تبدأ رحلة سلع صغيرة، وهناك تنتهي في محل جزائري وبين يدي مستهلك قد لا يعرف شيئا عن المدينة التي صنعت لها هذا الطريق.